عند الثامنة والنصف مساء السبت، دخلت الفرقة الكبيرة نسبياً (حوالى 35 مغنياً وعازفاً) وانطلقت أولى حفلات الفنان زياد الرحباني لهذا الصيف، في متحف «نابو» (منطقة الهري/ الساحل الشمالي). جلس زياد على كرسيِّه، البحر من ورائه ولبنان من أمامه. المكان الشرِح والأنيق الذي اتسع لنحو 1600 شخص، جُهِّز ليضع الوافدين في أجواء لطيفة قبل الحفلة وبعدها وفي الاستراحة، بين توفّر المشروب للباحثين عن الراح بالراح واللقمة الطيبة للصائمين طوعاً. في المقدمة، جلست أرقى شخصيات المجتمع، وفي الخلف أرقى القلوب، وانطلقت مقدّمة مسرحية «سهرية» المقطوعة الموسيقية الوحيدة في الحفلة، لتعلن عن التوجّه العام للبرنامج، الذي سيكون غنائياً شعبياً بشكل أساسي.

طيلة السهرة، لم يقل زياد إلا الحد الأدنى من كلمات الترحيب والشكر وتلك التعريفية الضرورية. كان هادئاً حدّ الاختفاء. مساهمته عزفاً كانت محدودة بفعل نوعية البرنامج، إلى أن تجلّت تلك النوتات التي والله أعلم كيف وأين وجدها بين المفاتيح البيض والسود ومَن رسم جمال تلك الجملة الواحدة المكثَّفة، المتماسكة كالصلب، المرهفة كروح الملائكة، الهشة كأجنحتهم. إنها تجسيدٌ أمين لروح مرتجلها في تلك اللحظات بالذات من المساحة المخصصة له من الارتجال في أغنية «بيذكّر بالخريف». أجواء الحفلة عموماً ـــ ورغم برنامجها الغنائي الشعبي ـــ اتخذت طابعاً أشبه بأمسية كلاسيكية غربية، لناحية أناقة المشهد وصرامة الأداء. تنفيذ البرنامج جرى بدون مشاكل تُذكر، وشمل أغنيات جديدة وأخرى غير منشورة بشكل رسمي، مثل «الجماعة سهرانين» و«أمريكا مين؟» التحفتَين الشعبيّتَين ذات المزاج المصري، وأنشودة النصر الصادقة «صمدوا وغلبوا»، بالإضافة إلى تلك التي يسمعها الجمهور للمرة الأولى بنسخة حيّة، مثل «حكي قد ما بدك في» أو التي نادراً ما تُدرج في الحفلات، مثل «يا سيف العالإعدا طايل» (وهنا يجب الإشارة أو التذكير بأنها من كلمات وألحان زياد الرحباني!).

