«حسرة عليكِ يا بلد، الحال فيكِ مش موزون، لا حول ولا ولا حول ولا، إلا بالله العون». ترثي فرقة «الراحل الكبير» في أغنيتها الجديدة «لا حول ولا» حال العيش في لبنان في الوقت الراهن. تنضمّ هذه الأغنية إلى أغنيتين أخريين لتشكّل معهما الأعمال الجديدة في العرض الحالي للفرقة اللبنانية الذي يشهده «مترو المدينة» بعنوان «نشر الأواعي».

بسخريةٍ سوداء كعادتها، وبتعمّد زيادة المواربة والتلميح هذه المرة تماشياً مع السلطوية المتزايدة في لبنان، تنقل «الراحل الكبير» المشهد المحليّ العام إلى خشبة مسرح «مترو المدينة» مساء اليوم، محدّدةً بواسطة الموسيقى، إن جاز القول، ملامح الحكم الحالي. الوضع الاجتماعي المتردي، الاقتصاد الذي يقف على حافة الانهيار، تراجع الحريات وتضييق المجال العام، إلى جانب تنامي خطاب العنصرية والكراهية... ذلك كلّه وسط التأزم النفسي المهيمن على المواطنين الذين يبحث بعضهم عن اللجوء وليس فقط تأشيرة هجرة، كما في أغنية «موعد مع السفير»، أو قد وجدوا الحلّ في الكحول لتقليل نسبة الوعي العام، كما في أغنية «موعد مع الحكيم»: «قلي الدكتور مشربش أبداً إلا في المناسبات/ ومن يومها صارت حياتي كلها مناسبات».

من العرض

العرض الذي تشهده بيروت الليلة بعد أمسيةٍ أخرى قبل أسبوعين، يُقام ــ كما أشار بيان الفرقة ــ «احتفالاً بالتقدّم الذي لمسناه أخيراً في بلدنا لبنان، في السياسة والاقتصاد والأمن وتحسّن المعيشة وانتعاش الحريّات العامّة واتّساع الخطاب الديني التنويري المنفتح وشيوع روح الإخاء الوطني، إضافةً إلى الإنجازات الأمنية الكبيرة والجهود المبذولة في الحفاظ على البيئة وتطبيق القوانين وتحييد القضاء عن أصحاب النفوذ وبدء تطبيق سياسة التوظيف على أساس الكفاءة بعيداً عن المحاصصة التي عشناها في العهود الظلامية السابقة». البيان نفسه لحّنته الفرقة ليصبح أغنيةً افتتحت به الأمسيتين الغنائيتين من «نشر الأواعي». يقول مؤسّس الفرقة، المؤلف والموسيقي خالد صبيح، إن بيانات الفرقة كانت تشير بشكل مستمر منذ تأسيسها قبل ست سنوات، إلى «سوريالية الأوضاع»، الأمر الذي أصبح سوريالياً بحدّ ذاته. وبالحديث عن السوريالية، يُذكر أن بعض المواقع العربية التي نشرت خبراً عن الحفلة، أخذت البيان المذكور على محمل الجدّ، مصدقةً أن الفرقة تحتفل فعلاً بالإنجازات الوطنية، ما يجعل عرض «الراحل الكبير» يبدو كأنه من تنظيم «مديرية التوجيه» مثلاً.



