من كنوز مكتبتها الموسيقية الهائلة ونوادر أرشيفها الصوتيّ الثمين، خرج جديدُ «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية AMAR». إنه الإصدار الثامن في كاتالوغ المؤسسة (إذا استثنينا تسجيلاً لحفلة فؤاد زبادي في بيروت وأسطوانة لمصطفى سعيد وفرقة «أصيل» بعنوان «بُردة») ويحمل عنوان: «الطنبوري محيي الدين بعيون — بلبل بيروت». إنها علبة تحوي ثلاثة أقراص، تحتوي بدورها على مجموعة من تسجيلات هذا الرمز الفني اللبناني/ العربي الذي كان أحد الأسماء الكبيرة في عصر النهضة الموسيقية الشرقية الثانية التي شهدها الثلث الأول من القرن العشرين.

لطالما قيل ويقال إننا نعيش في عصر الصورة. والصورة تعني، مما تعني، الشكل الخارجي أو الغلاف الذي يغطي مادةً أو سلعةً ما. وكما نعلم، غالباً ما لا يعكس هذا الغلاف حقيقة أمينة. أحياناً يقتل الشكل الرديء مضموناً دسماً، وأحياناً أخرى يجمِّل الشكل مضموناً فارغاً. من هذا المنطلق، يجب الإشادة بالتصاميم التي تعتمدها هذه المؤسسة في إصداراتها، بدءاً من الخطوط وصولاً إلى الألوان مروراً بأناقة التغليف. أهمية هذا الأمر أنه أولاً، يفتح الشهية على السمع، ثانياً، يقرّب هذه المادة، «الغريبة» نوعاً ما عن زمننا فنياً، من الجيل الجديد الشديد الحساسية تجاه ظاهر الأمور. وثالثاً، يعكس هذا الاهتمام بـ«اللباس» الذي ستظهر به هذه المادة الموسيقية أمام التاريخ والمجتمع، من جهة، نوعاً من احترام للفن وصانعيه وتاريخهم وإرثهم، ومن جهة أخرى، همّاً نبيلاً يقوم على ضرورة ألّا تعرقل الشكليات وصول هذا الجمال إلى من يبحث عنه.


لنقُم الآن بخطوة واحدة نحو الداخل. أي إلى المنطقة الواقعة بين الغلاف والموسيقي: الكتيِّب. ببساطة، لم تشهد ديسكوغرافيا الموسيقى العربية (وبالأخص منذ ولادة الأقراص المدمجة) هذا المستوى من الاهتمام بالنصوص المرافقة للمادة المسجّلة: سيرة الفنان، تحليل تاريخي وموسيقي، تبويب شامل للعناوين ولسنة التسجيل وأسماء الموسيقيين… فإذا استثنينا وجود بعض الأخطاء في الطباعة، تشكّل المادة المكتوبة في هذا الإصدار (نصٌ للمؤرخ عبد اللطيف فاخوري وآخر للموسيقي والباحث ومدير المؤسسة مصطفى سعيد، بالإضافة إلى دراسة تحليلية وجدول بتسجيلات محيي الدين بعيون لفرح قدّور) «مقبِّلاً» إضافياً للسمع. في هذا السياق، نشير إلى أن النصوص أرفِقَت بترجمتَين إلى اللغتَين الفرنسية والإنكليزية لما للأمر من أهمية في إيصال «الفكرة» (أي إرثنا الموسيقي وجذورنا الفنية) إلى الغرب الذي يجهل تاريخنا الثقافي أو لديه صورة استشراقية (اقرأ: مغلوطة وسطحية) عنه. هذا الجانب نجده في جميع إصدارات «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية». علماً بأنه حظي بتوسُّع شامل في حالتَين (سامي الشوّا ويوسف المنيلاوي) حيث أضيف إلى (أو حلّ محلّ) الكتيِّب المعتاد كتاب مرجعيّ شامل ومستقل عن الإصدار.
نصل إلى بيت القصيد: محيي الدين بعيون. هو مطرب لبناني من طراز العمالقة وعازف بارع على الطنبور البغدادي (أي البُزق). لقبه «بلبل بيروت» وينادى أيضاً بـ«أبي سعيد». ولد في أسرة بيروتية عام 1868 (بعض المصادر تقول إنه ولد عام 1885، وهذا ما لم يستطع الجزم به الباحثون في «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية»)، ويرجَّح أن يكون ورث اسم العائلة (بعيون أو باعيون) عن أحد أجداده الذي ربما كان كبير العينَين أو واسع سواد العينين. حفظ بعيون القرآن ورتّله في صغره، وتعلّم العزف على العود والبُزق، الآلة التي كان أول من أدخلها إلى التخت الشرقي. زار مصر والعراق وفلسطين والشام وأقام في حلب مدة طويلة وغنّى على مسارحها. كما زار بلدان المغرب العربي، حيث أصيب بمرض أدى إلى انحباس صوته، فلم يعد يغني إلا في جلسات خاصة، قبل أن يتوقّف نهائياً عن الغناء ويتابع في العزف فقط. إذ سجّل مجموعة من المقطوعات على البزق عام 1927. عام 1934، رحل محيي الدين بعيون في بيروت، بعدما عاش سنواته الأخيرة في حالة من المرض والعوز. بين عامَي 1912 و1927، سجّل مجموعة كبيرة من الأعمال الغنائية والآلاتية، بدايةً لصالح «غراموفون» (خلال الحملة الرابعة والأخيرة التي قامت بها الشركة إلى بلاد الشام عام 1912 قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914) ثم لصالح شركة «بيضافون» التي تعاقدت معه لتسجيل مجموعة من الأسطوانات وإقامة الحفلات والسهرات الغنائية في القاهرة (1921) وبيروت (1924) من ثم في القاهرة (1925) فبيروت أخيراً (1927 أو مطلع 1928).
اشتهر بأداء القصائد والمواويل البغدادية والحلبية والحمصية والمصرية والبيروتية


