عام 1983، ضاحية بيروت الجنوبية. انتهى الاحتفال الكشفي، هدأت الطبول والأبواق. اقترب سيدٌ شاب يدعى حسن نصر الله من الكشافة الموسيقيين، وقال لهم: «حسناً، تستطيعون عزف النشيد الإيراني أو اللبناني؟ أو ربما «باقر الصدر منا سلاماً»؟ قوموا بذلك إن استطعتم». لاحقاً، من تلك الفرقة وأمثالها، سيولد نشيد حزب الله الثوري؛ خزان تاريخنا الحربي الطويل. تاريخٌ عاطفي «مموسق»، ومؤهل ليطلعك ويصلك وجدانياً برموز العدوان والمقاومة: الدبشة، معتقل الخيام، طائر أيلول، جميلة قصفي، أنصارية... وقادرٌ على أن يُشركك في تجربة لم تعشها، خاصة، إن كنت مثلي من مواليد التسعينات. قد لا تروقك موسيقاها أحياناً، وقد تصيبك بالدوار ضوضاء الطبول، لكنك حين تتذكر أن بعض هذه الأناشيد كانت تُنتج تحت النار حقيقةً لا مجازاً، وأنها كانت اللسان الفني شبه الوحيد لأجيال من المقاومين، ستبدأ بسماعها بشكل مختلف، وستتلمس صدقاً لا يُفسَّر فنياً بمعايير واضحة.

سارفين هاغيغي «مقاومة» (مواد مختلفة على خشب ــــ 61 × 61 × 5.1 سنتم ــ 2016)

إن كانت بداية المقاومة ملحمية، فمن الطبيعي إذاً أن يُلجأ أولاً لاستذكار ملحمة كربلاء بكل ما تحمله من طاقة روحية، وقدرة على تمثُّل الظلم والصبر التاريخيين بوصفهما أصلاً مطابقاً للواقع. هكذا حضرت رموز كربلاء، مطلع الثمانينات، من خلال مرثيات أهنكران وعساكري وأبو حسن شمران، وجرى ربطها بقيم ورموز كانت قد أخذت بالصعود والتشكل. كان الاستنهاض للقتال من خلال الشعائر في ذروته. وكانت «اللطمية» الشكل «الفني» شبه الوحيد في الحثّ على الصمود رغم الضعف العسكري البارز. وقد حظيت «اللطمية» بصفتها طقساً دينياً، شرعيةً فقهيةً تامةً، مما كان متعذراً أن يناله الشعر الملحن والمغنى، رغم أن العراق (قطب المرجعية الدينية) كان سبَّاقاً في الإنشاد الديني والثوري، وفي تصدير هذه الأناشيد إلى العالم الإسلامي (مثلاً شريط «قلها بأعلى الصوت»)، في الوقت الذي ذاعت فيه أناشيد أخرى صدَّرها البحرانيون («يوم مولدي.. يوم أفتدي») أو الإخوان المسلمون («غضبي نار.. حجري مدفع»). لكنَّ انتشار هذه الأناشيد لم يكن بذلك الاتساع الذي عرفته مرثيات «الرواديد» الإيرانيين أو اللبنانيين، الذين أسهموا في نقد فقه الوسادة المشكك في شرعية القتال وتعريض النفس للهلاك من أجل قضية بهذا الحجم (أمام ذلك تصبح شرعية النشيد مجرد تفصيل). وهذا ما تعكسه مرثية أبو حسن شمران الشهيرة لشهيد الجنوب حيث يقول: «طلب العلم على درب الشهادة/ أنكر الفقه خمولاً ووسادة/ فجرى الفقه على درب جهادا/ سالكاً في درب الله يا شهيد حزب الله».
يروي لنا الشاعر أنور النجم، الأب الروحي للنشيد الثوري، كيف كان التحدي الفقهي يثنيهم عن إشهار تجاربهم الإنشادية التي بدأت تتوالد في منزل ذويه المهندسين الملحنين محمد عساف ونبيل عساف. أنور الشاب يكتب الشعر، والأخوان يلحنان. لكن كيف سيخرجان إلى الجمهور الواسع الذي لا يحبّذ «انتهاك» الإيمان بالسماع إلى الموسيقى الصاخبة؟ بحثوا عن مرجعية دينية تسندهم، لكنهم لم يفلحوا إلا حينما قابلوا السيد عباس الموسوي وحصلوا منه على إذن شرعي يسمح لهما بممارسة قناعاتهم بأريحية. بدأت تجاربهم تخرج منذ عام 1984، وتكللت بتسجيل نشيد حزب الله الرسمي عام 1985، لكن الظهور الشخصي على الجمهور تأخر حتى عام 1987 إثر أحداث مجزرة الحجاج الإيرانيين، حيث تولى السيد عباس بنفسه تقديمهم إلى الجمهور في احتفال أقيم في الضاحية الجنوبية. عموماً، كانت أناشيد الثمانينات ذات جودة موسيقية منخفضة، تعتمد على الأورغ، الآلات القرعية، والصوت البشري. وهي غالباً مؤلفة من جملة موسيقية واحدة تتكرر برتابة مثلما تتكرر القصيدة بصوت الكورال الذي تغيب عنه «النجومية» أو «الحنجرة» المتفردة. أما القصائد فكانت بالفصحى، ترتكز إلى التراث الشيعي، وتظهر المعاناة والخذلان وتبشر بأمل غير منظور وبصواب المنهج الخميني. هذا وقد أسهمت إذاعة «صوت المستضعفين» وإذاعة «النور»، في تعزيز إنتاج الأناشيد وترويجها منذ الثمانينات، وهو الدور الذي لعبته قناة «المنار» في التسعينات، حيث كان دور هذه الوسائل حيوياً في دعم الفرق الناشئة من خلال إتاحة استديوهاتها للتسجيل أو إنتاج بعض المقطوعات والفواصل الموسيقية لبرامجها.
شهدت التسعينات انفتاحاً أوسع للنشيد على المجتمع اللبناني، وخفضاً لمستوى التعبئة الدينية، وترميز فئات محددة كالشهداء والأسرى


مع بداية التسعينات، بدأت فرق أخرى غير «الولاية» بالتشكل وفق توزيع جغرافي معروف: «الغدير» و«الإسراء» في بيروت، «العهد» في بعلبك، «الفجر» في الجنوب. وقد كانت بمعظمها فرق هواة موهوبين مارسوا الإنشاد كرسالة لا كحرفة، وسددوا تكاليف الإنتاج من خلال اشتراكات شهرية أو تبرعات متواضعة. مثلاً، فرقة «الإسراء» التي خرجت من ثوب «كشافة المهدي»، اشترت الآلات الموسيقية بمساعدة تبرعات الأهالي الذين عملت الفرقة على إيقاظهم في السحر بالأناشيد الرمضانية المعزوفة بشكل حي في حافلة صغيرة تجوب الأحياء. وفي هذا العقد، بدأ الهواة بالبحث عن سبلٍ لتطوير مهاراتهم وتعزيز آلاتهم، فانضم بعضهم إلى الفرق الموسيقية العسكرية الرسمية، أو سعوا لإشراك عدد أوسع من الآلات في العزف كما يسرد أنور نجم: «زرت السيد عباس الموسوي بصحبة الملحنين نبيل ومحمد عساف، وقلنا له: سيدنا، يتوجب علينا تطوير النشيد. وافقَنا فوراً وقال: ما المطلوب مني؟ شرح له الملحنان أن علينا شراء آلتي الساكسفون والكلارينت من النمسا. بعد يومين سلمنا المبلغ الكافي لشراء الآلتين». لم تكن المفارقة في أن يتولى السيد شراء آلتين بنفسه، ولا في استدانته لذلك مالاً لم يكن بحوزته. المفارقة الحقيقية هي أن الآلتين استخدمتا للمرة الأولى في نشيد «الشعب استيقظ يا عباس» الذي أُنشد عقب استشهاده عام 1992.
بدأ النشيد في التسعينات ينفتح على قضايا جديدة، ويضطلع بمهمة غير التعبئة السياسية وبث «الروح الحربية»؛ أي مهمة إعلان الموقف السياسي. وذلك ما يظهر في نشيد «المجد لأيلول الشهداء» الذي أوعز القائد عماد مغنية لفرقة الولاية بإنشاده لـ«هز الدولة» كما عبَّر، وإبلاغها بأن ما فعلته في الثاني عشر من أيلول عام 1992 كان خطأ فادحاً وخيانة صريحة بحق «الشعب الحر الباسل». لم تقتصر مشاركة مغنية على ذلك، فقد ناقش القصيدة مع الشاعر أنور نجم، وطلب منه أن يجري بعض التعديلات، وهو ما لم يحدث نظراً لإصرار الشاعر على موقفه في ما يخص الجانب البلاغي من القصيدة. أخيراً، وكما لم يعد خافياً، أنشد المطلوب الأكثر خطورة في لائحة وكالة المخابرات المركزية (CIA) نشيداً لشهداء أيلول ضمن كورال فرقة «الولاية»، وهو ما لا يعد غريباً عن القائد الذي كان يدندن بالغناء في أشد اللحظات حراجة، والآمر بإخراج عشرات الراجمات من مخابئها قبيل حرب تموز 2006 لتستخدم في تصوير «فيديو كليب» لنشيد «نصرك هز الدني» وفق شهادة المسؤول الإعلامي لحزب الله في منطقة بيروت غسان درويش.