منذ تأسيسها عام 2012، شكّلت «الراحل الكبير» (خالد صبيح، ساندي شمعون، أحمد الخطيب، عبد قبيسي، علي الحوت، سماح أبي المنى، الراحل عماد حشيشو ونعيم الأسمر سابقاً) وثيقةً موسيقية للواقع المعاش في لبنان. لم يشأ أعضاء الفرقة البيروتية أن تكون تجربتهم مقيّدة بالأغنية السياسية أو بالنقد الاجتماعي والسياسي فقط. بل أرادت أن تكون مشروعاً موسيقياً يشمل مستويات متعددة، فاستعادت على طريقتها موشحات وأغنيات قديمة أحياناً، لكنها تميّزت بشكلٍ أساسي بأغانيها الخاصة التي واكبت أحداثاً سياسية مهمة محلياً وإقليمياً، ما أظهر تعطّشاً لدى الجمهور اللبناني خصوصاً إلى هذا النوع من التجارب الفنية في ظلّ انحسار الأفق أمامهم يوماً بعد آخر. بدءاً من «كلّن يعني كلّن» التي رافقت حراك 2015، إلى «من أجل هذا ولهذا» التي جرى تأليفها إثر توقيف الفنان زياد عيتاني بتهمة العمالة لإسرائيل، التهمة التي اتضح لاحقاً أنها مفبركة. «نشيد الطفل المعجزة» الموجّه إلى وزير وزعيم سياسي لبناني (لن نسمّيه منعاً لتوريط الفرقة وتوريطنا). «أنا شفت كلام الواضح فيه دعوسة بين الرجلين/ لا انا حمل بوليس وتعالَ وروح واقفل فيسبوك شهرين/ صبّحت بوارب بس بحارب بدل الكلمة اتنين...». في هذا المقطع في «النشيد»، تحيلنا «الراحل الكبير» بوضوح على استدعاءات الناشطين التي شهدناها خلال العام الماضي إلى التحقيق بسبب انتقادات طاول معظمها رئيس الجمهورية أو رئيس التيار الوطني الحر.
من هنا، يهيمن على عرض «نشر الأواعي» مناخ الرقابة والمنع الذي ازدادت سطوته في البلد أخيراً، لا سيما بعد الحملة ضد فريق «مشروع ليلى» في تموز (يوليو) الماضي، التي أدت إلى إلغاء حفلة الفريق في «مهرجانات جبيل». بدايةً من استبدال اسم «أبو بكر البغدادي» بـ«أبو كسم اللبناني» في نهاية أغنية «مولد سيدي البغدادي» التي اختارت الفرقة تأديتها في أول العرض، والتي تضع الحفلة في سياقها النقدي. «الناس كلها تعبانة/ والبلد كله مديون/ طب قولي كيف وصلنا إلى هون/ حكمٌ سوريالي مجنون/ طبعاً عم بحكي عَ إيرلندا/ مش قصدي أبداً عن هون».



