في إجابةٍ عن سؤال عن سبب غنائه «أغاني الخلاعة»، يقول عبد اللطيف البنا، أحد أبرز مطربي بداية القرن العشرين في مصر وأحد أكثرهم خصوصية، إن الجوّ في حينها كان «متكهرباً». خصوصية البنا آتية من أنه كان يغني بصوتٍ نسائي، وكان يتبرّج ويرتدي أحياناً ملابس النساء ويغني بلسانهنّ، كما يعيد أداء أغاني مغنيات شهيرات مثل منيرة المهدية، فتنجح النسخ التي بصوته أكثر من تلك الأصلية. ولعلّ «الكهرباء» التي أشار إليها في مقابلةٍ مع التلفزيون المصري بعد عقودٍ من اعتزاله، أفضل تعبير عن المناخ الذي ساد «المحروسة» آنذاك، والذي عبّرت عنه طقاطيق العوالم.

«حبّيبة بالميّة تعجبني الحرية/ يدوبوا ما اسألشي بوصالي ما اسمحشي/ على نارهم خليهم بدلالي أكويهم» (إيه رأيك في خفافتي). «جابلي الطرحة إبن القارحة روح رجّعها بلا مسخرة/ إن كان قصدك عَ الغرّة انا محسوبتك ولكن حرة/ اخش الأوضة واتعرى وانا اعلّمك أصل الهوى» (يا نخلتين في العلالي). «لا حد فوق ولا حد تحت/ يعرفني جيت ولا روحت/ ولا حد يقدر يلمحنا» (إرخِ الستارة اللي في ريحنا). هذه عيّنة صغيرة من كلمات الطقاطيق التي تضمّنها عرض «عوالم شارع عماد الدين» الذي يحتضنه «مترو المدينة» في بيروت.
تجلس العوالم بلباسهن المذهّب وسط المسرح، رئيسة الجوقة (سلوى جرادات) تغنّي فيما ترافقها الأخريان (فرح قدّور ولمى قاسم) غناءً وعزفاً، إلى جانبهن ثلاثة عازفين (سام دبّول، خضر رجب وفراس عنداري). يحيّي العرض «نساءً رَوَّجَ لهنّ الاستشراق ليُظهرهنّ بدور بائعات الهوى، وهنّ موسيقيات قديرات يغنين بكل جدارة ولهن الرصيد الكبير في هذا السياق، منهن منيرة المهدية، عزيزة حلمي، بهية المحلاوية، عيشة ندى، سمحة البغدادية»، بحسب تعريف العرض.
شغلت النساء محور هذه الحقبة، وكان الحضور النسائي طاغياً على الوسط الفني والثقافي. فمثلما خيّم كازينو بديعة وكازينو منيرة المهدية على مشهد الفن القاهري، كانت هاتان السيدتان من «صناع النجوم» الأوائل في تلك الفترة، إضافة إلى أسماء عشرات المغنيات اللواتي احتللن واجهة الموسيقى والفنون حينها.
يقول مخرج العرض هشام جابر إن «عوالم عماد الدين» يقع ضمن مشاريع «مترو المدينة» التي تسعى إلى البحث في تراث المنطقة عن شكل الأغنية والدور والكلام والمناخ وتطوره، بغضّ النظر عما وصل إلينا من ذلك فقط. يشير إلى «قائدات جوقة العوالم» اللواتي كنّ يقلن في أعمالها آنذاك «أشياء جريئة جداً»، لكنها أكثر جرأةً بالنسبة إلينا الآن، في حين أنها كانت «طبيعية» في ذلك الوقت، لناحية كونها »تروي تجارب لها علاقة بالجنس أو المعاناة وغيرها»، مع العلم بأن صناع هذه الطقاطيق كانوا ذكوراً، ما يطرح سؤالاً هنا عن انعكاس شخصية المرأة فعلاً في هذه الأعمال، أم شخصيتها وتجربتها في عيون الرجل فقط.

يصف المخرج هشام جابر العرض بأنّه يقع ضمن مشاريع «المترو» التي تسعى إلى البحث في تراث المنطقة عن شكل الأغنية والدور والكلام والمناخ


