في مناسبة الثامن من آذار (مارس)، لا بد من أن نتقدم بتحية إجلال وإكبار لجميع شهيدات وقيادات الحركة النسائية الفلسطينية اللواتي قضين في سبيل الحرية والاستقلال. ونثمّن عالياً دور كل من المناضلات والمدافعات عن وطنهن المسلوب، والمتضامنات مع الأسرى والأسيرات اللواتي يعانين الاعتقال والبطش في سجون الاحتلال العنصري. كما نوجه تحية تقدير لأمهات وزوجات وأخوات الشهداء والأسرى المتحديات لظروف أسرهنّ المشتتة بسبب الإبعاد والحصار والجدار العنصري، وأمام همجية المستوطنين، والصامدات في بؤس القصف والتهجير في قطاع غزة. تحية للنساء اللواتي استطعن بنضالاتهن المستمرة تعزيز المقاومة والمساهمة في صمود الأسرة الفلسطينية على أرضها، لمواجهة المشاريع الاستيطانية الهادفة لتهويد القدس وشرذمة الضفة الغربية وفصلها لمنع التواصل الجغرافي. وأخيراً تحية للنساء اللواتي يواصلن النضال بكل أشكاله من أجل تحقيق الدولة ثابتة المبادئ والحقوق في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، ومن أجل إرساء مبدأ المساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية على أساس وثيقة الاستقلال الفلسطينية لعام 1988، ومبادئ حقوق المرأة الفلسطينية التي أعلنها «الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية» في 2 آب (أغسطس) عام 1994 لتتبوأ المكانة التي تستحقها.


اسماعيل شموط ـــ «رقصة النصر» (زيت على قماش ـــ 1963)

مع أن المرأة الفلسطينية تقدمت وأنجزت في مناحي عدة في الحياة العامة، إلا أن أغلبية النساء يواجهن أشكالاً مختلفة من الاضطهاد والتمييز بدءاً من الاضطهاد القومي من قبل الاستعمار الكولونيالي الصهيوني المغتصب لأرضها، مما يميزها بخصوصية عن بقية نساء المنطقة العربية. فضلاً عن أنها تشترك معهن في أشكال أخرى من الاضطهاد الأبوي والطبقي المتجذّر في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فجميعها تقف عائقاً أمام نهوضها، وتطورها، ومشاركتها وتمثيلها السياسي، واندماجها الاقتصادي. في مواجهتها لهذه الأشكال المركبة من اضطهاد قومي، وتمييز جنسي قائم على أساس النوع الاجتماعي، واستغلال طبقي، فإنّ المرأة الفلسطينية تواجه تمييزاً مركباً يستحيل فك ارتباطه لأنه يشكل كتلة عضوية جدلية مترابطة. ولأنّ الاضطهاد القومي هو صراع وجودي بين الشعب الفلسطيني والإسرائيليين، فهو يؤثر جدلياً على الأشكال الأخرى من التمييز والاضطهاد. لذلك، فمخاطبة قضية المرأة خارج السياق القومي والطبقي، يمثل توجهاً ليبرالياً مسلوخاً عن سياقه التاريخي والموضوعي، ويفقده البعد السياسي لقضية المرأة لتصبح قضيتها قضية مغتربة عن محتواها وواقعها. إنّ هذا النضال المشتبك والمعقد في شموليته القومي والاجتماعي والطبقي، يفرض على المرأة الفلسطينية مواجهة هذه الرزمة من التحديات الكبرى معاً. ففي هذه المرحلة الحرجة من نضال شعبنا الذي يواجه وحشية الاحتلال العنصري من جانب، ومن جانب آخر مشاريع الإمبراطورية الأميركية، السياسية منها التي اعتمدت خطة صفقة القرن وأعلنت مدينة القدس عاصمة للكيان الصهيوني، والاقتصادية منها بإشراف البنك الدولي لإرساء النموذج المعولم، الذي تماشت معه السلطة الفلسطينية وفي أولويته تهميش القطاعات الإنتاجية وتعزيز وتعميق التبعية للاقتصاد الكولونيالي، مما وسع البطالة وزاد الفقر.... بالإضافة إلى التمويل الأجنبي الذي يسعى إلى حرف مسيرة النضال الوطني من خلال أجندة تمويلية حقوقية مسلوبة من بعدها الوطني والسياسي، ومن خلال مساعدات إنسانية غيّبت الحق الوطني والاستغلال الطبقي في المسألة الفلسطينية.... كل هذه التحديات من تشابك الوطني والاجتماعي والطبقي تتم مواجهتها بكرامة وثبات، وتشكِّل المرأة الفلسطينية في نضالها اليومي جزءاً لا يتجزأ منها.
مع أن المرأة الفلسطينية مثل الرجل تواجه الاضطهاد القومي باختلاف أشكاله ودرجاته، إلا أنها تواجه يومياً تحديات داخلية إضافية ترتبط بمواجهة الاستعمار الذي سلب حريتها في الحركة جراء الإغلاق والحصار وزاد من عزلتها الاجتماعية ومعاناتها اليومية بسبب مسؤوليتها الأسرية المباشرة في ظل غياب المعيل الأساسي بسبب الشهادة أو الاعتقال. وهي تواجه أيضاً نتائج سياسات السلطة الفلسطينية التنموية التي اعتمدت العولمة الاقتصادية وأفرغت العملية الإنتاجية من معناها المقاوم، وأفقدت المرأة دورها الإنتاجي الزراعي لأنها ارتكزت إلى مبدأ خصخصة الخدمات الرئيسة (التعليم والصحة)، ما زاد من أعباء المقهورين بمن فيهم النساء، تاركين المرأة لمواجهة هذه الظروف وحدها. فالمرأة تكيفت بأشكال مختلفة لدعم صمود الأسرة إما من خلال إنشاء تعاونيات إنتاجية صغيرة، أو مشاريع اقتصاد منزلي لزيادة دخل الأسرة ومواجهة الفقر، أو الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي غير المحمي الذي تواجه فيه المرأة ظروف عمل غير لائقة وشديدة الاستغلال، خصوصاً أنّ نسبة انخراط المرأة في الاقتصاد الرسمي لم تتجاوز 17%. جميع هذه السياسات وسعت من ظاهرة الفقر والبطالة وحولتهما إلى ظواهر بنيوية مع غياب شبكة أمان اجتماعي وإيقاف السلطة الفلسطينية مشروع الضمان الاجتماعي بسبب الاحتجاجات والحراك الشعبي الذي رأى فيه افتقاراً للمساواة والعدالة الاجتماعية.
مبدأ المحاصصة الحزبية أفرغ العمل النسوي من مضمونه المكافح


