ثمة مراحل عديدة مرّت بها الأغنية الرحبانية قبل تبلورها نهائياً في أوائل السبعينيات من القرن الماضي. وفي كلّ من هذه المراحل، كان التطوّر يحدث انطلاقاً من دور الأغنية في الرؤية الفنية للحياة كما قُدِّمت في مسرح الأخوين رحباني. الرؤية لم تكن قد تبلورت بعد حين ذاع صيتهما مع فيروز عبر أثير إذاعة دمشق في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. النتاج الذي قُدِّم انطلاقاً من الإذاعة وقتها اقتصر على اسكتشات غير مكتملة لجهة الرؤية والبناء الفنيين (اسكتش «إلى الحصاد»)، وبعض الأغنيات التي كانت معالجتها لتيمة الحب مقتصرة على استعارة أدوات المدرسة المصرية موسيقياً (أغنية «عتاب» مثلاً). ومع أنّ تيمة الريف وعلاقاته كانت غالبة على الاسكتشات، وحتى على الأغنيات العاطفية نفسها، إلا أنها لم تُقدَّم في شكل يعكس النضج الفني لهذا الدور كما عرفناه لاحقاً في أعمال الأخوين الخاصّة بالبيئة الريفية (المسرحيات الأولى لهما: أيام الحصاد، موسم العزّ، البعلبكية، جسر القمر). كانت الاسكتشات تتمحور في معظمها حول تمجيد نمط الحياة في الريف، سواءً عبر الاحتفاء بالإنتاج الذي تعبّر عنه مواسم الحصاد، أو من خلال حسم المقارنة بين المدينة والريف لمصلحة الأخير، وكيف يجب إعادة الاعتبار إلى قيمه التي تمثّل جوهر الحياة وسرّ استمراريتها. الموضوع تكرَّر لاحقاً في المسرحيات الأولى للأخوين، ولكن عبر صياغة فنية أقلّ تأثراً بالمدرسة المصرية في التأليف الموسيقي لمصلحة اتجاه فنّي بدأ يتبلور مع انطلاق مهرجانات بعلبك في صيف 1957.


البحث عن هويّة للغناء
العمل في إذاعة دمشق، وقبلها في الإذاعة اللبنانية كان يعكس روح التأثُّر بالغناء المصري الذي كان لا يزال مهيمناً وقتها عبر رموزه المصريين، وحتى السوريين واللبنانيين والفلسطينيين الذين كانوا يعملون ضمن إطاره هنا (حليم الرومي مثلاً، وهو مكتشف الأخوين وفيروز). الأغنيات التي قُدِّمت حينها كانت مع الاسكتشات بمثابة استمرارية لهذا الشكل في التعبير، وهو ما كان يخلق مشكلة باستمرار، كون الموضوعات التي يعالجها الأخوان في شعرهما الغنائي ليست مماثلة لتلك التي يعبّر عنها شعراء مصريون أمثال أحمد رامي وسواه. التعبير عن الحبّ في إطار فني هناك، كان منفصلاً إلى حدّ كبير عن الرؤية العامّة للحياة، وهو ما كان يناقض تماماً اتجاه عاصي ومنصور حتى في بداياتهما لربط الأمرين ببعضهما كما كان يفعل سيد درويش في غنائه.


