لكل منا نحن الأخوات الأربع قصة مع كمال وليلي. لقاؤنا الأول كان عام 1984 في سينما «بيوغراف» في واشنطن. كنت برفقة أختي شيرين التي تكنّ له عشقاً طفولياً. ضمّنا إليه، إلى حياته، إلى ابتسامته، إلى ضحكته المدوية، إلى حنو يديه، وعمق صوته الحريري، الذي يرسخ في الرأس ويهبط في القلب كبلسم يخفف من قسوة الغربة. بدأت علاقتنا هكذا مع كمال وليلي. نحن نتحدث عن القدس وبيروت والحرب والعائلة، وأبي، وهو يتحدث عن القدس والفن وأمه وروما، وذكرياته ومراهقته، وتملأ ضحكاتنا أي مكان نكون فيه. القصة المفضلة لأختي شيرين، حين يتحدث كمال عن مراهقته. «زمان، بعد أيام الانكليز، لما كنت أحضر في السينما فيلم جيمس دين، أطلع من السينما وأنا مش مصدق حالي. أروح عالبيت مشي، وطول الطريق أخبط المي برجلي وإيدي ورا ضهري، وأوصل عالبيت، ههه يعني قال أنا COOL زي جيمس دين..».

إضافة إلى دراستنا في «جامعة جورج ماسون»، إلا أنّ إضافة كمال النوعية في حياتنا عززت خطانا الأولى لفهم الفن من منظاره الحقيقي، وكان أيضاً بوصلتنا الثقافية في تحديد ذائقتنا الفنية من معارض وأفلام سينمائية ومتاحف وعروض مسرحية، وموسيقى وقراءة كتب، حتى في فن تذوق الطعام. هو الذي دفعنا إلى توسيع أفقنا والتغلب على غربتنا ووحدتنا باكتساب خبرات حياتية مختلفة، وحثنا على أن نسمو بذوقنا إلى فنون راقية ومبدعة.
لطالما أمضينا ساعات مع هذا الثنائي الرائع الذي يتدفق حناناً وصبراً وتأنياً لسماع قصصنا مهما كانت ساذجة. لطالما كان مصدراً مشجعاً وملهماً لموهبتي في التقليد حينها وشغفي بالفنون كافة. لطالما احتضنني ليخفف من آلامي ودموعي المنهمرة التي كادت توازي نهر الـ«بوتوماك» من جراء قصة حب كارثية ملوعة... لينتهي بنا الأمر بعد البكاء أن نضحك حتى تصل أصداء قهقهاتنا إلى الفضاء. علاقة أختي شيرين بكمال كانت في منتهى الدقة لكثرة حساسيتها وهشاشتها وخجلها العارم الذي كان يتغلب أحياناً على حرية تعبيرها. فكان لكمال وليلي طريقة خاصة في زرع ثقتها بنفسها واحترام وتقدير آرائها، مما ترك أثراً كبيراً في حياتها إلى الآن.

من آخر لقاء بينهما في العاصمة الألمانية
بكت شيرين البارحة بكاءً مراً مزّق قلبي، كأنها لم تتوقع مرة أن يذهب كمال إلى حياة أخرى. أنا وأختي شيرين كنّا الفوج الأول من العائلة للقدوم إلى واشنطن من أجل العلم والمعرفة. تبعنا بعدها الفوج الثاني من أخواتي سهير وميس اللتين ورثتا حبّ كمال وليلي عنّا.. ولحسن حظهما، كان لهما النصيب الأكبر في الرعاية والاهتمام. أما أنا، فقد غادرت بعد خمس سنوات لمواجهة حياة أخرى. أخذت أختي الثالثة سهير حباً ورعاية من نوع آخر. تعرضت «سوسو» لحادث دراجة نارية مروع عام 1990، أدى إلى سقوطها في نهر الـ«بوتوماك» فعلياً. أمضت في «مستشفى جورج واشنطن» ثلاثة أشهر والعديد من العمليات الجراحية، مما اضطر والدتي إلى أن تحضر على عجل من بيروت لتكون بجانبها.
بعد خروجها من المستشفى، لم يعط كمال الفرصة لأمي لأن تبحث عن شقة قريبة من المستشفى لإتمام العلاج. أصرّ وليلي على أن يستضيفاهما في بيتهما الصغير الذي ينقسم إلى ثلاث غرف مستقلة بعضها عن بعضه. لم تنسَ أمي مرة كرم كمال وليلي ولطفهما. ولأختي الصغيرة ميس الصفحة الأكبر في علاقتنا التاريخية مع ذلك الثنائي الاستثنائي. في فترة غيابي وغياب والدتي عن يوميات وحياة ميس، تمتعت بحبّ ورعاية واهتمام كمال وليلي. درست التصميم الغرافيكي في «جامعة جورج واشنطن»، وامتلأت بالكثير من التوجيهات الفنية، وكان لها الحظ الأوفر في إيجاد الحضن الدافئ من جراء صدمات الغرام والعشق مع حبيبها الذي أصبح في ما بعد زوجها.
وجدت ميس ما فقدته من حب ودفء في روح كمال وليلي، في ظل غربة موحشة. كان وما زال لكمال وليلي الشوط الأطول في حياتنا جميعاً. أصبحوا جزءاً من حياة أولادنا وذاكرتنا واستمراريتنا. تلك هي الحياة، إما أن تكون محظوظاً مثلنا أو لا. حزينة أنا لفقدانك يا كمال. سعيدة أنك قرأت كتابي «علي». سعيدة لأنني أمتلك عدة لوحات هدية منك في كل مناسبة، أجملها «ثورة/ ثروة». فرحة لأنني حققت حلمي بأن تراني على المسرح في برلين. فرحة بحضورك في توقيع كتابي «ألاقي زيك فين يا علي» في بيروت. وأجمل من كل هذا وذاك، عشاؤنا الأخير في برلين، في مطعم إيطالي استعدت فيه ذكرياتك في إيطاليا. حدّدت نوع النبيذ، والسلطات، والطبق الرئيسي، والحلويات... والحديث مستمر ومعه الضحك، إلى أن انتبهنا فجأة إلى أننا الزبائن الوحيدون في المكان، والجميع في انتظار مغادرتنا. هكذا الوقت دائماً معك كمال كأنّه في بدايته. ما زالت ضحكتك الساخرة تجلجل في أذني. أنت معنا. دائماً معنا. كمال وليلي أحبكما معاً، وكلاً على حدة.

* ممثلة وكاتبة مسرحية فلسطينية