من الصعب أن نفهم ما يعشنه الأكثر تهميشاً منّا. ليس في مدارس علوم الاجتماع التقدمية، ما يثبت أن «تخيّل» أنفسنا مكانهن، يمكن أن ينتج تجربة حقيقية أو واقعية لما يعشنه. وتؤكّد الإبيستيمولوجيا النسوية استحالة «تمثيلهن» (1) من قبل من يملكن امتيازات عنهن. الحل إذاً، هو في إعطاء المساحة للأكثر تهميشاً، ليتكلّمن عن واقعهن وكيف يرينه. ولكي يكون ذلك ممكناً، علينا أن نبدأ بتحطيم نُظم المنافسة وموازين القوى الموجودة، أي أن ننتقل من مواقعنا كأفراد في مجتمعات إلى داعمات لأخريات أكثر تهميشاً منّا. علينا حينها أن ننتقل من مقعد المثقّفات الذي فرضته علينا أجندات المنظمات الدولية والمؤسسات غير الحكومية، إلى مقعد المتآمرات اللواتي يستخدمن امتيازاتهن لفتح الطريق من أجل من لا يملكن اليوم، صوتاً.

في كتابها المرجعي «ما خلقته المرأة، التطور الجنسي وتشكيل المجتمع» (2)، تعالج إليزابيث فيشر (1979)، للمرة الأولى موضوعاً أساسياً بالنسبة إلينا: «فعلى عكس ما كان يقوله داروين، بـ «البقاء الأقوى» المعتمد على المنافسة، عمل بعض أنتروبولوجيي/ ات الحيوانات في ثلاثينيات القرن الماضي على تصميم أبحاثهم مسائلين بالذات غياب مفاهيم كالتضامن والتقاسم والمساعدة. أول عالم يجري هذا البحث، قام بأول بحث مطوّل (15 شهراً) في الأدغال مراقباً نوعاً من القردة في أميركا الوسطى، فأثبتت أبحاثه صحّة هذه النظرية: اكتشف أن القردة هذه تعيش في جماعات غير عدائية، وهي لا تملك هرمية سلطوية، ولا يتنافس الذكور منها من أجل الإناث، بينما تتزاوج الإناث مع عدّة ذكور من اختيارها. في العموم هي جماعات تعاونية الطبع تعمل في حماية أفرادها والدفاع عنهم كلهم».

ليوبشكا ــ «لن نرقد بسلام» (زيت على قماش ــــ ٢٠١٩ ــــ العراق)

