مساء اليوم، يُختتَم موسم المهرجانات الصيفية (ونقصد تلك الأساسية) مع آخر أمسية موسيقية على برنامج «مهرجانات بيبلوس الدولية»، تلك التي يحييها عازف التشيلّو يو ــ يو ما (Yo-Yo Ma). الموسيقي الأميركي (من أصل صيني) يحلّ ضيفاً على لبنان ضمن جولة لتقديم متتاليات التشيلّو الست التي خطتها يد باخ الإلهية. فالرجل سجّل أخيراً هذا العمل الضخم للمرة الثالثة في مسيرته، وصدر في آب (أغسطس) الماضي، لِيَليه مشروع لتقديمه في 36 موقعاً (عدد المقطوعات التي يتألف منها مُجمل العمل) في ست قارات (عدد المتتاليات). الأمسية في «بيبلوس»، تليها غداً لقاءات عدّة مع يو ــ يو ما، نعود إليها في الختام.

كتبنا مطوّلاً عن الضيف السوبر ستار في مقالة سابقة (راجع ملف مهرجانات صيف 2019)، ولا ضرورة لتكرار عرض مسيرته وما له ما عليه في مهنته. لكن، ما نودّ تكراره للإصرار عليه في هذا السياق هو أنّنا لا نتشارك مع المعنيين الـ«إنفحاط» (الإعجاب المفرط) الذي يستقبلون به هذا الموسيقي، وأنّنا لسنا معجبين لا بأسلوبه في الأداء (رغم براعته التقنية العالية) ولا بشخصيته غير الكاريزماتية ولا بأنشطته الإنسانية باسم الأمم المتحدة (ضدّ الفقراء والمستضعفين) وبآرائه في الفن والثقافة والمحبة والسلام، ولا بابتساماته الهوليوودية في الإعلانات التجارية التي ظهر فيها ولا بلطافته المزيّفة وزمزمة عيونه للمبالغة في التعبير عن طيبته الكبيرة (قال الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: هناك فائضٌ من الطيبة/اللطف يشبه الشرّ). بالمناسبة، هذا ليس رأياً شخصياً وذائقة خاصة. فأقلّه موسيقياً، الغالبية الساحقة من السمّيعة الجدّيين والباحثين في الديسكوغرافيا الكلاسيكية والنقّاد في المجلّات المتخصّصة لم يضعوا يوماً يو ــ يو ما ضمن أوّل خمس عازفي تشيلّو في التاريخ. أما عبارات «الأفضل» و«الأهم» و«الأول»، فلا نجدها سوى في الصحف ووسائل الإعلام غير المتخصصة، الأميركية بشكل خاص (ونحن ننقل عنها، توفيراً للوقت!).


سنتناول في ما يلي العمل الذي سيقدّمه على الشاطئ الجبيلي، لوضع الجمهور في أجواء البرنامج: متتاليات ست للتشيلّو المنفرِد للمؤلف الألماني من عصر الباروك، باخ (1685 ــــ 1750). وهذا التناول نابع من حرصنا على عون الجمهور الراغب في التقرّب من هذه الموسيقى. فهذا العمل، الذي غالباً ما يكون أول ما يَنصح به الخبراء من يرغب في التعرّف على باخ (وهذا خطأ فادح)، يمكن اعتباره شديد السهولة إذا ما قاربناه سمعياً بسطحية. أما في الحقيقة، فهو مادة صوتية شديدة التعقيد، ولا تأخذ قيمتها الفنية الفعلية ولا يرتقي تأثيرها على المستمع إلى ذروته إلّا إذا سبق ذلك سنوات من السمع العام وساعات من الاستماع بتركيز كلّي إلى هذه التحفة بالتحديد، وبقراءات (تسجيلات) مختلفة لعازفين كبار، على رأسها التسجيل الأول الذي أنجزه الكاتالوني بابلو كازالس في ثلاثينيات القرن الماضي، وبعدها التسجيل المرجعي للفرنسي الراحل بيار فورنييه وكذلك النسخة التي تركها الهولندي الذي رحل أخيراً آنر بيلسما وغيرهم. في ما يلي بعض المعلومات التقنية المبسّطة التي من شأنها تسهيل مهمة الاستماع (الأوّل) لهذه المتتاليات.
أوّلاً، إن تسمية «متتاليات» تعني أننا في صدد عمل موسيقي مؤلف من عدد من المقطوعات تتبع ترتيباً معيّناً (سنذكره لاحقاً)، والأهم، وكما في «الوصلة» بالموسيقى الشرقية، فإن القاسم المشترك بين هذه المقطوعات هو النغمة. فجميعها يجب أن تُكتب على ذات النغمة (أو المقام إذا استعرنا مفردات الموسيقى المقامية ومن ضمنها الشرقية)، ولو تخللها تغييرات لاحقة (أي أن كل المقطوعات تبدأ استناداً إلى نغمة محددة، لكن للمؤلف الحرية في الانتقال إلى نغمة أخرى أو أكثر في السياق).
ثانياً، «المتتالية» في الموسيقى الكلاسيكية عموماً، وفي عصر الباروك خصوصاً، تتألف من عدد غير محدد من الحركات، لكن الرائج هو ست حركات تتبع ترتيباً معيّناً.
ثالثاً، إن عبارة «حركات» في المتتالية ليس دقيقاً جداً. فالأصح أن المتتالية تحتوي على عددٍ من الرقصات، تسبقها عموماً مقدِّمة. وهذه الرقصات تعني أن المقطوعات مبنية على أساس إيقاعيّ يحاكي رقصات كانت رائجة في أوروبا (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا،…) في ذاك العصر.
رابعاً، وهنا نصل إلى وصف متتاليات التشيلّو التي كتبها باخ في فترة إقامته في منطقة كوتن الألمانية (1717 ـــ 1723). يتألف العمل الذي سيقدّمه يو ــ يو ما من ست متتاليات. تتألف جميعها من بنية واحدة، وهي مقدّمة وخمس رقصات وذلك على الشكل التالي: مقدِّمة (prelude)، ألمانية (allemande)، «كورانت» (courante ــ توخّينا ترجمتها إلى «جارية»)، «ساراباند» (sarabande ـــ ليس لها ترجمة دقيقة إلى العربية)، «مينويي» أو «بورّيه» أو «غافوت» (menuet أو bourrée أو gavotte ـــ أيضاً لا تترجم إلى العربية)، والختام دائماً مع الـ «جيغ» (gigue). وعموماً «مسموح» التصفيق بين متتاليتَين خلال الأمسية، أي دائماً بعد الـ «جيغ».
خامساً، تهدف «المقدّمة» إلى وضع المستمع في أجواء النغمة التي بُنِيَت على أساسها المتتالية ككل، وهي لا تتبع قواعد محددة من حيث التأليف، سوى أنها يجب أن تأخذ ملامح الموسيقى التمهيدية. أما الرقصات فتتبع إيقاعاً محدداً هو إيقاع الرقصة المعروف مسبقاً أو إيقاعاً مشتقاً من الإيقاع الأساسي، كما في الـ gigue مثلاً (يستخدم باخ إيقاع 6/8 في المتتاليتَين الأولى والأخيرة، والـ3/8 في المتتاليات رقم 2، 3 و5 والـ12/8 في الرابعة).
سادساً، هذا العمل، وبخلاف جميع أعمال باخ تقريباً، هو أحادي الصوت (monophonic)، باستثناء بعض «الأكورات» (النوطات التي تعزف بالتزامن) التي تتألف من صوتين أو ثلاثة أو أربعة، ولا يتخللها ما برع المؤلف الألماني به، أي تزامن الجمل اللحنية، وذلك لصعوبة الأمر في حالة التشيلّو المنفرد، باستثناء مقدّمة المتتالية الخامسة، وهي شديدة صعوبة، إذ يتخللها مقطع مكتوب على أساس يُترَجم أحياناً بالـ «ترجيع»، والمقصود هو مصطلح fugue.
سابعاً، لسبب مجهول، كتب باخ هذه الأعمال لتشيلّو بخمسة أوتار (ربما لتوفّر هكذا آلة مع أحد الموسيقيين من معارفه)، لكنها تُعزف بسهولة نسبية على التشيلّو الرائج (أربعة أوتار)، باستثناء المتتالية السادسة التي تتطلّب مهارات عالية جداً.
أخيراً، اعتمد باخ السلّم الكبير (major) في أربع متتاليات (رقم 1، 3، 4 و6) والصغير (minor) في اثنتين (2 و5). ليس لهذا أهمية كبيرة سوى أن متتاليات السلم الكبير تميل، إجمالاً، إلى الفرح أما الأخرى فإلى الحزن.
إذاً، هذا معظم ما يمكن تمريره من معلومات (حاولنا تبسيطها قدر المستطاع) يمكن أن تضع المستمع في جو أريَح، بأمسية لن تكون اختباراً سهلاً على غير الملمّين بهذا المجال السمعي. أما الخيار الأول للمقاربة السمعية لهذه الأمسية، فيبقى أن تنسوا كل ما تقدّم، وحتى اسم باخ، وتستمعوا بشغف إلى الصوت الآتي من المسرح، شرط أن لا تطفئوا هاتفكم… عندما تتركونه في السيارة!
من جهة أخرى، تنظّم جهات عدّة (منها «الجامعة الأميركية في بيروت») لقاءات مع يو ــ يو ما (حوارات وموسيقى) تحت عنوان «دور الثقافة في بناء مجتمع شامل»، تبدأ عند الرابعة من بعد ظهر غدٍ في Qasqas Neighbourhood Park (حرش بيروت وضواحيه) بعرض حيّ بعنوان Right to Play on the Rooftops (حق اللعب على السطوح) يجمع نحو 300 موسيقي. كذلك، تستقبل «الجامعة الأميركية في بيروت» أنشطة عدّة بدءاً من السابعة والنصف مساءً، تتخللها مداخلة حكواتية لندين توما بمرافقة موسيقية لسيفين عريس (من «دار قنبز») تؤديها ميليسّا خير الله على البيانو وبهيج جارودي على الغيتار، قبل أن ينطلق حوار بعنوان «الثقافة وحرية التعبير» مع الموسيقي الضيف وبمشاركة فنانين وشخصيات عاملة في الشأن الثقافي (كنان العظمة، عمر أبي عازار، ندى صحناوي، ريما مسمار،…)، ويختتم اللقاء مع كورال الفيحاء.
بين النشاطَيْن، لقاء موسيقي (في «بيت بيروت»/ السوديكو) مع يو ــ يو ما بمشاركة كنان العظمة وأميمة الخليل وزياد الأحمدية، في حين تنتهي زيارة الموسيقي الأميركي إلى لبنان بلقاء يجمع موسيقيين عاملين في مجال الموسيقى الإلكترونية، تحت عنوان «إعادة خلق مستقبل مشترك».

*حفلة يو ــ يو ما: الليلة ــ الساعة الثامنة والنصف مساءً ـــ «مهرجانات بيبلوس الدولية». ومساء غد الاحد سينضم عازف التشيلّو العالمي، في «بيت بيروت»، إلى زميليه كنان العظمة وزياد الاحمدية ليرافقوا الفنانة أميمة الخليل التي ستؤدّي أغنية «وجد» من كلمات مروان مخول، وألحان هاني سبيليني وتوزيعه.