قبل مرحلة «الرأي والرأي الآخر» الذي طرحته قناة «الجزيرة» القطرية بأسلوبٍ فيه خسةٌ عالية، كتب غسان كنفاني (1936 ـــ 1972): «إن الجلوس مع العدو - حتى في استديو تلفزيوني - هو خطأ أساسي في المعركة. وكذلك فإنه من الخطأ اعتبار هذه المسألة مسألة شكلية». كان ابن «حركة القوميين العرب» التي انتسب إليها بعد تعرّفه إلى «الحكيم» جورج حبش، يصرّ خلال كل ما يكتبه على أنّ مجرد التعامل مع العدو على أنّه أمر «مقبول»، يجعله أشبه بتقديم خدمةٍ لعدوّ يسيطر على وسائل الإعلام الغربية بقدّها وقديدها ومنذ سنوات بحرفةٍ كبيرة. لذلك، إن مجرّد تمكينه من «تدجينك» ثقافياً يجعلك «خاسراً» للمعركة التي أنت في صددها.

الكاتب والمناضل الفلسطيني الذي صادف أمس ذكرى استشهاده بعبوةٍ ناسفة وضعتها وحدة الاغتيالات الخارجية («كيدون» وتعني الحربة) في «الموساد» تحت سيارته في بيروت، قدّم إفادةً مباشرة حول كونه يرى أن الجلوس مع الصهاينة يعدّ تطبيعاً أو «اعترافاً سلبياً». واليوم، يخرج علينا باحثون/ أدباء/ مثقفون يرون بأن هذا الكلام «خشبي»، وبأنه يجب الجلوس مع «الصهاينة المسالمين» أو «اليسار الصهيوني» أو «الطابور الخامس الصهيوني» كما يحلو لأحد «مثقفي الرجل الأبيض» أن يسميهم. كان كنفاني يرى أبعد من هؤلاء جميعهم. كان يرى بأنه «في الوقت الذي كان يناضل فيه بعض الناس ويتفرج بعض آخر، كان هناك آخرون يقومون بدور الخائن». هكذا بكل بساطة وسمهم من دون حتى أن يفكّر في تغيير النص. اعتبر كنفاني بأن السقوط في فخ «قبول الآخر» و«التعايش مع المحتل» هو بمثابة هزيمة، وبالتالي هو «خيانة»، مؤكداً أنّ «خيانة المثقفين هي أفظع الخيانات، لأنّهم يضعون أمامك ألف حاجزٍ للتصديق بأنه لا حلول أمامهم سوى ذلك».

«غسان كنفاني» (1990) للفنان الفلسطيني عدنان الزبيدي (1951 ــ 2007)

في مقابلة لإحدى القنوات التلفزيونية الأوروبية منشورة عبر اليوتيوب، ينفعل كنفاني غاضباً لاستخدام مراسل القناة ـــ الموجّه سياسياً ـــ لفكرة أن الفلسطينيين خاضوا «حرباً أهلية» في الأردن. يصحّح في البداية بأنها لم تكن حرباً أهلية إنما «شعبٌ يريد الحرية». يجيبه المراسل: «لا تهمّ التسميات». يزيد غضب كنفاني مدافعاً عن فكرته لأنّ «المدافعين الفاشلين عن القضية هم الذين يجعلونها تخسر». يقول: «إنما التسمية هي الأهم، لأنّك لو سميتها حرباً أهلية يصبح بإمكانك سؤالي ما شئت حول ذلك. لكن لو قلت إنّها دفاع عن النفس أو عن الحرية لما طرحتَ أياً من أسئلتك». ترتفع حدّة المواجهة مع الصحافي «المتعالي» القادم بأجندة مباشرة موجّهة وسامة في آنٍ معاً: «لماذا لا تدخل منظمتكم في محادثات سلام مع الإسرائيليين؟». يهدأ كنفاني مصحّحاً السؤال وبشكل دقيق: «أنت تقصد تحديداً اتفاقية استسلام؟». هنا يعيد المراسل هجومه بشكلٍ آخر محاولاً تصوير الفلسطينيين «الهمجيين المتوحشين» الذين يرفضون حتى مجرد «الحديث/الحوار» مع الإسرائيلي «الراغب في الحوار والاتفاق». يرد كنفاني بسؤال: «مع من؟» ليؤكد المراسل: «مع القادة الإسرائيليين». هنا يلجأ كنفاني لحرفته كصانعٍ للإبداع: «هذا نوع من الحوار بين السيف والرقبة، تقصد؟». يسأل المراسل هارباً: «لماذا لا تتحدثون عن إمكانية ألا تتقاتلوا؟».. إنها خلاصة أسئلة المراسل وما يريد إيصاله للجمهور الغربي حول «القتلة» الفلسطينيين الذين لايريدون شيئاً سوى قتل الصهاينة «الأبرياء»؛ من دون حتى إعطائهم فرصة لتبرير ما فعلوه. يعود كنفاني لهجومه الذكي: «نقاتل من أجل ماذا؟»، فيجيب المراسل: «ألّا تقاتلوا أبداً، لا يهم من أجل ماذا».



يحشره كنفاني في الزاوية، مؤكداً: «الناس يتقاتلون من أجل شيء ويتوقفون عن القتال لأجل شيءٍ أيضاً، لكنك لا تستطيع إخباري لأجل ماذا علينا أن نتوقف عن القتال؟». يطرق الصحافي الغربي باب «الاستعطاف» هنا، كما لو أن المقابلة مسبوكة بشكلٍ مدهش: «القتال لأجل أن يتوقف الموت والدمار والقتل للفلسطينيين والإسرائيليين والعرب». يقاطعه كنفاني لأنه يعرف تماماً ما الذي يريد، مؤكداً أن الموت لأجل الكرامة هو أصل هذه المعركة، وأن «كرامة» العربي الفلسطيني هي أصل الشيء؛ وأنه دونها «لا نستحق الحياة». طبعاً لا ينسى المراسل أن يعرج على خطف الطائرات مع سؤال تهكّمي حول ما إذا شعرت «الجبهة الشعبية» بخطأ ما فعلته، مروراً بعداء التنظيم لجميع الأنظمة العربية التي يصنّفها كنفاني بين رجعية وبورجوازية صغيرة عسكرية. ظهر الفيديو الذي بث في أوروبا في القرن الماضي إبان عز المقاومة الفلسطينية لتصوير المقاومين على أنهم «وحوشٌ دمويون» لا يهتمون بالحوار والنقاش، لكنه لم يحقق المرجو منه على الإطلاق إذ تأثرت أجيالٌ أوروبية/ غربية كثيرة بما قاله كنفاني في ذلك اليوم.
حاضراً، لا تزال بعض القنوات التلفزيونية وطبول المثقفين تلهج بذات اللهاث والتعابير السامة التي كان يقولها ذلك المراسل في تلك المقابلة: الدموية، السلام، الجلوس، المفاوضات، القبول بالآخر، كي لا تموتوا، كي لا تنقرضوا. ولا نزال نحنُ كما نحنُ تلامذة ذلك الشهيد ابن الـ36 عاماً نقول وبملء الحناجر: «ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا».