تتميز قيمة الحركة الاجتماعية، كما حددها ألان تورين Alain Touraine، بقدرتها على التنظيم والاستمرارية بما هما عنصران تسعى من خلالهما الفاعلية الاجتماعية إلى إعادة تشكيل الأنساق الاجتماعية من خلال التأثير في الرأي العام وتغيير السياسات. لا أحد ينكر أنّ تونس اليوم تخوض غمار مسار يحتكم إلى فاعلية نسوية تراهن على تطوير منظومة حقوق النساء. مع ذلك، فإنه من الواضح أنّ للنسوية ــ رغم انتصاراتها ـــ عداءات تتربص بها وتفتح منافذ الصراع على واجهات عدة: سياسية أيديولوجية أصولية ثقافية... فخطاب كره النسوية المعلن والمستبطن للتمثلات الاجتماعية الجندرية الدونية للنساء ــ بغض النظر عن مكانتهن وموقعهن سواء كان في الشأن السياسي أو في أي مجال آخر ــ يسعى باستمرار إلى عزلها عن باقي الحركات التحررية والنضالية وحصرها في زاوية التوظيف الذرائعي.

لقد ولدت الحركة النسائية في تونس من رحم الحركة الوطنية ورافقتها، فقد كان لانخراط النساء في المقاومة الوطنية والنضال من أجل الاستقلال، استمرار في مرحلة ما بعد الاستقلال، ما أسهم بالتأكيد في تسييسهن وتشكيل وعيهن بالتفاوت والتمييز الذي يتعرّضن له باعتبارهن أكثر فئة عرضةً للتضرر منه، فكان هذا الوعي النقابي والسياسي والاجتماعي محفزاً للعديد من الناشطات نحو تأسيس جمعيات نسوية (1). لكن، على الرغم من التاريخ الحافل للحركة النسوية، والترسانة الدستورية والتشريعية لصالح النساء، فإن هذه المكتسبات ما زالت تتحصن بالثقافة البطريركية الذكورية. واقع يسحبنا إلى مساءلة مدى فاعلية الديناميكية النسوية في ظرف تاريخي يطرح عليها خوض العديد من المعارك والأولويات المتعلقة بعنوان مهم للانتقال الديمقراطي في تونس وهو حقوق النساء. والحال أننا اليوم أمام تراجع للقيم التي كان يفترض أن تبنى عليها سياسات ما بعد الثورة، وهو تراجع تتعمق فيه دونية المرأة بشكل يسهم في المزيد من انتشار العنف. إذ ترتهن البلاد للاقتراض الخارجي وترضخ لابتزاز السياسات النيوليبرالية المتوحشة التي تقضي على الحقوق الاقتصادية الاجتماعية، وما ينتج عن ذلك من ثقل يقع على كاهل الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً المزيد من تفقير النساء، في ظلّ انعدام الإرادة السياسية والبدائل النضالية التي تجعل ملف التنمية أحد أهّم أولوياتها للتخفيف من الاحتقان الاجتماعي والوقاية من مخاطر الإرهاب.
يبدو أنّ ما يطرح على الحركة النسوية اليوم إذاً هو صياغة مقترحات وبدائل سياسية تستجيب لحاجات النساء وترفض منطق العولمة، وابتكار مقاربات جديدة تحفز على مشاركة أكثر عمقاً وفاعليةً للنساء في الحياة السياسية، ففساد السياسات يهيئ الأرضية لانتهاك الحقوق. وعليه فإن الفاعلية النسوية كجزء من المجتمع المدني ــ وبحكم انخراطها العضوي في واقع الصراع الطبقي ــ هي المؤهلة لحسم الصراع ضد عنف الدولة، والتضامن مع حقوق الهويات الجندرية ومساعدتها في خلق مساحات للتحرر واستعادة أجسادها المضطهدة. على الرغم من تحصيل المكسب التشريعي المتمثل في القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 لمناهضة العنف المسلط على النساء، فإن النسويات اليوم – بالإضافة إلى معركة تفعيله – يخضن معركة سد ثغرات مجلة الأحوال الشخصية التي تعتبر متخلفة عن واقع الحقوق في تونس اليوم. «إن الأخذ في الاعتبار الشأن السياسي يحدد بقوة المشروع النسائي» كما تقول الهام المرزوقي (2).