منال سمعان في الحفلة

تناوب على الغناء المنفرِد، من سوريا، منال سمعان التي قدّمت، عموماً، أداءً عالي الجودة في أغنيات متطلّبة من ريبرتوار زياد وفيروز/ زياد وفيروز والأخوين رحباني («صمدوا وغلبوا»، «عا هدير البوسطة»، «أنا فزعانة»، «بيذكّر بالخريف»، «هب الهوا»… ) وبشرى محفوض التي كانت أيضاً موفَّقة في مساهمتها في «لبيروت» (أدتها مع مرافقة ممتازة لجورج مالك على الغيتار الكهربائي فقط) و«أمّنلي بيت»، و«حبيتك تنسيت النوم» رغم بعض الهفوات (مثلاً في جزء من التنويعات على «مشتاقة شوفك» في ختام «أمّنلي بيت»). من مصر شرَّفنا حازم شاهين الذي غنّى اثنتين من أغانيه الخاصة (وهذا غير مألوف في حفلات زياد ودليل على جودة الأعمال نصاً ولحناً) وبرع في جعل أدائه قيمةً مضافة على «حكي قد ما بدّك» عبر اتخاذ التوجّه الذي يتماشى مع الجانب الساخر من العمل، وأطربنا تعبيراً، كالعادة، في «شو هالإيام» (وتحية لعازف القانون عمران عدرا الذي أعاد في أدائه المقدّمة الموسيقية خلق «الأصلية» التي يتولاها البيانو) وكذلك في «بما إنو» لولا المبالغة الطفيفة. من الجهة اللبنانية، غنّى ربيع الزهر «إسمع يا رضا» و«يا سيف العالإعدا طايل»، فبرع فعلاً في موالَيهما الدقيقَين، أكثر مما فعل في ما يليهما (بالأخص في الأولى، على اعتبار أن الثانية تحصيل حاصل، بفعل انسجام مزاجها الرجولي مع شخصيته). كذلك أدّت ممثلّة «كوكب الشرق» في الأمسية، هالة المصري، «ده فيلم أميركي طويل»، بالشكل المناسب صوتاً وصورة (ليتها فقط أصابت في توقيت الدخول نسبةً لموقعها أمام الميكروفون). أضف إلى هذه الإطلالات، واحدة إيطالية! فقد فوجئ الجمهور بحضور لورا ألغريني التي غنّت «صباح ومسا» (تخللتها مقاطع مترجمة إلى الإيطالية) و«بلا ولا شي»، فأعطت الأولى الحد الأدنى من حقّها (وتحية في هذه المحطة إلى عازف الترومبون ألكسندرو تايبس)، في حين تضاربت الآراء حول الأداء في الثانية.
كان زياد هادئاً حد الاختفاء. مساهمته عزفاً كانت محدودة بفعل نوعية البرنامج


لجهة النصوص والاسكتشات، كانت مختصرة الحضور هذه المرّة. فقد تولّت ريما قديسي قراءة نصّين في الفصل الأول ونصّين في الثاني، من النوع الساخر والقاسي. هذه ليست المساهمة الأولى لقدّيسي في هذا الجانب من أمسيات زياد، لكنها بالتأكيد الأفضل لغاية الآن (مقابل مرات سابقة أقل نجاحاً، بسبب عدم تفاعل الجمهور أحياناً).
في هذا الصيف الحافل بالحفلات الغنائية العربية الشعبية، أين نضع حفلة السبت في «نابو»؟ في لبنان (والعالم العربي عموماً) الشعبي (حالياً)، يقدَّم إلى الناس بشكلَين لا ثالث لهما (وهذا لا يشمل الأصوات، جميلة، قوية، عادية أو قبيحة كانت): قالبٌ محترم ومضمون أقل من عادي (إذا خفّضنا، إلى الحد الأدنى، صرامة المعايير) أو فارغ (الحقيقة كما هي)، وهنا لن نسمّي الأسماء «الكبيرة» لأنها استطاعت خلق تقدير عالٍ لصورتها في المجتمع، مع التأكيد على أن التخلّي عن ذكر الأسماء نابعٌ من عدم الرغبة في إزعاج الجمهور، لا من الرغبة في عدم إزعاج هؤلاء (بالمعنى المؤنّث لـ«هؤلاء» أقلّه في حالتَين أساسيّتَين). الشكل الغنائي الشعبي الثاني، السرطانيّ الخبيث والمضرّ، يضرب الفراغ كل عناصره. هنا أيضاً لا داعي لأن نسمّي. الأسماء معروفة وصورها منتشرة على لوحات الإعلانات التي تستضيف ـ بالإضافة إلى مواعيد حفلاتهم ـ السلع الاستهلاكية التجارية، في دلالة واضحة على وحدة الحال بين، على سبيل المثال، «ملكة الإحساس» (يا لوقاحة هذا اللقب!) وآخر سموم الوجبات السريعة.
وإذا أردنا تلخيص ما تقدّم بجملة واحدة، أول ما قد يخطر في البال هو أن زياد الرحباني يغرّد وحده خارج السرب. تبدو صحيحة هذه الخلاصة للوهلة الأولى، لكن الصحيح هو أن في السرب، وحده زياد يغرّد… (معظم) باقي «الطيور» عاجزة تماماً عن التغريد. لا بأس، لكن فلتصمت على الأقل!