بعد إعلان جوائز الدورة 91 من جوائز «أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة» (AMPAS)، ربّما تمنّى بعض الصنّاع في هوليوود لو أنّهم ولدوا نساءً ببشرة سوداء، حتى يحظوا بتقديرات مستحقة وغير مستحقة عن أعمالهم. هذا الانطباع الأبرز عن حفل الثلاث ساعات ونصف. ملل وخطابيّة باردة، من دون شطحات مبتكرة أو جنونيّة. لعلّه ثمن باهظ لعدم وجود مقدّم/ دينامو، أو نصّ خلّاق يعوّض غيابه، مع اعتلاء ثلّة نجوم خشبة مسرح «دولبي». الافتتاح بميدلي «كوين» مع آدم لامبرت لن يجترح المعجزات بالتأكيد.

«لا مقدّم الليلة. لا فئة لأفضل فيلم جماهيري، والمكسيك لا تدفع ثمن بناء الجدار». مايا رودلف افتتحت الكلام المباح. إشارة إلى تراجع الأكاديميّة وقراراتها غير المدروسة كفايةً. كالمعتاد، مناكفة ترامب حول نيّته بناء جدار فاصل على طول الحدود مع المكسيك. الواقع أنّ كرت الرئيس الأميركيّ لم يعد رابحاً أو طريفاً، جرّاء استهلاكه الممجوج في البرامج والمناسبات. تينا فاي أردفت بسخريّة: «روما على نتفليكس؟ ما التالي؟ جهازي المايكرويف يصنع فيلماً؟». صحيح أنّ جديد ألفونسو كوارون خلّاب ونفيس، إلا أنّ ارتباطه بالمنصّة الشهيرة أسال أرطالاً من الحبر. مجموعة من أعضاء الأكاديميّة البالغ عددهم 7902 (عام 2018 شهد زيادة 928 اسماً من 59 بلداً، منهم 49% نساء، و38% ملوّنو البشرة) معروفون بعدائهم للتوزيع غير التقليديّ للأفلام. عروض الشريط المحدودة في الصالات، نظّمَت فقط لتلبية لوائح المنافسة. بذلك، لا يبدو مستغرباً انخفاض عدد المشاهدين العام الماضي إلى مستوى قياسيّ (26.5 مليوناً)، وعائدات الإعلان على شبكة ABC صاحبة حقوق البث الأساسيّة (128 مليون دولار هذه السنة، مقارنةً بـ 149 عام 2018). هل نجحت محاولة إنقاذ درّة جوائز هوليوود وليلتها الكبيرة من التدهور؟ لا نعتقد ذلك.



لا فوز للعرب
لم تكشف الظروف الحمراء عن واحد من الاسمين العربيّين الحاضرين في فئتين مختلفتين. لم يصعد السوري طلال ديركي لاستلام أوسكار أفضل وثائقي طويل، كتتويج لـ «عن الآباء والأبناء». التمثال ذهب إلى «فرديّ حر» لجيمي شين وإليزابيث شاي فاسارهيليي، عن متسلّق الجبال أليكس هونولد. كذلك الأمر بالنسبة للبنانيّة نادين لبكي عن «كفرناحوم». خسرت أمام «روما» كوارون كما المتوقع. نسخة طبق الأصل عمّا حصل العام الماضي مع اللبنانيّ زياد دويري في الروائي عن «قضيّة رقم 23»، والسوري فراس فيّاض في الوثائقي عن «آخر الرجال في حلب».