حُدّثت أناشيد حزب الله في التسعينات خاصة مع تصاعد المنافسة بين الفرق الموسيقية، وجرى نقل الوقائع العسكرية المختلفة إلى مدار الإنشاد: تصفية الحساب 1993، عناقيد الغضب 1996، مجزرة قانا 1996، عملية أنصارية 1997، استشهاد هادي حسن نصر الله 1997... وقد صاحب ذلك انفتاح أوسع للنشيد على المجتمع اللبناني، وخفضُ لمستوى التعبئة الدينية، وترميز فئات محددة كالشهداء والأسرى والقادة والعمليات النوعية. وفي هذا العقد، ولد نوع آخر من الأناشيد غير الثورية عرف باسم «الوجدانيات» أو بتعبير الملحن أحمد همداني «الأناشيد التسبيحية»، وهي أناشيد ذات عمق صوفي روحاني تمجّد الخالق ومخلوقاته وتطرح المسائل العرفانية بصورة بلاغية جميلة. كان على رأس هذا النوع الجديد الذي يعتبره همداني واحداً من الإنجازات المحلية غير المسبوقة: الشاعر طارق إدريس والمنشد بسام شمص. بيد أن هذا النوع توقّف بعد توقف إدريس عن منح حقوق قصائده لفرق الإنشاد نظراً لسوء استخدامها.
يصحُّ القول إنّ النشيد أخذ بالتشظي بدءاً من 25 أيار 2000. الجماهير اندفعت إلى الشارع تدبك وترقص وتزغرد، والأناشيد اندفعت أيضاً إلى الشارع بنشوة عارمة أساءت لها. بدأت المواهب الفردية تتصدر المشهد، والعناوين بدأت بحجب المعنون... واجهت الفرق الانحدار لأسباب عدة أبرزها مالية وتسويقية؛ فالقنوات الإعلامية أثرت سلباً على حجم مبيعات الأشرطة، وأخذت تفضل الاستعانة بمقطوعات الموسيقى العالمية لبرامجها وفواصلها بدلاً من الموسيقى المحلية. فيما بلغت منافسة الفرق حدَّ الفرقة والتشتت. كان المنشدون والملحنون، قبل الألفية الجديدة، يتورعون عن الإعلان عن أسمائهم كي لا يخالط عملهم غرور أو حب شهرة، والكثير منهم اليوم غير معروف بشكل واسع رغم أنه بذل شبابه متنقلاً من خشبة مسرح إلى أخرى، مثل المنشد اسماعيل عباس الذي خنق عبرته بينما كان يخبرني أنه سمّى ابنته «اسراء» على اسم فرقته المنحلّة، أو الملحن علي سليمان الذي بنى استوديو خاصاً في منزله وأتقن العزف على آلات متعددة، بعينين منطفئتين..

