«بلدة في المساء، موقف سيّارات، سوبرماركت، طريق سريع، الرجل الذي يملك ثلاث سيارات والرجل الذي لا يملك واحدة، الفلاح وأولاده… إعلانات، أضواء نيون، وجوه القادة، وجوه الأتباع، صهاريج الغاز...». سجّل روبرت فرانك (1924 ــ 2019) قائمة مسبقة لما يريد تصويره قبيل انطلاقه برحلته الطويلة على طرقات أميركا سنة 1955. ربّما ظهَرَت هذه المواضيع حقّاً في صوره، إلا أن كاميرته أعادت تعريفها في ومضات فالتة من الصورة التوثيقية المباشرة التي درجت في أميركا حتى ذلك الوقت. خلال الأربعينيات، ترك المصوّر السويسري عائلته البرجوازيّة وبلاده نهائيّاً، ومن نيويورك حيث أقام لسنوات في شارع غرينويتش الصاخب، عاد إلى الهدوء ليعيش في كوخ في نوفا سكوشا الساحليّة في كندا حيث رحل أخيراً عن 94 عاماً.


روبرت فرانك

حين كان المصوّر العشريني الذي درس وعمل في زوريخ يبحث عن فضاء أرحب لعدسته، جاء إلى أميركا. اشتغل لفترة كمصوّر للأزياء، قبل أن يمرّ على البيرو، وبوليفيا، ولندن وويلز وباريس إيذاناً ببدء أسفاره على طرقات أميركا التي قطع منها أكثر من 16 ألف كيلومتر مع كاميرته اللايكا برفقة زوجته وابنيه. رحلاته أدّت إلى لحظة فارقة وانتقاليّة في تاريخ الصورة. منها نتجت مجموعته الأشهر «الأميركيون» (ضمّت 27 ألف صورة بالأبيض والأسود)، اختير منها 83 لكتاب بالعنوان نفسه صدر عام 1958 في فرنسا، بعدما رفضه الناشرون والنقاد الأميركيون، بسبب «قلّة اكتراثه» بالموضوع المصوّر، أي أميركا. عندما بدأ فرانك رحلته على 84 ولاية، كان قد مضى عقد على انتهاء الحرب العالميّة الثانية. قبلها، كانت البلاد قد راكمت سيلاً من الصور التوثيقية عن فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات للمصوّرين ووكر إيفانز ودوروثيا لانج، اللذين وثقا للناس والولايات بتكليف من الـ Farm Security Administration، بهدف «تعريف أميركا على الأميركيين». جاءت صور فرانك بعدها لتعرّف الأميركيين على أميركا لم يعتادوا رؤيتها، أو لم تكن لديهم رغبة برؤيتها خارج إطار الحلم الكبير في صور المجلّات والإعلانات الملوّنة. أميركا حينها كانت القوّة العسكرية الأقوى في العالم، السيارات الفاخرة بدأت تغزو طرقاتها، والاستهلاك بلغ أقصاه، وفي الخلفيّة كانت تتناهى أصوات الاحتجاج مع حركة الحقوق المدنيّة. في هذه اللحظة جاء فرانك ليعبّر عن «تعبه من الرومانسيات، ورغبته بتظهير ما يراه بصفاء وبساطة»، وفق تعبيره في مقابلة.

من سلسلة «الأميركيون»

ببساطة، لم يفكّر بتوثيق أميركا في الخمسينيات.
ممارسته كانت أكثر تلقائية وعفويّة. نموذج جمالي عن انعدام سلطة المصوّر على كادراته. لحظات سائبة تماماً تجرؤ على تغييب أي مركز عن صوره التي تترك انطباعاً بأنها تنفض يديها منذ البداية من الوصول إلى أي هدف. والأهمّ تلك الحركيّة الخفيفة التي تمرّ على اللقطات، مؤكّدة أن المشهد الأميركي في ذلك الوقت وُجد لكي يُرى من نوافذ السيارات. كثيراً ما يظهر هيكل سيارة فرانك، أو طرف النافذة وإطارها، الناس والعجائز بداخلها، صدور الأطفال العارية تظهر من سقف مكشوف، زوجته وطفلاه، وواحدة من الصور الأشهر والأشدّ قتامة لركّاب الباص الذين يطلّ كلّ منهم من نافذة، المواطنون الأفارقة في الخلف... لكن البؤس هو ما يرتسم على كلّ وجوه الركّاب. ترك فرانك متّسعاً من الاهتزازات في صوره اللاهية لأن السّير يتطلّب ذلك. وأحياناً أفرغها من الوجوه مثل مشهد غبش لصهاريج البنزين، ولقطات عبثيّة أخرى: مقاعد المصارف الفارغة، ماسح الأحذية في مرحاض محطّة القطار، رأس الزعيم الذي يطلّ على شاشة في مطعم لا يجلس على مائدته أحد.