غنّى محيي الدين بعيون القليل من الموشّحات والأدوار التي كانت رائجة في ذاك الزمن. لكنه اشتهر بشكل خاص بأداء القصائد والمواويل البغدادية والحلبية والحمصية والمصرية والبيروتية. بالتالي، معظم ما تركه لنا مرسل الإيقاع (لا يتبع دورة إيقاعية ثابتة) وغير مسبق التلحين. بمعنى أنه يمكن إضافة صفة ملحّن على بعيون الذي كان يختار المقام ويرتجل على أساسه لحناً حراً يسيّره شكل الموّال والمعاني الشعرية. في هذه الأعمال رافقه غالباً «تخت سامي الشوّا»، أمير الكمان الحلبي، الذي كان يضم زاكي (أو زكي) القانونجي بشكل أساسي، وأحياناً محمد عمر ومحمد حسني وبترو العوّاد وعلي درويش الناياتي وغيرهم. فمعظم المواويل وكذلك التقاسيم تُستهلّ بـ«دولاب» (مقدّمة موسيقية تمهيدية ثابتة تستخدم في أكثر من عمل) ويتخللها جوابات وتقاسيم، بالأخص تلك التي يضيفها المذهل سامي الشوّا. في بعض التسجيلات، كان بعيون يشارك في العزف على البُزق، لكنه لم يكن يرافق نفسه، بل كان يُسمَع عزفه على شكل فواصل بين وصلتَي غناء (نظراً إلى محدودية الإمكانات التقنية في التسجيل). بعدما بدأت تنحسر قدراته الصوتية، اتجه «بلبل بيروت» إلى العزف فقط، فسجّل مجموعة من التقاسيم، مهمّشاً الأعمال المكتوبة (من تلحين غيره)، باستثناء سماعي بياتي واحد أداه ضمن آخر تسجيلاته عام 1927.
إذاً، ثلاثة عناوين قبل الحرب العالمية، والباقي بعدها، نسمعها في أسطوانتين من العلبة الجميلة، في حين حُجِزت الثالثة لتقاسيم وعزف الطنبوري محيي الدين بعيون، وفيها جميعها نسمع المطَيَّباتي، الذي كان يعرّف بالمطرب وبشركة التسجيل في مطلع الأسطوانة، مأخوذاً في حالات من الطرب مردداً: «يا سلام سلّم»، «يا حبيبي»، «يا روحي»، «يا عيني»، «أيوا أيوا»، «اسمالله عليك»، وآهات لا تنتهي رداً على عُرَبٍ بالأطنان ومهارات استثنائية في الخروج عن المقام والرجوع إليه وفي تنفيذ الجمل البهلوانية، وطاقات لا يحدّها سوى الحظ العسير في أن تعيش حنجرة من هذا الطراز النادر في زمن بدايات التسجيل المتواضع القدرة على نقل «الصورة»، التي، رغم ذلك، تُبيِّن أننا أمام صوت من فئة الخوارق.