إن أحد الأسس التي يعتمد عليها كتاب فيشر، هو أن النظرة الإنسانية الذكورية فُرِضَت منذ البداية على الشكل الاجتماعي للحيوانات وعلى التصرفات الحيوانية، فأصبحنا نظنّ أن هذه التفسيرات العلمية ـــ أي التعليلات الذكورية للأدوار الاجتماعية الحيوانية ــــ هي «الطبيعة»، هي الشكل الطبيعي للعلاقات. والمنافسة هي بالتأكيد، جزء من هذه «الطبيعة» التي تهدف إلى تدمير الأخرى/ الآخر.
لم يسأل عالمو الإتولجيا (أنتروبولوجيا الحيوان) حينها أنفسهم: «كيف نبني مجتمعاتنا إذاً؟ كيف تبنى العلاقات الاجتماعية داخل منظومة تنافسية؟ كيف وبأي طريقة يستطيع الفرد أن يشعر بأمان في ظل علاقات اجتماعية هدفها انتصار فرد على آخر؟». لذا، صارت مفاهيم كالتضامن والمؤازرة ووقوف المجتمعات والأفراد مع بعضهم البعض خاصة في المحن، مفاهيم ليست فقط رجعية أو غير براغماتية، لكنها في الأساس، لا تنتمي للطبيعة الإنسانية. يعتمد هذا النوع من الأبحاث على قواعد ثبّتها تشارلز داروين عبر قراءات تناقش فيشر أنها بنفس قصر نظر القراءات التي أثبتت الأبحاث المذكورة أعلاه، خطأها. «البقاء للأقوى» يقول داروين، أي أن المنافسة وإلغاء الآخر، لا بل القضاء على الأضعف، هي السمة الطبيعية لمجتمعاتنا.
ومن هنا، فمفهوم «القوة» أيضاً يعتمد على القوة الجسدية، بما يعني أن النصر ليس ملكاً للقادرين على غلبة الأخرى/ الآخر الضعيف/ ة فقط، بل هو في الأساس ملك القادرين على تدميرهن/م «لأنهن/م» ضعفاء: تصبح مهمّة المجتمع هي البحث عن الأضعف، والتشفّي بإضعافه/ا أكثر والانتقام منه/ا لضعفه/ا. هي علوم ومفاهيم وقواعد ـــ علوم النظام الرأسمالي ـــ تريد لنفسها أن تكون «علمية» أي غير منحازة.
لكن أعمال فيشر وغيرها تثبت الانحياز الوقح لهذه العلوم، كما تظهّر أن المجتمعات ليست محكومة بالتنافس، وأن النساء لسن «طبيعياً» سلعة المجتمعات، وأنهن لسن فاقدات الإرادة. وبما أن المنافسة وركل الأضعف منّا في طريق تقدّمنا، ليسا بالضرورة «قسمتنا ونصيبنا» كجنس بشري، فمن الضروري البحث عن أساليب أخرى للتفاعل والعمل معاً كمجتمعات.
في هذا الإطار ومن منظار إبيستمولوجي، يمكن مقاربة الموضوع على أنه ليس تبديلاً لمواقع القرار فقط، بل هو تغيير للمقاعد الأمامية في المشاركة في النقاش، وفي من يسمع الناس قصّتهن: في مَن ينتجن السردية، سرديتهنّ.
نتكلّم عن تضامن الأكثر امتيازاً مع المهمّشات، نتكلّم عن فهمنا للنسوية كقلب لموازين القوى، على كل المستويات. في لبنان بالأخصّ، نتكلّم عن التضامن مع الريفيات، مع غير المتعلّمات، مع غير اللبنانيات، مع العاملات، مع المحجّبات في المدن وغير المحجبات في القرى، نتكلّم عمّن نراهن في صفوف الجامعة ومعنا في العمل، وبجانبنا في المظاهرات وفي الاجتماعات، ونفهم بأن هناك شيئاً ما يجعل الرجال في الغرفة، يهمّشون آراءهنّ ويطلبون منهن الصمت. يظهر التضامن هذا في أشكال عديدة، منها أولاً التعرّف إلى امتيازاتنا. بدلاً من نشرها كممتلكات والتغنّي بها، علينا استغلالها للدفع بالأخريات. في مكان ما، نستطيع مثلاً استغلال امتيازاتنا هذه لفرض أن يكون رأي المهمّشات بقيمة رأينا في الاجتماعات والمجالس.
من المهم أيضاً أن نتقرّب من النساء المهمّشات، كمتواطئات بمعنى داعمات ومصدّقات لسردياتهن وتجاربهنّ ومعاناتهن. من الضروري أن نعيد بناء هذا الجسر مع النساء الأخريات وبالذات مع المهمشات. ما نسمّيه «جسراً» هنا، هو تلك الوصلة التي تجمع أفراد أي مجموعة تتقاسم الظروف والمشاكل والأدوار الاجتماعية، كما هي الحال بين أعضاء حرفة ما مثلاً أو عمّال مصنع. هذا الجسر الذي مشت عليه الأبوية بثقل آلاف السنين فكسرته ومحت دعائمه، هو ما نعيد بناءه اليوم. إذ ننتقل ببطء وصعوبة من دور قامعات لبعضنا بعضاً، كنائن وجارات يغرن من بعضهن، وموظّفات يتنافسن نحو وظيفة يتمّ استغلالهن فيها في كل الأحوال، وحموات يفرضن سلطة الرجال وقمعهم على الزوجات، نريد أن نتواطأ كشريكات في الجريمة، ضد كل أشكال الاستغلال. ونقول بأن الانتقال يحصل ببطء وصعوبة، لأن طبقات (و«الطبقات» هنا لا تستخدم بالمعنى الماركسي، لكن بمعنى «المستويات») الاستغلال عديدة ومتداخلة، يصعب الخروج منها لرؤيتها، يصعب فهمها أحياناً إن لم نكن بداخلها، ويصعب فهمها أحياناً لأننا بداخلها.
النظرة الإنسانية الذكورية فُرِضَت منذ البداية على الشكل الاجتماعي للحيوانات، فأصبحنا نظنّ أن هذه التفسيرات العلمية هي الشكل الطبيعي للعلاقات