من سلسلة «الأميركيون»

أرضيتها كانت مهيأة لتلقي اتهامات معاداة الحلم الأميركي، إلا أن ذلك لم يكن عبر توجّه سياسي مباشر، بل بلقطات تائهة مشبعة بعزلات المعلّم الأميركي إدوارد هوبر. ذهب فرانك إلى التقاط صوره من حيث لا يتوقّع أحد، وجعل فيها العلم الأميركي أشبه بوحي يخترق المشهد بلا بداية ولا نهاية، ويهطل أحياناً على رؤوس المواطنين ويمحو وجوهها أحياناً مثل لقطة لامرأة واقفة خلف النافذة. المخرج الألماني فيم فيندرز قال: «إنه يأخذ صوراً من زوايا عينيه» في تبريره لصعوبة صوره. لم يحرّر فرانك المشهد الأميركي فحسب، بل أيضاً الصورة نفسها من هالتها وطقوسيتها ومن كادراتها المحكومة بقول وتظهير شيء محدد، مدشّناً برؤيويّة حادّة للمسارات التي ستأخذها الفوتوغرافيا بعد سنوات.
بدأ أسلوب التصوير هذا يأخذ اعترافاً منذ الستينيات. تركت جماليّة الومضات التلقائية تأثيراً على جيل لاحق من مصوّرين تبنّوا أسلوبه مثل الأميركي غاري وينوغراد، والبريطاني مايكل أورمرود. نسخة الكتاب الأميركية التي صدرت بعد سنة من الطبعة الفرنسية، كتب مقدّمتها الروائي الأميركي جاك كيرواك الذي كان قد أقام رحلاته الخاصة عام 1957 في روايته «على الطريق»: «ذلك الشعور المجنون في أميركا عندما تكون الشمس حارّة على الطرقات بينما تصدح الموسيقى من الفونوغراف أو من جنازة قريبة، هذا ما صوّره روبرت فرانك في صوره الهائلة التي التقطها في أسفاره على طرقات 48 ولاية بسيّارة قديمة مستعملة».

بيروت

بعد «الأميركيون»، سيرتبط فرانك بجيل «البيت» مباشرة. ثمّة الكثير مما كان يربطه بهم أساساً، خصوصاً تجسيده البصري لفلسفة الارتجال والعفوية في كتابتهم. هكذا صوّر فيلمه الأوّل عام 1959 بعنوان Pull My Daisy الذي يحمل اسم قصيدة مشتركة لكيرواك وألن غينسبرغ ونيل كاسادي، الذين ظهروا فيه أيضاً. أسلوبه السينمائي الذي جمع بين اللقطات التوثيقية والروائية وأخرى أكثر شخصية، أوصله إلى الانخراط، بداية الستينيات، مع عراب السينما الأميركية الطليعية جوناس ميكاس وشيرلي كلارك في «مجموعة السينما الأميركيّة الجديدة» التي أنتجت أفلاماً تجريبية ومستقلّة. بين السير الذاتية، والتوثيق لفرق ولمظاهر الحياة الثقافية الأميركية، أخرج فرانك مجموعة أفلام من بينها «أنا وأخي» (1965)، و«حوارات في فيرمونت» (1969) مع ابنه وابنته، وCandy Mountain في الثمانينيات.

باريس

هكذا صار واحداً من الأيقونات الثقافية في تلك الفترة المتمرّدة. تصدّرت صوره أغلفة الألبومات الموسيقية لتوم ويتس، ولفرقة الـ «رولينغ ستونز» التي أوكلته بتصوير فيلم عن جولتها في أميركا عام 1972. وبدلاً من التركيز على حفلات الفرقة وموسيقاها، صوّب فرانك كاميرته باتجاه الناس والجمهور الذي كان يتعاطى المخدّرات عارياً، محاولاً التقاط التأثير العام لأغنيات الفرقة. لم ينل الفيلم العنيف والصادم موافقة أعضائها بعرضه جماهيرياً لأنه لم يتقاطع مع أي مما أرادوا له أن يكون. نتحدث عن تجربته الأميركية التي نشرها في مؤلّفات عدّة، لأنها شكّلت ولادة فرانك الفوتوغرافيّة. غير أنها لم تكن إلا مرحلة في تجربته التي عاد فيها إلى الصورة عام 1972، مع كتابه «خطوط يدي».
تصدّرت صوره أغلفة ألبومات توم ويتس، وفرقة الـ «رولينغ ستونز» وعمل مع جاك كيرواك وجيل الـ Beat


سيرته البصريّة المدهشة التي صدرت في طوكيو بدايةً، عكست ممارسة أكثر ذاتية وتجريبية مع الصورة. مدّ لقطات الفيديو والبولارويد وإطارات متعدّدة للصورة الواحدة، بخطوط سرديّة جديدة بعد لحظة ولادتها/ تظهيرها. الكولاجات، وتراكيب بصريّة تدمج الصور العائلية مع مشاهداته العامّة من البلدان التي زارها، مرفقة بنصوص فردية تكتب على الصور أحياناً، جعلت من هذا الكتاب عملاً مستقلاً بذاته على غرار كتيّبات صوريّة أخرى، بدأ يصنعها يدويّاً منذ كان لا يزال في سويسرا. من بين المدن الكثيرة التي زارها كانت لفرانك محطّة في بيروت سنة 1991 ضمن مهمّة فوتوغرافيّة صدرت في كتاب «بيروت، الوسط التجاري»، برفقة المصوّر اللبناني فؤاد الخوري والإيطالي غابريال بازيليكو، والسويسري رينيه بوري، والفرنسي ريمون دوبارديو والتشيكي جوزف كوديلكا. كان عليهم أن يصوّروا خراب وسط المدينة بعد الحرب وقبل الإعمار. التقط صور بولارويد بأحجام صغيرة للدمار والبيوت المهدّمة، وأضاف إليها تكسيراً إضافياً حين وصلها مع بعضها، بشكل غير متواز، في كتابه «عُدْ مجدّداً» (2006) الذي يقتبس عبارة تحملها لافتة في بيروت.