المواربة إذاً، والنقد بالتلميح لا بالتصريح، هي السمة الأساسية لعرض «الراحل الكبير» الحالي. يقول إن «أعضاء الفرقة في مقابلاتهم الأولى كانوا أكثر صراحةً ومباشرةً، ولم يشعر أحدٌ حينها أنه كان يقوم بأمر شجاع. لكنّ شيئاً ما تبدّل في العامين الأخيرين، ما دفع بالفرقة إلى ممارسة رقابة ذاتية تفادياً لمشاكل محتملة». لذلك اختارت الفرقة عنوان «نشر الأواعي» من الأغنية التي تحمل الاسم نفسه والتي تعرف إليها جمهور الفرقة للمرة الأولى في عرض «أيام العجب» مطلع العام الحالي، عنواناً للعرض الحالي. «نشر الأواعي بعد الغسيل مش مستحبّ»، يقول مطلع الأغنية التي ألّفها ولحّنها خالد صبيح كنموذج أغنية «لا تستفزّ أحداً». فإذا كانت استعارة دينية في عمل فني تُعتبر مسّاً بالأديان وتصبح مدعاةً لحملات كراهية وأمنية، وإذا كان أي نقد أو سخرية من «العهد» (هل شهدت اللغة في لبنان تاريخياً شيئاً أثقل دماً من تحويل هذه الكلمة إلى اسم علم؟)، يجرّ صاحبها إلى التحقيق، كيف نخرج بعملٍ ينجو من اختراق الخطوط الحمراء الذي يبدو أنها تزداد يوماً بعد يوم، إلا بالحديث عن أمور مثل «نشر الغسيل» مثلاً؟
تنفرد فرقة «الراحل الكبير» في الوقت الحالي بتقديم الأغنية السياسية في لبنان. في الأساس، هذا النوع من الفن ظلّ مقتصراً على تجارب محدودة تاريخياً على المستوى المحلّي. من زياد الرحباني إلى سامي حواط، مروراً ببعض الأغاني النقدية في إطار ما يُعرف بـ«الفن الملتزم» وبتجارب متفرقة في الراب ولدى فرق الأندرغراوند. بالنسبة لصبيح، كان من الصعب تجاهل ما يحدث في المجال العام في العقد الأخير محلياً وإقليمياً، خصوصاً من قِبل مجموعة أشخاص تحمل إرثاً موسيقياً مهماً وهماً سياسياً واجتماعياً. كيف يمكن أن تمرّ كل الأحداث التي شهدها البلد في العقد الأخير، هذا السيرك المتواصل على مستويات عدة وفي ضوء الحروب الإقليمية من دون فنّ يناكف ويسخر ويسائل السلطات بواسطة الموسيقى والنصّ الشعري؟
كرر مؤسس «الراحل الكبير» في مقابلات عدة أن أعضاء الفرقة لا يؤمنون بمبدأ الفن للفن، ولا بكونه رسالة استنهاض وخطاباً تعبوياً بالطبع. لكنّ الفنّ هو في الأساس تعبير عن واقع، عن ظرف معيّن. لذلك لم يكن منطقياً برأيه أن تؤسس فرقة في الوقت الراهن تتجاهل ما يحدث حولنا، محلياً وعربياً. فرض الواقع نفسه على عمل الفرقة، مع أنه في البداية لم يكن يسيطر عليها هاجس الأغنية السياسية والاجتماعية. إلى جانب الأغاني النقدية التي اشتهرت فيها «الراحل الكبير»، قدّمت الفرقة أعمالاً وجدانية مثل تلك التي تضمنها عرض «أيام العجب» بعد انقطاع عن العروض مدة عام تلا فقدانهم رفيقهم عماد حشيشو إثر حادث سير. مع ذلك، يطغى الهم العام إن جاز التعبير على أعمال الفرقة، حتى في الأغنيات التي تتخذ من قصائد معروفة نصاً لها، مثل «إن لم يكن حظ الفتى في دهره» لعمر الخيام (ألحان سماح أبي المنى) فواضح أنه يمكن توظيفها في إطارٍ نقدي أوسع وعلى صلة مباشرة بالراهن.
يؤكد صبيح أنه من غير الممكن بالنسبة إلى الفرقة تقديم فنٍّ منفصل عن الواقع. يؤمن أن للفن وظيفة اجتماعية وانعكاساً لما يعيشه الفرد: «أعرف فنانين اختاروا الانفصال عن الواقع، والاهتمام بالجمالية وحسب»، يوضح صبيح الذي يرى أنه من الطبيعي تقديم أغنية إذا سُمعت بعد عقود نعرف أنها صدرت سنة 2019 مثلاً. مع ذلك، لا يوافق صبيح على تسمية «الفن الملتزم»، يرى أن هناك خطأً في التعريف، إذ إن الفنان يعبّر عما يدور في داخله من دون أن يحدد سابقاً «الالتزام» من عدمه. لا يرى أن الفنّ يجب أن يكون كأنه صادر من مكتب حزبي، ولا فناً مجرداً يتعاطى كأنه «أرقى» من الواقع، بل عليه أن يتفاعل مع ما هو موجود حوله.



