هزمته جامعة دمشق عام 1997، مستعينة بأنصار البوطي ومؤيديه، وبالأمس هزمه السوريون للمرة الأخيرة. كتبوا يرشقونه بقلوب مُقفلة وعقول ترمي بالحجارة من اختارته مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية واحداً من أهم كبار المفكرين والفلاسفة العرب في العصر الحديث. خرج المفكر والفيلسوف الطيب تيزيني بوفاته عن المقاسات التي أعدّها له متطرّفو الوطن ومدّعو الوطنية، فأنت كاره للدولة لأنك لم تكن بدلة على مقاس شخص ما في السلطة، وأنت عميل لأنك لم تكن رجلاً لذراع طويلة تستنزف الدم والخبز والدخل القومي، وأنت خائن لأنك تكتب في جريدة الإمارات وتستمتع بالدينارات الكويتية، بدل أن تقول شكراً لاستخدامك خط «سيرتيل». هكذا رثا السوريون فلسفة طيب وفكره، آخرون ذهبوا إلى الأبعد. دكتورة في الجامعة وتلميذة الطيب سابقاً نزلت إلى الأسفل أكثر، فتحدثت عن «ملابسه التي لم يتغيّر فيها القميص الأخضر والسترة السكّرية، حتى إذا هاج التتار وماجوا، وحملوا علينا السيوف وتوزعوا قتلنا في الشوارع، انبثق إيمانه العميق، وتاهت بوصلته كأنه طفل خرج من بيت أهله وهو لايعرف إلا عتبته».

هؤلاء منتج ما بعد الحرب، «محللو اقتصاد البلد، دكاترة جامعات، وناطقون باسم الإعلام» بشر يتساقطون الواحد تلو الآخر، ماكيناتهم جاهزة لتشتغل بك، تفبرك قائدك، نجمك المفضل، سرير نومك، وسادتك، بشر يسكتون عن ويتسامحون مع المسلحين العائدين إلى حضن الوطن «الحضن هنا واسع وشراع»، لكنهم لا يتسامحون مع الطيب «الحضن هنا قبر ضيق ومضيق»، وحدهم لا شريك لهم في الصمود والتصدي، لا شريك لهم في الشجاعة والإقدام وطول الذراع.
توفي طيب تيزيني ومن ثم، هل تستطيع ولو للحظة أن تكون إنساناً يُحسن تصويب الرصاص بصمت دون تجريح أو إهانات؟ دون تخوين أو شماتة؟ دون أن تنسى أن ابن المشاريع والأحلام الكبرى، كان إنساناً قبل أن يكون مفكّراً، بكى سوريا قبل أن يبكي نفسه وحاله وأقاربه الذين فقدهم خلال الحرب، فكانوا سبباً في تغيير مقاربته للأزمة، حتى وصل في مرحلة لاحقة إلى تضييع الأولويات، وفي مرحلته الأخيرة، تجاوز رصانة المفكر والمثقف؟ نعم، تجاوزها، وما العيب في ذلك؟ إنسان أرهقه الضعف، فأخطأ وضاع بعد سنوات مضت على تحريك الخنجر في الجرح، فخرج وجعه صراخاً، نحن الذين كنا في العام الماضي والأعوام السابقة، ما الذي كان لنا لنرجم الطيب، ما الذي تبقى منا اليوم، ما الذي بقي لنا، مع كل لحظة تسقط منّا ورقة، مع كل لحظة نتعرّى لنكون الغصن اليابس، لنكون قاتلين أو ميتين.
هي سوريا الصريحة، الأساتذة فيها ليسوا أساتذة، والمناضلون ليسوا مناضلين، الحكمة لا تصل والدرس لا يُقرأ، تكاليف الحرب أسطورية والنتائج باهتة، والحزن واجب ليس مقدّساً.

الطيب تيزيني.... سوريا الآن ساحة مبتذلة للعالم