في المقابل، ثمّة من بدأ بالتفاخر بـ «انتصار» رامي مالك كأفضل ممثّل عن بيوغرافيا «بوهيميان رابسودي»، على اعتبار أنّ الأميركي الشاب (من مواليد لوس أنجليس 1981) من أصول مصريّة. عادة عربيّة مثيرة للاهتمام والتأمّل. التمسّح بمنجز الآخر، لإيهام الذات بنوع من التحقق الوهمي. مالك نفسه بيّن في كلمته أنّه «ابن مهاجرين من مصر. أميركي من الجيل الأوّل». أشار إلى أصوات الوافدين، وتحققهم في أرض الأحلام. «جزء من حكايتي يُكتَب الآن». ختم بوضوح. غير أنّ كل ذلك لن يثني بعض العرب عن التبجّح بما ليس لهم. حسناً، إذا كان الحال كذلك، فإنّ ستيف جوبز سوريّ الأصل، ولكن من غير المتوقع أن نرى تمثالاً لمؤسّس «آبل» في ساحة الأمويّين. إذاً، نالها رامي مالك عن جدارة، إثر تقمّصه المبهر لأسطورة «كوين» فريدي ميروكوري. نعم، الشريط نفسه متوسّط القيمة، إذ يبقى على السطح وفق سرد كرونولوجيّ معروف عن الفرقة الشهيرة، إلا أنّ مالك يجترح الأقصى ضمن المتاح على الورق. هكذا، أكّد تتويجات الغولدن غلوب والبافتا ونقابة ممثّلي الشاشة. لم يتأثّر بالتخلّي عن خدمات المخرج بريان سينغر بسبب اتهامات تحرّش، واستبداله بديكستر فليتشر. هذا سبب عدم ذكر سينغر في خطابه. لا شكّ أنّه سعيد بالتفوّق على كريستيان بايل، الساحر في «النائب» لآدم ماكاي بدور ديك تشيني. في الحفل بدا بايل هادئاً، مسترخياً، كأنّه أكبر وأعمق من كل هذه البهرجة. الفيلموغرافيا تشهد أنّه من معدن العباقرة دون جدال.



#OscarsSoBlack
نكتة تداولها بعض المتابعين، كرّد فكاهي على حملة #OscarsSoWhite. رأوا أنّ جرعة «العنصريّة المضادّة» لمثيلتها تجاه الأميركيّين من أصل أفريقي، فاقت أيّ حد. ماذا يفعل كلّ من «بلاك بانثر» لريان كوغلار، و«إذا تكلّم شارع بيل» لباري جنكينز ضمن المرشحين، على حساب عناوين أخرى؟ الأوّل سوبرهيرو أسود البشرة، قائم على التقنيّة وبهارات الجانر النمطيّة. الثاني قصّة حبّ، ودراما عائليّة، متهالكة الإيقاع والطرح. غير أنّ التمثال انتصر لذوي البشرة السوداء مراراً ليلة أمس. بعضها ظهر بهدف تسجيل أرقام قياسيّة، وكتابة التاريخ. هانا بيكلر في الديكور، وروث كارتر في الملابس، أوّل أميركيتيّن من أصل أفريقي تنالان أوسكاري الفئتين عن «بلاك بانثر» (أولأ أوسكار لمارفل). كونهما امرأتان يعزّز حمّى إرضاء الصواب السياسيّ. منذ أغنية إيرين كارا عام 1984، لم يفز أصحاب البشرة السوداء بفئات مغايرة للتمثيل. خطاب كارتر واضح: «ربّما تكون مارفل صنعت أوّل سوبرهيرو أسود البشرة، ولكن، من خلال الملابس، صنعنا منه ملكاً أفريقياً». لنتخيّل فقط لو وردت هذه الكلمات الفوقيّة، على لسان متوّج من عرق آخر. ذلك كفيل بإشعال «القيامة الآن». الجائزتان جاءتا على حساب شغل مبهر في «المفضّلة» ليورغوس لانتيموس، الذي خرج أكبر الخاسرين. أوسكار واحد لأوليفيا كولمان كأفضل ممثّلة، من أصل 10 ترشيحات، وهو الرقم الأكبر إلى جانب «روما». الممثّلة الإنكليزيّة خطفت القلوب بخطاب حميميّ طريف. «هذا مضحك للغاية. فزتُ بأوسكار» هتفت غير مصدّقةً. تتمّةً، فتك «بلاك بانثر» تمثالاً ثالثاً، كأفضل موسيقى للودفيغ غورانسون.



أيضاً، ذهبت فئتا التمثيل المساعد لكلّ من ماهرشالا علي عن «الكتاب الأخضر» لبيتر فاريلي، وريجينا كينغ عن «إذا تكلّم شارع بيل»، في تكرار لدورة 2017 (ماهرشالا عن «موونلايت» باري جنكينز، وفيولا دافيس عن Fences دنزل واشنطن). في الأوسكار الثاني خلال ثلاث سنوات، انضمّ علي (1974) إلى واشنطن نفسه، كثاني ممثّل أسود البشرة متوّج بأوسكارين.
سبايك لي تنفّس الصعداء أخيراً بنيله أوّل أوسكار تنافسيّ، بعد آخر شرفيّ عام 2016. حققه في السيناريو المقتبس عن شريطه BlacKkKlansman، بالاشتراك مع تشارلي واكتيل، دافيد رابينويتز، وكيفين ويلموت. الرجل بدا أقرب إلى كوميديان أو مهرّج، منذ مشيه على الريد كاربت بتصرّفات استعراضيّة، وردود أفعال فاقعة. أكثر من ذلك. لم يخفِ غضبه لدى إعلان «الكتاب الأخضر» أفضل فيلم (يتناول التمييز ضدّ السود بطبيعة الحال). غادر مقعده، مديراً ظهره للمسرح. مزح في الكواليس: «في كلّ مرّة يقود أحدهم سيّارةً بآخر، أخسر»، قاصداً هزيمته عام 1990 أمام «توصيل الآنسة دايزي» لبروس بيريسفورد، عندما نافس بـ «افعل الشيء الصحيح». بيتر رامزي مخرج أسود من مواليد لوس أنجليس. فاز ضمن فريق Spider-Man: Into the Spider-Verse بأوسكار أفضل أنيماشن طويل.



«روما»: «موتشا غراسياس» ألفونسو
تحفة ألفونسو كوارون الأبيض والأسود، وخام 65 ملم، انتزعت 3 جوائز دسمة: أفضل فيلم أجنبي، وأفضل إخراج، وأفضل تصوير لكوارون نفسه. أرقام بالجملة في ليلة العمر. أوّل مرشّح في أربع فئات مختلفة عن شريط واحد. أوّل فوز للمكسيك في تاسع ترشيح. يأتي في زمن قرارات ترامب المناوئة للجار. خافيير بارديم لمّح أثناء تقديم أوسكار الفئة مع أنجيلا باسيت: «لا حدود أو جدران يمكن أن تحدّ الإبداع والموهبة». كذلك، ثاني أفضل إخراج لكوارون بعد «جاذبيّة» (2013)، كأوّل مكسيكيّ المولد يتوّج في هذه الفئة. الثالث في مسيرته، بحساب أوسكار أفضل مونتاج لـ «جاذبيّة» في دورة 2014 (بالشراكة مع مارك سانغر). إنّه الفوز المكسيكيّ الخامس بأوسكار أفضل إخراج، في آخر 6 سنوات. كوارون وغييرمو ديل تورو وإيناريتو هم «الأميغوز الثلاثة»، الذين غيّروا قواعد اللعبة في هوليوود. هناك المزيد. هو أوّل حاصل على أوسكار التصوير، عن فيلم من إخراجه. قام بإهدائه للسينماتوغرافيّ المفضّل إيمانويل لوبيزكي. فلتة الكاميرا انسحب خلال تحضير الفيلم، بسبب امتداد فترة تصويره إلى 110 أيام، ما يتعارض مع التزامات سابقة. كوارون استلهم فكر «شيفو»، سائلاً نفسه: كيف سيلتقط مشاهده لو كان حاضراً؟ على المسرح، نطق كلمات ملهمة: «أريد شكر الأكاديميّة على تقدير فيلم حول امرأة من السكّان الأصليّين. واحدة من 70 مليون يكدّون في المنازل، من دون حقوق عمل. هذه الشخصيّة مهمّشة تاريخيّاً في السينما. كفنانين، واجبنا أن ننظر حيث لا يفعل الآخرون».



بيد أنّ كل ذلك لم يمنح «روما» ريشة كتابة التاريخ، كأوّل شريط ناطق بلغة أجنبيّة، يعود إلى الديار بأوسكار أفضل فيلم. انتصرت الحسابات على السينما. بيتر فاريلي عبّر عن سعادته بتتويج «الكتاب الأخضر»: «إنّها قصّة عن الحب. حبّنا لبعضنا البعض، واكتشاف من نحن حقيقةً». تأكّد أنّ بعض الأعضاء لا يريدون منح نتفليكس نصراً شاملاً. بالمناسبة، الأخطبوط الرقميّ سجّل فوزاً آخر، بحصول «نقطة آخر السطر» لرايكا زيتابشي على أوسكار أفضل وثائقيّ قصير. هذا يعني ترسيخ بداية حقبة جديدة، بدأت بحصول «روما» على أسد فينيسيا. هنا السؤال: إلى متى سيصمد مهرجان «كانّ» وتييري فريمو في وجه تسونامي الإنترنت؟

من فيلم «كتاب أخضر»

جوائز أخرى
بعد سخرية غريبة من فئتي الروائي والأنيماشن القصير، وقهقهات الحضور الأكثر غرابةً، فاز «جلد» لغاي ناتيف بأوسكار الروائي القصير. السينمائي الإسرائيليّ ثرثر قليلاً عن نجاة عائلته من الهولوكوست، رغم أنّ فيلمه عن «تعليم أطفالكم بشكل أفضل». تتمّة للإنصاف الجندريّ، حصدت دومي شي أوسكار الأنيماشن القصير عن «باو». الكنديّة-الصينيّة أوّل امرأة تخرج شريطاً من إنتاج «بيكسار». ليدي غاغا لم تخيّب توقعات أوسكار الأغنيّة عن Shallow. تأديتها مع برادلي كوبر، من دقائق الحفل الجميلة، حتى أنّ الحضور صفّق لهما في فترة التوقف الإعلاني. هذا لم يحصل سابقاً. جائزتا مونتاج ومزج الصوت من نصيب «بوهيميان رابسودي»، الذي استكمل الرباعيّة بأوسكار المونتاج لجون أوتمان. كيف لتوليف بنية كلاسيكيّة بنفس كليباتيّ أن يهزم شغلاً شديد الأصالة والإبداع مثل «النائب» (هانك كوروين)؟ ليس الاستغراب الوحيد بطبيعة الحال. شريط آدم ماكاي خرج بنقطة وحيدة: أفضل ماكياج. عمل مبهر لكلّ من غريغ كانوم، وكايت بيسكو، وباتريشيا دهايني، في تحويل الممثّلين إلى شياطين الحرب على العراق. «أوّل رجل» لداميان شازل يتيم أيضاً. نال أوسكار المؤثّرات البصريّة عن استحقاق، رغم أنّ الشريط نفسه مخيّب للآمال، وذلك لكلّ من بول لامبرت، ويان هانتر، وتريستان مايلز، وج. د. شوام. في النّهاية نقترح «نصيحة بجمل» للسينمائيّ العربيّ (يفضّل سينمائيّة). اصنع فيلماً عن لاجئ سوريّ، أسود البشرة. عانى ويلات الحرب، متخبّطاً بين أصله ومثليته الجنسيّة. افعلها، وغالباً سنراك تلقي خطاب النصر في الأوسكار القادم.