ربّما يبدو الكلام هنا بعيداً جداً عن واقعنا، أو صعباً على الفهم في سياق الشكل الذي تبدو عليه مجتمعاتنا اليوم. ربّما من الأسهل أن نراه بهذا الشكل: نحن اليوم أمام خيارين: إمّا أن ننهش لحم بعضنا بعضاً في محاولة لتصديق رجل أثبت العلم خطأه، كما أثبت خطأ كثيرين غيره لأن عمل البشر غير منزّل، أو نبدأ بمساءلة أساسيات هذه الحاجة لتدمير الأخريات، والبحث عن بديل. أخيراً، يأخذ هذا التضامن شكل البقاء في الخلف، أو قبول عدم قيادة التحركات التي تعنى بمطالب من هنّ مهمّشات أكثر منّا، ما يعني أن تقود الأكثر تهميشاً الحراك التحرّري. بمعنى أن نأخذ موقعنا كداعمات مرة أخرى، وأن نترك حينها، مساحة القيادة لهنّ. ليس التنافس مصيرنا الأوحد، مسيّرات نحوه على مضض. هو مركّب اجتماعي، تماماً مثل أي مفهوم يمكن استبدال وجوده بمفهوم آخر. والانتقال من التنافس نحو «شيء آخر» يتطلّب حركتين: الأولى هي في محاولة تخيّل ما يمكن أن يكون وكيف يكون هذا «الشيء الآخر»، والثانية في البدء بتحطيم التركيبات التي تجعل وجودنا تنافسياً.
في هاتين الحركتين، خطوات لا محدودة من التحرّر، خطوات من تحطيم التنافس في منظارنا للإنتاج والاقتصاد والعمل السياسي والعلاقات الاجتماعية. فيهما تبرير لتظاهرنا كطلّاب جامعات مع أساتذة التعليم الثانوي سنة 2014 في حراك هيئة التنسيق النقابية، فيهما تفسير للتظاهرات ضد تدمير مرج بسري والمحارق، فيهما تبرير للتحركات ضد الحرب الإمبريالية على فنزويلا، وتفسير لتدخّل كوبا في الكونغو، ووقوفنا ضد رجل يطرد لاجئاً سورياً يعمل بائع جوز على الرصيف في الحمرا. فيهما تبرير لأي حركة نقوم بها لأجل نصرة من نراه مقموعاً/ مهمّشاً/ة مسحوقاً/ة. في هاتين الحركتين، تفسير لمعنى التضامن والخروج من قوقعة الأنا التنافسية. فيهما ــ كما يقول البعض ــــ الطريق الوحيد لاستمراريتنا كجنس بشري، ولبقائنا كنساء.

1- عملت غاياتري سبيفاك على مفهوم التمثيل خاصة من منظار نسوي، كما فسّرت كيف يسائل المثقّفون/ ات قدرة المجتمعات المهمّشة على الكلام وتمثيل نفسها
Spivak, Gayatri. Can the Subaltern Speak? in C. Nelson and L. Grossberg (eds)
Marxism and the Interpretation of Culture. Basingstoke: Macmillan.1988
2- Fisher, Elizabeth. Woman’s Creation. Sexual Evolution and the Shaping of Society. (1979).



«هـــنّ»
عند السابعة من مساء اليوم، تطلق «مجلّة السمندل» كتاباً جديداً بعنوان «هن» إلى جانب معرض للقصص المصوّرة التي يتضمّنها المؤلّف. تخصص مجلة الكوميكس اللبنانية هذا الكتاب للمرأة في عيدها، إذ دعت مجموعة من الكاتبات للمشاركة بورشة عمل تحت إشراف ثلاث فنانات هن: نور حيفاوي وكارن كيروز وترايسي شهوان. في «هن»، سنقرأ قصصاً مصوّرة عن نساء عربيات واجهن مجتمعاتهن من أجل التغيير، كتبتها كل من ليا جريج، ونور نحاس، وهدى بركات، وآنا أوباكس، وجيرالدين كورمان، ونيفين ك، وجايد برنارد، وثارا كابتان، وروزي نشأت، وكريستين عياد، وكارلا عوّاد. اللقاء سيتم في «تعاونيّة الضّمّة» (الأشرفية ــ بيروت)، حيث ستعرض الأعمال أيضاً، وستتحدث الكاتبات عن «هن» ورحلة إنجازه، بالإضافة إلى نقاش وسرد قصصي، يليه عشاء من «مطبخ مريم».


أنشطة

سهى أيقونة مقاوِمة
تحت عنوان «نساء في المقاومة»، يحتفي «نادي السنديانة الحمرا» في «الجامعة الأميركيّة في بيروت» باليوم العالمي للمرأة عند السابعة من مساء اليوم الجمعة في قاعة راجي بطحيش في الجامعة. يفتتح اللقاء بمحاضرة للباحثة والأكاديمية اللبنانية نهلة الشهال، يليه عرض فيلم «سهى: صمود في الجحيم» للمخرجة اللبنانية الراحلة رندة الشهّال (1953 ــ 2008). يرافق الفيلم (56 د) واحدة من أبرز المناضلات اللبنانيّات في المقاومة الشيوعيّة سهى بشارة، في عودتها إلى قريتها دير ميماس بعد تحرير الجنوب اللبناني عام 2000. حاولت بشارة، حين كانت لا تزال في بداية العشرينيات من عمرها، اغتيال قائد جيش لبنان الجنوبي العميل أنطوان لحد في بيته، فسجنت عشر سنوات في معتقل الخيام، الذي تعود إليه في الفيلم أيضاً، كما تزور بيت لحد الذي نجا من الموت. تستعيد بشارة تلك التجربة في السجن الانفرادي، وتحت التعذيب في المعتقل الذي تحرّر مساجينه في 24 أيار (مايو). لكنها تتحدّث عن جوانب أخرى من تجربتها في السجن، أهمّها الشعور العميق بالتحرّر رغم مرارة المكوث هناك.
■ ■ ■

«كرمال اقتصاد عادل... بدنا نمشي»
نهار الأحد 10 آذار (الساعة 11 صباحاً)، تنظّم أكثر من 15 مجموعة ونادياً طلّابياً مسيرة في مناسبة يوم المرأة، انطلاقاً من بشارة الخوري حتى عين المريسة، تحت عنوان «العدالة الاقتصادية قضية نسوية». تضع المسيرة نفسها في إطار التحركات الحاصلة ضد السياسات الاقتصادية والمصارف التي تزيد من تهميش العدد الأكبر من النساء، حارمة إيّاهن من العمل والتغطية الصحية والتعليم والمسكن والبدل المادي للعمل المنزلي.
■ ■ ■

ورشة كتابة إبداعية
تنظّم «قرميد» و«سايدواك بيروت» ورشة كتابة إبداعية تديرها ميسان ناصر، عن المواضيع التي تعانيها النساء في حياتهن اليومية. الورشة التي تقام يوم السبت 9 آذار (الساعة 4 حتى 7 مساءً) في مركز «قرميد» (فرن الشباك)، ستقدَّم باللغتين العربية والإنكليزية.
■ ■ ■

موعد مع الآنسة سيمون
ينظّم «اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني» (فرع طرابلس) عرضاً لفيلم «What happened, Miss Simone?» عن حياة أيقونة الجاز، نينا سيمون. الشريط الوثائقي الذي يستعرض حياة مناضلة من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، يعرض يوم الأحد 17 آذار (الساعة السادسة مساء) في «ورشة13» (المينا، طرابلس).
■ ■ ■

لمّا الماركسيّة تكون نسوية


ينظّم مكتب شؤون النساء في الحزب الشيوعي اللبناني نشاطاً بعنوان «لمّا الماركسيّة تكون نسوية» يوم الجمعة 15 آذار (الساعة 6 مساءً) في مركز الحزب الشيوعي اللبناني في بيروت، (الوتوات). ويأتي هذا النشاط في إطار النقاش الذي يطلقه المكتب حول ماهية الماركسية النسوية وكيفية تطبيقها في لبنان والمنطقة.