فكرة مشروع «الراحل الكبير» أصبحت معروفة وقد تكلمت الفرقة عنها مرات عدة في لقاءات مختلفة. ثيمة «قتل الأب» بدءاً من التسمية التي تعكس التمرد على قوالب التراث الموسيقي العربي، وصولاً إلى مقارعة مفهوم الأبوية ككل على مستويات عدة. لكن صبيح وأعضاء الفرقة أوضحوا دائماً أن «قتل الأب» لم يحدث إلا بهدف التصالح معه لاحقاً. فجميع أعضاء «الراحل الكبير» أمضوا سنوات طويلة في فرقٍ تحتفل بهذا الإرث، مثل «ربيع بيروت» و«جفرا» اللتين انتمى صبيح إليهما وغيرهما. لكن عند لحظةٍ معينة، شعر أعضاء الفرقة بضرورة الانتقال إلى مرحلةٍ مختلفة، ليس على أساس القطيعة، فذلك مستحيل، إذ «لا يمكننا أن نعمل على موسيقى من المريخ، فنحن في النهاية أبناء هذا الإرث»، بحسب صبيح. ولكن لم يعد ممكناً الاكتفاء بالعمل على ريبيرتوار سيد درويش وزكريا أحمد والشيخ إمام الذين عبّروا عن لحظتهم التاريخية وبيئتهم خير تعبير، من دون مواكبة هذه اللحظة وهذا الظرف.
يؤكد صبيح أن الموسيقى تخدم النص والمعنى لدى «الراحل الكبير». لذلك نلاحظ هيمنة الإيقاعات المتكسّرة على أغاني الفرقة، بغية التصوير الأمثل للنص باللحن. الأولوية للمعنى في أعمال الفرقة، فالمطلوب إيصال الحالة، وهو ما يتوافق مع الوظيفة التعبيرية للفنّ المراد تقديمه والتي يشدد عليها مؤسس الفرقة. في هذا السياق، تأتي تجربة «الراحل الكبير» امتداداً لتجارب شهدها القرن العشرون في الموسيقى العربية، من حيث محاولات توظيف وتطويع هذه الموسيقى ضمن محاولة أكبر للتغيير. لكن تلك التجارب التي استطاعت التغيير في الموسيقى العربية بدءاً من داوود حسني وسيد درويش وزكريا أحمد الذين فتحوا الباب أمام أشكال ومدارس جديدة، لم يكن لديهم هاجس التغيير من أجل التغيير. وعلى هذا المنول، لا تتعمد «الراحل الكبير» التغيير في الموسيقى «لأن ذلك يصبح أيديولوجيا، ونحن هاربون من الأيديولوجيا ونتتبع الأشياء الصحيحة بالفطرة»، بحسب صبيح. بالطبع تجربة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ألهمت مشروع الفرقة، إلى جانب أسماء أخرى لموسيقيين مصريين لعلّ أبرزهم، الراحل منير مراد، كما أكدت الفرقة مراراً.
يهيمن على العرض مناخ الرقابة والمنع الذي ازدادت سطوته أخيراً في البلد

مراد تمكّن من طبع ألحانه بروح الخفة والسخرية والشغب، بمعزل عن النصّ ومعناه. كما أن مراد كان من أوائل الملحنين الذين اعتمدوا في أغانيهم الإحالة على أغانٍ أخرى، الأسلوب الذي تستخدمه «الراحل الكبير» في أغانٍ عدة. على سبيل المثال، نستمع في «الأولة» وهي من الأغنيات الجديدة، إلى إحالة على مقطع «وصفولي الصبر» من أغنية «دارت الأيام» لأم كلثوم، وإحالة أخرى على «هان الود» لمحمد عبد الوهاب. لا ينسى صبيح في معرض تعداد مصادر إلهام عمل «الراحل الكبير» ذكر خالد وكاميليا جبران اللذين يعملان خارج القوالب الموسيقية من دون هاجس تكسيرها في الوقت نفسه، كما يقول.
إذاً تتابع التجربة التي حجزت مكانةً لها في مجال الفن المستقل في العالم العربي عملها، بنجاحٍ وتفرد برغم الصعوبات. على سبيل المثال، تعيق العقبات المالية إنتاج الألبوم الثاني للفرقة بعد ألبومها الوحيد La Bombe (إنتاج «مترو المدينة»، بتمويل من مؤسسة «آفاق»)، على الرغم من إنتاج أكثر من 20 أغنية جديدة سيتم الاختيار بينها في الإصدار الثاني. إذ «من يهتم بالإنتاج لفرقة عم تردح بالسياسة والاجتماع؟» برأي صبيح. وعلى الرغم من العوائق المادية، يبدو أن الجمهور «مهتمّ» بالتجربة المميزة التي تضرب موعداً الليلة معه لاستعراض بانوراما لـ«القرف» كما يصفها صبيح... القرف الذي لا تبدو له نهاية قريبة. غير أن «الراحل الكبير» مصممة على الاستمرار في مقارعة الواقع السوداوي. ولعلّ هذه الجملة من «نشيد الطفل المعجزة» خير معبّر عن إحدى «النيات» الأساسية للفرقة في المرحلة الراهنة: «روح قول لعمّك روح قول له/ روح قول له يا عمّي «الراحل» جاني/ وأنا اهرب منه فين؟».

* «نشر الأواعي»: 21:30 مساء اليوم ـــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 76/309363