الغناء المصري خارج إطار رؤية سيد درويش المجدّدة كان في هذه المرحلة قد تبلوَرَ نهائياً، سواء لجهة الموضوعات والتيمات، أو لناحية الشكل الفنّي المرتبط غالباً بحياة المدينة، وبالتالي كان التعبير فنياً في إطاره لا يحمل الكثير على مستوى الجدّة والمغايرة. هذا بالإضافة إلى كونه لا يعبّر عن الاتجاه المتعاظم حينها لدى الأخوين في جعل الأغنية تنمو وتتطوّر في سياق جديد، قوامه البحث عن هوية أوسع وأكثر رحابة لغنائهما. وهو ما أخذهما باتجاه المسرح الغنائي لاحقاً، بعد مجموعة من الأعمال المنفردة (أغنيات واسكتشات غنائية) التي كانت تدور في معظمها في فلك المدرسة المصرية. الرؤية الفنية الجديدة كانت قد ظهرت في أعمال متفرّقة، سواء في الإذاعة اللبنانية أو في إذاعتي دمشق والشرق الأدنى، لكنها لم تتبلور جدّياً وتجد سياقها الفعلي إلا مع انطلاق فعاليات مهرجانات بعلبك في صيف عام 1957. في ذلك العام المفصلي في تجربة الرحابنة، قدّم الأخوان مغنّاتهما المسرحية الأولى(أيام الحصاد)، حيث بدأت تظهر انطلاقاً منها معالم الرؤية الفنية الجديدة التي لا تبحث عن هوية للغناء فحسب، بل تضعه في سياق ربط الفن بالمعنى الأوسع للحياة. وهو ما سيتطوّر لاحقاً مع توالي المسرحيات المنتَجة في إطار مهرجانات بعلبك، ليصل مع اكتمال معالم التجربة في أواسط السبعينيات إلى ما يمكن اعتباره إعادة إنتاج لعلاقات الريف والمدينة عبر هذا النوع من المسرح الذي تتطوَّر معه الأغنية بشكل يجعلها مدخلاً لفهم الحياة نفسها، كما يتمّ التعبير عنها فنياً.

مسرَحة الأغنية واستقلالها فنّياً
ثمّة علاقة مباشرة بين تبنّي الدولة اللبنانية لهذا النوع من المسرح عبر لجنة مهرجانات بعلبك وبين صعود نجم الأخوين رحباني وفيروز، كأفضل تعبير عن الهوية الجديدة للغناء في لبنان ابتداءً من الخمسينيات. الدولة عبر رئيسها آنذاك كميل شمعون بدت مهتمّة ببروز هويّة للغناء تكون تعبيراً عن توجّهات سياسية معينة، وهو ما تجاوزته التجربة الرحبانية لاحقاً بحكم طبيعتها التي لا تقبل الانضواء في سياق محدّد، غير أنه بدا حينها بمثابة إطار جديد للتنافس مع الدور المصري الذي يقوده سياسياً جمال عبد الناصر، ولكن عبر الغناء هذه المرّة. التبنّي الكامل من الدولة للإطار الذي تعبر عنّه مهرجانات بعلبك وفّر على الأخوين رحباني عناء التشتّت بين المنابر الإذاعية والفنية المختلفة في سوريا ولبنان، وسمح لهم بالتفرّغ شبه الكامل لصياغة هوية جديدة للأغنية في إطار فنّي اتخذ بدايةً من ريف بلاد الشام مسرحاً له. الدراما في هذا النوع من المسرح كانت تنتهي دائماً بلمّ شمل أهالي الريف أو الضيعة، وانتصارهم على من يحاول تفريقهم أو إضعاف وحدتهم، وهذا الانتصار كان يترافق مع مشهد احتفالي يتوّج رحلة توحيد الأهالي خلف الرمز الذي يقود صراعهم للتمسّك بالأرض أو استعادة الوحدة (شخصيتا منتورة في «الليل والقنديل» والفتاة المسحورة في «جسر القمر»). الأغنيات هنا لا ترافق السياق الدرامي للنص والشخصيات فحسب، بل تتطوّر كذلك تبعاً للخط العام المرسوم لها، والذي غالباً ما يقود إلى بناء إجماع مسرحي وفق منطق فني تكون أغنية الختام بمثابة الذروة له. الأغنية تستقلّ لاحقاً بعد الانتهاء من المسرحية والانتقال إلى أخرى، لكنها في ضوء هذا الانتقال تكون قد كوّنت حياةً خاصّةً بها، وهذه الحياة هي التي تبقى لنا بعد مرور سنوات على إنتاجها، فتصبح قيمتها مرتبطة بذاتها أكثر منه بالسياق الذي ولدت فيه. حين يسمع المرء أغنيتي «مضوية» و«ديروا المي»، وهما أغنيتا الختام في مسرحيتي «البعلبكية» و«جسر القمر»، يجد فيهما ليس فقط المنطق الذي تصل إليه الرؤية الفنية عن الريف وعلاقاته بعد اكتمالها مسرحياً، بل أيضاً قوام الأغنية كبناء مستقل له حياته ومنطقه الخاصّان. وهو ما جعل الأغنيات التي تُنتَج في إطار مسرحهما أكثر تأثيراً من تلك التي تولد خارجه، وأكثر تعبيراً عن الرؤية الفنّية الخاصّة بالأخوين، لجهة إعادة تقديم الحياة في إطار جديد. معظم الأغنيات التي تعدّ مفصلية في نتاجهم وتعبِّر عن التطوُّر الفعلي لشعرهم وموسيقاهم أُنتجت في هذا السياق، قبل أن تستقلّ لاحقاً وتتطوّر هي الأخرى مع غناء فيروز لها في حفلاتها داخل لبنان وخارجه. وهو ما تكرّس فيما بعد، مع معاودة زياد توزيع عدد كبير من هذه الأغنيات وتقديمها في سياق (ألبوم إلى عاصي، ثمّ سلسلة حفلات بيت الدين) يعبّر عن تبنّيه لها كوجهة أساسية في تطوُّر ليس فقط الأغنية الرحبانية، بل أيضاً الرؤية الفنية المنتجة في إطارها.

التعبير عن هواجس المرحلة
بعد اكتمال الرؤية الفنية الخاصّة بالريف، سواء لجهة معاودة صياغة علاقاته سوسيولوجياً لتتناسب مع التصوّر الوجودي له، أو لناحية إعطاء الأغنيات الخاصّة به قواماً يجعلها تستقلّ بنفسها في إطار التجربة ذاتها أتت مرحلة التوسّع في تشريح طبيعة المرحلة. في هذه الحقبة، حصلت تطوّرات سياسية كبيرة في الإقليم, ابتداءً بهزيمة الـ 1967 التي كانت لها انعكاسات كبيرة على سوريا ولبنان وفلسطين معاً (وهي الدول التي تشكّل مسرحاً لنتاج الرحابنة سواء لجهة الموضوعات أو المسيرة الفنية نفسها)، مروراً بولادة المقاومة الفلسطينية انطلاقاً من الأردن- ولبنان لاحقاً- وليس انتهاء بحرب تشرين في عام 1973. لم يعد ممكناً في ضوء هذا التحوّل الاكتفاء بصياغة سردية فنية عن الريف، بوصفه تعبيراً عن هوية المنطقة حين كانت السهول والكروم هي مصدر الإنتاج الفعلي فيه. اهتزاز الهوية بسبب الحروب الإسرائيلية المتكرّرة على بلاد الشام أضعفت المشروعية الخاصّة بهذه السردية والتي كانت تقتضي وجود دول مستقرّة يمكن لها أن تكون مسرحاً ليس فقط للعمل والإنتاج، بل أيضاً للتعبير الفني حين يتحوّل إلى أداة لترسيخ هذه الهوية. بدأت هذه الأسئلة تتراكم لدى الأخوين رحباني ورفاقهما في المسيرة الفنية، وظهر ذلك من خلال مجموعة من الأعمال التي كانت قد بدأت تنفصل عن المحور الخاص بالسردية الريفية.
كانت الرمزية لديهما مرتبطة بجعل الفنّ عبر المسرح والغناء معادلاً لغياب الدولة

البداية كانت مع مسرحية «عودة العسكر» والتي تجسّد رؤية الأخوين ليس فقط لدور الجيش في تلك المرحلة، بل أيضاً لمدى استعداده أن يكون بديلاً في حال انحسار دور الدولة بسبب أحداث الإقليم. وهي على أيّ حال قُدمت في مرحلة كان فيها دور الجيوش في حالة صعود، ليس في لبنان وحده بل في المنطقة العربية كلّها. المسرحية لم تقدِّم تصوُّراً لهذا البديل، بل اكتفت بضم الجيشّ إلى السردية الخاصة بعناصر القوّة التي تتمتع بها البلاد، على اعتبار أنه عنصر التوحيد القادر على جمع اللبنانيين في ظلّ حالات الانقسام المتزايدة التي بدأت عقب أحداث عام 1958. الرؤية هنا لم تكتمل إلا باستحضار نموذج الأمير فخر الدين المعني الثاني في مسرحيتهما المفصلية «أيام فخر الدين». أُنتجت هذه المسرحية التي تبشِّر بالخلاص على يد الحاكم القوي والعادل بعد انتهاء حكم الرئيس فؤاد شهاب بسنتين (عام 1966)، واعتُبرت انحيازاً إلى الرؤية التي قدّمها حينها لدور الدولة. الوضوح في الموقف السياسي هنا مثّل انعطافة في مسرح الرحابنة، وبدا أنّ مسرحهما لن يعود بعد هذه المحطّة إلى الشكل الرمزي في التعبير الفنيّ، حيث كانت الرمزية لديهما مرتبطة بجعل الفنّ عبر المسرح والغناء معادلاً لغياب الدولة أكثر منه لحضورها المباشر كما كانت عليه الحال في الحقبة الشهابية.

الانتقال من الريف إلى المدينة
الانشغال بهواجس الحكم كان لا بدّ أن يصل في النهاية إلى محطّة الحواضر المدينية، وهي المرحلة التي تزامنَت سياسياً واجتماعياً مع التغيُّرات الخاصّة بصعود الطبقة الوسطى وأفولها. الهاجس النقدي هنا كان قد بدأ يكبر تجاه السلطة، وخصوصاً في المرحلة التي أعقبت هزيمة حزيران، والتي كان انعكاسها على الحياة الاجتماعية مباشراً لجهة انحسار وعود الإصلاح، وبدء صعود الطبقات الطفيلية التي تم التعبيرّ عنها مباشرة في مسرحية «الشخص» عام 1968. التعويل على الدولة القوية تراجع في هذه الفترة لمصلحة التشكيك فيها بالطريقة الرمزية ذاتها في التعبير الفني، وقد استمرّت هذه التيمة في مسرح الأخوين رحباني لفترة، وعُبّر عنها في سلسلة من المسرحيات المترابطة فنياً (هالة والملك، الشخص، يعيش يعيش، صح النوم) والتي يجمع بينها الهاجس الوجودي الخاص ليس بشكل الحكم وحده، بل بقدرته كذلك على تحقيق العدالة للناس. هذا المنطق كان سيقود حكماً إلى التشكيك في اليوتوبيا الريفية التي شكّلت محور أعمال الرحابنة في الحقبة المبكرة من نتاجهم. لم يحصل تراجع عنها طبعاً في الأعمال الأخيرة لهم مع فيروز، لكن الاستمرار بالاعتماد عليها كان يتطلّب بعض المراجعة، على اعتبار أنها لم تعد مقنعة في تفسير أسباب النكوص الحاصل على المستوى العام. السردية الرحبانية هنا لم تتعرّض لانتكاسة، لأنها لم تكن يوماً جزءاً من عدّة السلطة، سواءً في لبنان أو في الإقليم عموماً. وهو ما وجد الرحابنة المعادل الفني المناسب له، عبر تبنّي مقاربة لا تشكل قطيعة كاملة مع المرحلة السابقة، وتكون في الوقت ذاته تعبيراً عن صعود هاجس المدينة أو الحواضر في أعمالهم، كتبرير لتراجع قيم الريف أو اندثارها. في مسرحيات «ناس من ورق»، «المحطة»، «لولو»، «ميس الريم»، نجد هذا الهاجس بوضوح، حيث ينحسر الاهتمام بالشكل المباشر للحكم لمصلحة تبيان آثاره على الناس الذين يعيشون في المدن والحواضر. الهاجس هنا كان قد بدأ انطلاقاً من مسرحية «الشخص» التي تمثّل محاكاة ساخرة لصعود الطبقات الطفيلية المستفيدة من الحكم السلطوي، لكنه لم يكتمل تماماً إلا مع الانتقال إلى الضفّة الأخرى، والبدء في معاودة صياغة علاقات المدينة على ضوء ابتعادها عن القيم التي يعتبر الرحابنة أنها أساس أيّ عملية نهوض بالمجتمع. هكذا، لم تتراجع اليوتوبيا، ولم يتغيّر تماماً إطار التعبير الفنيّ الخاصّ بها، ولكنه انتقل إلى المدينة بدل الريف، وأخذ في تقديم رؤية مغايرة عنها على ضوء الموقف الجديد من انحسار الدولة أو انهيارها. الرؤية كانت مشبعة بعوالم الأخوين، وبإصرارهما على أن تكون المدينة بعد معاودة صياغة علاقاتها فنياً هي البديل عن غياب مُثُل الريف وأساطيره بعد انهيار الدولة التي كانت تمثّله أيديولوجياً. وهو ما جعل منها ليس فقط استمراراً لليوتوبيا بأدوات جديدة، بل أيضاً رؤيةً للمدينة يحضر فيها الريف أكثر ممّا تحضر هي نفسها.