رحل كمال بلاطة في برلين بعيداً عن القدس. هذه المدينة المحتلة التي ولد فيها عام 1942 وشكّلت عمارة وهندسة أحيائها ومعابدها أساساً لاواعياً سيسكبه في لوحاته التجريدية. سنظلّ نتذكره بأنه الرائد في تأريخ مئة وخمسين سنة من التجربة الفنية الفلسطينية في كتابه المهم «الفن الفلسطيني: من 1850 إلى الحاضر» الذي صدر بالإنكليزية عام 2009، وسنظلُّ نتذكر دراساته عن تأثير الكلمة والخط العربي في فن العمارة الإسلامية.

في بداياته، تردد بُلاطة على مرسم الفنان التشكيلي خليل حلبي (1889-1964) في القدس، الذي درّبه على قراءة اللوحات البيزنطية في كنائس البلدة القديمة، وعلى قراءة الأشكال والخطوط في الأيقونات المسيحية، ثم دراسة الخطوط الهندسية التجريدية في العمارة الإسلامية داخل مسجد قبة الصخرة. من هنا بدأ كمال بُلاطة. كانت القدس بئره السري الذي ينهل منه في لوحاته التجريدية خطوطاً وألواناً. ظلّت تجربته الفنية توقاً للجمع بين المجاز الشعري، الذي حاول كتابته في شبابه، وبين اللوحة التي رسمها.
الانعطافة في تجربة بُلاطة الفنية في السبعينات، حين ترك رسم اللوحة التشخيصية إلى اللوحة التجريدية، هي جزء من حركة التشكيل العربية التي راح فنّانوها يصهرون في أعمالهم الفنية عناصر الحداثة الأوروبية والهندسة الإسلامية وينوّعون في اللون والضوء وزوايا وقوالب الرسم. سيشتغل بلاطة على المربع كحجر الزاوية في رسم لوحاته، حيث تتواشج الخطوط الهندسية التجريدية مع الخط الكوفي. نشاهد هذا في أعماله «المعراج» (1991) و«تحية إلى عبد الرحمن الدخيل» (1994)، و«لا أنا إلا أنا» (1983)، و«ثورة/ ثروة» (1978)، حيث يتخفّى دائماً مفهوم وفكرة وبحث تاريخي تحت ألوان اللوحة. شهدت حياة بلاطة فاجعة شخصية، حين شاهد مدينته القدس وقد احتلها الجيش الإسرائيلي عام 1967. وقد شهد في طفولته القدس تحتل وتقسّم من قبل العصابات الصهيونية عام 1948.
اختار بلاطة المنفى عام 1968، بعدما أمسى غريباً في بلاده، وعاش في واشنطن لمدة 25 سنة، حيث عمل على أبحاث وترجمات شعرية منها لأدونيس، ولأنطولوجيا شعرية بالإنكليزية تحت عنوان «نساء الهلال الخصيب» (1981).

اشتغل على كتاب يضم رسومات لأطفال فلسطين إبان انتفاضة عام 1987


كما اشتغل على كتاب يضم رسومات لأطفال فلسطين إبان انتفاضة عام 1987 بعنوان «شهادة الأوفياء، أطفال فلسطين يعيدون خلق عالمهم» (1990)، بالإضافة إلى رسمه حوالى 200 ملصق سياسي بالعربية وبالإنكليزية لصالح الثورة الفلسطينية. في سنواته الأخيرة، خاض معركة إعلامية وأكاديمية ضد المؤرّخة المستوطنة غانيت أنكوري، التي شغلت منصب رئيس قسم تاريخ الفن في الجامعة العبرية. انتحلت أنكوري أطروحة بُلاطة عن تاريخ الفن الفلسطيني التي أمضى ثلاثين عاماً يشتغل عليها. وقد أوكلت أنكوري محامياً سابقاً لأرييل شارون كي يرفع دعاوى تشهير ضد أي مجلة أو صحيفة تذكر خبر «سرقتها الأدبية». كانت هذه آخر تجارب بُلاطة مع الماكينة الاستعمارية في بلاده، التي شهد احتلالها مرّتين وانتفاضاتها عدة مرّات.



هل يرقد في ثرى مدينته كما أوصى؟
عائلة كمال بلاطة في القدس تعيش في دوّامة. إذ صدر أخيراً قرار من سلطات الاحتلال بهدم منزل أحد أفراد الأسرة في بيت حنينا في القدس، فيما هي تعمل على إعادة جثمان ابنها إلى ثرى مدينته. وقد أوضحت لـ«الأخبار» أنّ مكتب جوناثان كتّاب في القدس، تسلّم قضية إعادة رفات الفنان الراحل من برلين لدفنه في القدس بناءً على وصيّته، وسط عراقيل وقيود من سلطات الاحتلال، خصوصاً «أنّه لا يحمل هوية كمقيم في داخل الأراضي المحتلة!». وعن المشاريع التي كان بلاطة يعمل عليها، أجابت: «كان يشتغل على مشاريع كثيرة، من بينها كتاب من إنتاج «دار دونغولا» واشراف الفنان عبد القادري، وبمعاونة حرفيّين في بيروت».