بالعودة إلى تعبير «متكهرب»، لقد قصد البنا على الأرجح الشهوة الجنسية التي طفت على السطح في ذلك الوقت، بالتزامن مع تذليل العوائق أمام التعبير عنها علناً واعتناق المتعوية في الفنون بلا مشكلة.
عرف هذا الفن ذروة ازدهاره مع الحرب العالمية الأولى، تحديداً بين 1914 و1925. كان المصريون يعيشون في تلك الحقبة (العقد الأول والثاني من القرن العشرين) مناخ حربٍ غير مسبوق، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. أما على المستوى الداخلي، فكانوا يشهدون ما يمكن أن يُسمى «صدمة الحداثة» في القاهرة والاسكندرية، المدينتين المركزيتين والمشدودتين نحو عالمٍ محافظ من جهة وآخر حرّ وميال إلى أوروبا من جهة أخرى.
جاءت طقاطيق العوالم، ابنة لحظتها وبيئتها، فكانت متسقة مع المتغيرات التي شهدتها مصر والإقليم في ذلك الحين. بالتوازي مع ضعف الخلافة العثمانية وسقوطها، ثم حدوث ثورة 1919 التي جاءت بأول حكومة ليبرالية، شهدت الحياة الاجتماعية والثقافية في مصر انفتاحة كبرى على مستويات متنوعة، منها طغيان مذهب المتعة على مواضيع الأغاني وملامستها «الخلاعة».
ينتمي العوالم في الأساس إلى القاهرة القديمة، تحديداً شارع محمد علي، ثم برز شارع عماد الدين مع الحداثة. وضم شارع عماد الدين في مصر أهم مسارح تلك الفترة، منها أوبرا ملك، ومتروبول، والريحاني، والشعب، والماجستيك (لعلي الكسار)، وكازينو بديعة، وغيرها. أما بالنسبة إلى تلقّي المصريين هذا النوع من الفنّ، فيمكن القول إن المجتمع كان أكثر انفتاحاً من مراحل لاحقة، لأسباب عديدة، أوّلها أنه لم تكن هناك جماعات دينية سياسية تسعى إلى السلطة عبر أدلجة الناس على خطابٍ متزمت، كما أن المنبر الديني الرئيسي، الأزهر، كان في تلك الحقبة لا يزال يصدّر مفكرين دينيين ليبراليين من أمثال الشيخ محمد عبده وغيره، بالتزامن مع انتشار الإرساليات الأجنبية. لكن ربما الفارق الأساسي بين تلك الحقبة وما تلاها أن الفردية نفسها كانت أكثر حضوراً عموماً من مراحل لاحقة، لا سيما المرحلة المصرية المعيشة. إلى حدٍّ ما، كان المصري «في حاله» لا يتدخل في شؤون غيره أو يعتدي عليه إذا ما كان سلوك الأخير يتناقض مع اقتناعاته، وهي الفكرة التي أخذت تتضاءل في المحروسة شيئاً فشيئاً. فمعروف أن حيّز الفرد انحسر في العقود الأربعة الماضية بالتوازي مع تغيرات عديدة طرأت على البنى الاجتماعية والاقتصادية لهذا المجتمع، انعكست بالطبع على بنيته الثقافية.
وقد اعتمدت هذه الحقبة على شعراء وملحنين عرفوا ذروة شهرتهم في أدوار وأغان مختلفة عمّا قدموه في هذا المجال. حتى إن البحث في أسماء مؤلفي هذه الطقاطيق يضعنا أمام التناقضات التي اشتهرت بها صناعة الموسيقى المصرية أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إذ يمكنك أن تجد شيخاً معمّماً كتب كلمات طقاطيق ذات الإيحاءات الجنسية. ولعلّ أبرز مثال في هذا السياق هو الشاعر محمد يونس القاضي. القاضي الذي كتب «إرخِ الستارة اللي في ريحنا لاحسن جيرانك تجرحنا»، و«بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة»، شكّل مع سيد درويش ثنائياً كان خلف أغلب تلك الطقاطيق (وهما من ألّفا النشيد الوطني المصري أيضاً)... قبل أن يصبح القاضي أول رئيس جهاز رقابة على المصنفات الفنية المصرية، وكان أول قرار أخذه إيقاف بث أغاني سيد درويش في الإذاعة المصرية.
من بين النظريات حول هذه الحقبة، أن «الأباحة» التي هيمنت على الإنتاج الموسيقي، والتي لم يشذ عنها معظم المطربين والمطربات، بمن فيهم كانت أم كلثوم بأغنيتها الشهيرة «أنا الخلاعة والدلاعة مذهبي»، كانت شكلاً من أشكال المقاومة. فهذا الفنّ بدأ تحت حكم الخلافة، واستمرّ في ظلّ وجود الاحتلال الانكليزي الذي كان يبحث بشكلٍ مستمر عن «وكيل» محافظ في مصر، انسجاماً مع النظرة الاستشراقية للمجتمع المصري والعربي عموماً بكونه لا يستطيع العيش سوى في ظلّ حكم رجعي، وهي النظريات التي عادت إلى الواجهة مع وصول «الإخوان المسلمين» إلى السلطة بعد ثورة يناير. حتى إن الكيانات الأساسية في تلك الحقبة والقائمين عليها كانوا مناهضين للانكليز، مثل بديعة مصابني وزوجها الفنان نجيب الريحاني. كما أن أعلام هذه المرحلة من شعراء وموسيقيين كانوا معروفين بمعاداتهم للاستعمار، مثل يونس القاضي، بديع خيري، سيد درويش داوود حسني وغيرهم.

«عوالم شارع عماد الدين»: 21:30 مساء 13 آب (أغسطس) ــــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 76/309363



شارع عماد الدين
يمتد شارع عماد الدين المسمى باسم شيخ له ضريح قديم قريب من شارع رمسيس شمالاً حتى منطقة عابدين جنوباً في منطقة وسط البلد في القاهرة، ويمرّ بميدان الأزبكية وميدان مصطفى كامل. اشتهر هذا الشارع بمسارحه ودور السينما التي لا تزال قائمة فيه حتى اليوم، على الرغم من انحسار عددها عمّا كان عليه قبيل منتصف القرن الماضي. حتى إن رواية «أفراح القبة» لنجيب محفوظ التي تحولت قبل ثلاث سنوات إلى مسلسل بالاسم نفسه نال شعبية ملحوظة، دارت أحداثها في أحد مسارح عماد الدين، ما عرّف شريحة أكبر من الجمهور العربي الشاب إلى أثر هذا الشارع في تاريخ الفنّ القاهري. لكن قبل ولادة السينما وازدهار دورها في هذا الشارع وغيره، عُرف عماد الدين بمسارحه، وأشهرها «كازينو بديعة» لصاحبته الفنانة بديعة مصابني، الذي لعب دوراً مركزياً في الحياة الثقافية والفنية المصرية في ذلك الوقت. وربما يمكن القول إن بديعة مصابني كانت مفتاح تلك المرحلة، فمن هذا الكازينو خرّجت فنانين أصبحوا أعلاماً في فنّ المحروسة، مثل محمد فوزي، إسماعيل ياسين، تحية كاريوكا، سامية جمال، شكوكو وغيرهم.