نحن اليوم أمام تراجع للقيم التي كان يفترض أن تبنى عليها سياسات ما بعد الثورة


علينا أن نعترف أنّ القوانين وحدها لا يمكن أن تضمن الحقوق الإنسانية للنساء، فقد شاهدنا قبل أيام على شاشة التلفزيون كيف تم التعريض بالنساء تحت قبة البرلمان ومن طرف المشرعين أنفسهم. إنّ هذا السلوك المتحيز ذكورياً لأهلية الذكور في ممارسة السياسة، هو انعكاس لمشهد عام مطبِّع مع تمثلات اجتماعية جندرية ممتهنة للنساء ومتظننة على حقهن في المشاركة في الشأن العام وجاحدة لرغبتهن في التحرك في مساحات آمنة تؤهلهن للنشاط بكثافة في الحياة السياسية، عبر محاولات الاستثمار السياسي لقضية تحرر المرأة، وسحب الحركة النسائية إلى دائرة التوظيف الإيديولوجي. العقلية نفسها التي تؤبد واقع استنقاص النساء بنفس التركة الموروثة لسياسات متعاقبة، أحكمت استعمال واحتكار قضايا تحرر النساء في إطار توظيف سياسي ضيق، في مشهد قديم متجدد للتوظيف السياسي الفج لقضايا النساء واستعمالهن كورقة انتخابية للدعاية والحشد. بعد تسع سنوات من الثورة التي رفعت على إثرها النسويات شعار «ثرنا سوياً فلنبن سوياً»، ما زلنا لم نبرح العقلية السياسية الأبوية نفسها.
لقد بات من اللازم اليوم، استدعاء «حق الذاكرة» (3). فبعد هذا التاريخ الطويل من النضال النسوي ــ ورغم ترسانة الحقوق والقوانين المكتسبة ــ ما زالت المرأة التونسية في مواجهة مع عقليات الوصاية على جسدها، وأمام تهديدات مصادرة حريتها من طرف القوى الرجعية التي تسحبها إلى معارك تعود بها قرناً إلى الوراء. يلزمنا حق الذاكرة بما هو حق يستدعيه حفظ الذاكرة الوطنية في بلد ما، كآلية من آليات العدالة الانتقالية كما يشير إلى ذلك بول ريكور. يلزمنا استدعاء تاريخ الحركة النسائية في تونس، وتنزيلها في إطار «الذاكرة الملزمة» التي يميزها ريكور عن صنفين آخرين من الذاكرة: «الذاكرة الممنوعة» التي تتعلق، في سياق الحركة الوطنية، بعوائق التذكر وهي عوائق منعت التأريخ للحركة النسائية إما بسبب العقلية الذكورية المهيمنة على كتابة التاريخ، أو بسبب ضعف التوثيق النسوي بحد ذاته. أما الصنف الثاني فهو «الذاكرة الموجَّهة» المتمثلة في محاولات الاستثمار السياسي لقضية تحرر المرأة، عبر سحب الحركة النسائية إلى دائرة التوظيف الإيديولوجي، وهو ما تجسد في كتابات التاريخ المغالية في تثمين الأساطير الصانعة لحرية المرأة في تونس مقابل التنكر لنضالات الحركة النسوية.

الهوامش
1- Dorra Mahfoudh et Amel Mahfoudh, Mobilisations des femmes et mouvement féministe en Tunisie, Dans Nouvelles Questions Féministes, 2014/2 (Vol. 33), pages 14 à 33.
2- إلهام المرزوقي، الحركة النسائية في تونس في القرن العشرين، ترجمة آمال القرامي، دار سيناترا، المركز الوطني للترجمة، الطبعة الأولى، سنة 2010، ص 14.
3- Paul RICOEUR: La memoire.l›histoire، l›oubli Seuil 2000 p 66
* طالبة دكتوراه في الفلسفة،
جامعة «تونس المنار»