كانت «اللطمية» الشكل «الفني» شبه الوحيد في الحثّ على الصمود رغم الضعف العسكري البارز


بعد 12 يوماً من بدء حرب تموز 2006، وقف المنشد علي العطار وفرقته فوق الركام في حارة حريك، وأنشد «لبنان أكبر من هيك»... عشرون دقيقة، والطائرات الحربية تحوم فوق رؤوسهم. الغبار يتصاعد من الأبنية، ورائحة البارود تزكم الأنوف: «كان هدفنا أن نوجه رسالة للإسرائيليين بأننا موجودون في الضاحية، وهذه الرسالة شكلت دفعاً كبيراً للناس والمقاومين» يقول العطار لـ «الأخبار». كانت قناة «المنار» وإذاعة «النور» تبثّان على مدار الحرب النشيد والدعاء، فاستعيدت أناشيد الحرب المصرية - الإسرائيلية وخرجت من النسيان مجموعة من أناشيد التسعينات ولطميات الثمانينات. كان الجو مشحوناً بما يكفي لتستدعى كلمات الثورة وموسيقى الأمجاد. استمع المقاتلون إلى الأناشيد عبر الأجهزة اللاسلكية أو عبر القنوات الإعلامية مثلما كانوا يستمعون إليها مباشرة في التسعينات، حين كانت الفرق تنشد في المواقع العسكرية الخلفية لتمدهم بالعزم وإرادة الثبات.
انتهت الحرب وانتصر لبنان. الجميع انتصر: لبنانيون وعرب. هذا ما أعلنه السيد نصر الله عند انتهاء الحرب. أنشد «نصر العرب» بمشاركة فنانين لبنانيين وسوريين ومصريين، وبإشرف القائد عماد مغنية الذي راجع الـ Storyboard بنفسه. أنتجت مجموعة كبيرة من الأناشيد وأعيد توزيع أخرى. انفتح النشيد على العرب وسعى حزب الله إلى إشراك شعراء ملحنين وموزعين جدد غير منتسبين أو منتمين إليه (زياد بطرس، عبدو منذر، ميشال فاضل، نزار فرنسيس)، وهو ما أسهم في المساعي التي ابتدأت منذ عام 2000 لإضفاء «الهوية اللبنانية» على النشيد، سواء من حيث اللحن والتوزيع أو لجهة إنشاد الشعر اللبناني المحكي.
انحلَّت معظم الفرق الإنشادية بعد حرب تموز وأصدائها، وانفض المشتغلون القدامى في هذا الفن إلى أشغالهم الخاصة بعد فشل وحدة الأنشطة في حزب الله عن التحكم بمسار الإنتاج. مع ذلك، ظلت بعض الأناشيد أو المرثيات الهزيلة تخرج من وقت إلى آخر. حرب طويلة في الشام لم يغنَّ لها بشكل رسمي.. ظلت بلا موسيقى. أيكون انتهى زمن الغناء للحرب؟



«البداية» على «الميادين»

كما جرت العادة، تخصّص «الميادين» مساحة وافرة على شاشتها لذكرى انتصار آب 2006. اعتباراً من اليوم لغاية بعد غدٍ الجمعة، تقدّم المحطة تغطية خاصة بعنوان تحت «البداية»، تتناول من خلالها هزيمة الاحتلال الإسرائيلي على يد المقاومة اللبنانية بعد 33 يوماً من المعارك الضارية والصمود، من جوانب مختلفة. تفتح «الميادين» ملفات في العمق وتسترجع الحرب وخفاياها، كما تراجع ما يسمّى بـ«الربيع العربي» و«الثورات» المخطوفة، وتكشف التغيرات الاستراتيجية وموازين القوى في المنطقة. تغطية ميدانية وإخبارية وحوارية شاملة، ينبع اختيار اسمها من إيمان القائمين على «الميادين» بأنّ ما يحصل اليوم حولنا مرتبط بجوهر صراع المحاور في الشرق الأوسط والعالم، في ظل المحاولات المستمرّة بأشكال مختلفة لإنهاء محور المقاومة. تنطلق التغطية الخاصة بهذا الحدث اليوم عند الساعة الحادية عشرة صباحاً بتمهيد للمحتوى الذي سيتابعه الجمهور على مدى الأيام الثلاثة، مع شرح كيف أنّ نصر تموز كان «البداية». بالإضافة إلى «المسائية» والحلقة الخاصة من معلم مليتا اليوم، هناك «المشهدية» التي سيتم التطرّق فيها إلى الموضوع، إضافة إلى حلقة خاصة (23:00) مساء اليوم. وغداً الخميس، «مشهدية» أخرى في الوقت الذي ستتمحور فيه الحلقة (11:00) حول نصر تموز وكيف أسهم في نمو محور المقاومة وتعزيزه، مع التركيز على الواقع الفلسطيني. وستسلّط «مسائية» الغد الضوء على «تغيّر المعادلات الدولية» وكيف أصبحت موازين القوى في المنطقة، من إيران والخليج، وصولاً إلى روسيا والصين كلاعبين محوريين، من دون أن ننسى ضاحية بيروت الجنوبية كـ«رمز الصمود». أما اليوم الأخير، فسيكون من الميدان، وتحديداً من الجنوب، مع حلقات خاصة و«مسائية».
(الأخبار)