كذلك، تواجه المرأة مجتمعاً أبوياً في نظامه السياسي والاجتماعي يحول دون نهوضها لتأخذ موقعها المناسب والمتكافئ مع نضالاتها وتضحياتها وكفاءاتها. فالمرأة في الأسرة تواجه تمييزاً على أساس النوع الاجتماعي، وفي السياسة تبيّن أنّه ليس هنالك قناعة لدى السلطة والأحزاب السياسية بقضية المرأة كقضية استراتيجية وبنيوية. ويظهر هذا بوضوح في نسب تمثيل المرأة وفعاليتها في السلطة والأحزاب. أما الأمر الآخر، فهو تحول أغلبية أطر الحركة النسائية الفلسطينية إلى حركة نخبوية مغتربة عن حاجات الناس بسبب إلحاقها بأجندات التمويل الأجنبي من جانب، ومن جانب آخر عدم إتاحة الفرصة الحقيقية للنساء وخصوصاً الشابات للمشاركة السياسية، معتمدين مبدأ المحاصصة الحزبية الذي أفرغ العمل النسوي من مضمونه المكافح. وهنا نخلص إلى أن تضحيات وصمود المرأة لم تترجم على المستوى التمثيلي في المراكز الحيوية والقطاعات الأساسية مع أنّ دورها كان أساسياً في الانتفاضات الفلسطينية المختلفة خصوصاً أنها كانت تشكل الهيكل الأساسي لصمود الأسرة ومقاومتها للاحتلال.
وأخيراً، في ظل التغيرات الجذرية التي تواجهها المنطقة العربية التي تدعم، وتؤثر، وتخلخل موازين القوى العالمية وتحولها إلى قطبية متعددة، واستمرار الشعب الفلسطيني ونسائه في المقاومة والصمود، يبقى الأمل كبيراً في التحرر والاستقلال الذي سيعود خيراً على جميع فئات الشعب وخصوصاً المقهورين منهم. «عاش الثامن من آذار يوم المرأة العالمي» و«الحرية لأسيراتنا وأسرانا»، و«معاً وسوياً من أجل غد أفضل تسوده الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية»

* أستاذة مشاركة في «معهد دراسات المرأة» في جامعة بيرزيت ومنسقة «مكتب التواصل للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية»