برغم المحاولات المتفرّقة في السنوات الأخيرة لإحياء موروث نساء طليعيات في الحركة النسوية العربية وفكرها، لا تزال أسماء كثيرات من هؤلاء مجهولة أو على الأقل تقتصر معرفتها على شرائح محددة. نظيرة زين الدين (1907-1977)، ابنة بلدة عين قني الشوفية في جبل لبنان، واحدة من نساء المنطقة اللواتي رمينَ حجراً في مياه النظام الأبوي في بداية القرن العشرين، حين أشعلت بكتاباتها ومحاضراتها معركةً مع رجال الدين المسلمين، تمحورت حول الحجاب بشكلٍ أساسي وحول مكانة المرأة في الإسلام. استعادت «الجامعة الأميركية في بيروت» زين الدين، قبل يومين، في ندوةٍ استضافت الأكاديمية الأميركية والباحثة في الدراسات العربية، ميريام كوك، للحديث حول كتابها «نظيرة زين الدين: رائدة النسوية الإسلامية».

الغريب أن المراجع حول زين الدين تكاد تنعدم على المستوى المحلي، إلى درجة أن معظم جمهور ندوة «الأميركية» كان يتعرّف إلى «ابنة بلده» عبر كوك. عوامل عدة قد تكون ساهمت في الجهل بهذه المرأة وبعملها، أولاً لأنها نشرت في حياتها مؤلَّفين فقط هما: «السفور والحجاب» و«الفتاة والشيوخ»، وثانياً لأنه جرى محاربتها بشدّة واتهامها بالهرطقة و«خيانة البيئة» تارةً، وبالتبعية للاستعمار طوراً.
اسم نظيرة زين الدين برز في موازاة الحراك النسوي الذي شهده العالم أواخر القرن التاسع عشر. إلا أن التأثير المباشر على اندفاعها أتى من الغليان الذي كانت تشهده مصر في مسألة المرأة آنذاك. تموضعت زين الدين التي كانت تعرّف نفسها بكونها «فتاة مسلمة من إنطاكيا»، في طليعة الدفاع عن حرية المرأة وعن مساواتها مع الرجل في الإسلام.
من عمارة النسويات العربيات الأُوَل نفسها، أعقبت زين الدين «أم نسويات النهضة»، عائشة تيمورية، وكلّ من نبوية موسى وهدى شعراوي وغيرهنّ؛ بعد سنوات قليلة من الانفجار الكبير الذي أحدثته أفكار قاسم أمين في كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة». جاء كتاب «السفور والحجاب» (1928) لزين الدين ليُحدث هزّةً في لبنان والجوار، لا سيما في الأوساط الدينية، حيث كانت تدعو بوضوحٍ وصرامة إلى نزع غطاء الوجه وتحرير المرأة ومساواتها التامة مع الرجل في الدين. تلك اللحظة الفارقة، مهّد لها حراكُ موسى وشعراوي حين قررتا خلع الـ«يشمك» (النقاب)، وقد تبعتهما في لبنان عنبرة سلام عام 1927 في تلك الخطوة، ما مثّل نماذج حيّة دعمتها زين الدين بمادة نظرية في مؤلفها الإشكالي.
نشرت زين الدين «السفور والحجاب» في 400 صفحة، عندما كانت تبلغ 19 عاماً فقط. صغر سنّها مثّل حجةً كافية لرجال الدين الذي تكتّلوا ضدها وفي مقدمتهم الشيخ مصطفى الغلاييني، ليشكّكوا في كتابة زين الدين هذا الكتاب. ولا يزال هذا التشكيك رائجاً إلى يومنا هذا، حيث هناك رأيٌ يعتقد بأن «عدداً من الإرساليات» كتب لها الكتاب، واستند هؤلاء إلى هذه النظرية وإلى رسالة بعثتها لاحقاً إلى المندوب السامي في بيروت لاتّهامها بالتبعية للاستعمار. بالإضافة إلى نظرية أخرى روّجت أن والد نظيرة، القاضي الشرعي سعيد زين الدين، هو المؤلّف الحقيقي، لا سيما أن الكتاب زاخرٌ بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وتلفت كوك هنا، إلى أن الآيات الواردة في «السفور والحجاب» ليست مرقّمة كما لم يتم ذكر السور التي أُخذت منها، ويُظنّ أن الكاتبة تعمّدت ذلك لأنها كانت توجّه كتابها لرجال الدين بصورةٍ أساسية.
معركتها الأولى كانت مع الشيخ الغلاييني الذي كان يحاول في كتاباته آنذاك أن يثبت أن الإسلام دينٌ تقدميّ، مستنداً في ذلك إلى «معاملة الإسلام للمرأة»، وداعياً الأخيرة إلى التمسّك بالحجاب. في هذا السياق، أوردت زين الدين بين حجج مؤلَّفها أنه «إذا كان الحجاب دليلاً على عجز المرأة عن صون نفسها، فهذا إشارة إلى خيانة الرجل وسرقته الأعراض»، مضيفةً «إن النقاب هو الذئب الذي يجعل المرأة تحسب نفسها كالنعجة». كما ربطت بين غطاء الوجه والتجهيل، حين قالت مخاطبةً الرجل: «أنت خائف من معرفة المرأة، وخائف من أن تنزع الغطاء من قلبها كما أنت خائف من نزع الحجاب عن عينيها. يبدو أنك تريد لقلبها وعيونها أن تبقى عمياء لتبقى آلة غبية في أيدي شخصٍ مثلك». فما كان من الشيخ الغلاييني الذي أصبح رئيساً للمجلس الإسلامي في بيروت فيما بعد، إلّا أن ردّ عليها بالقول: «حين تكون المرأة بهذا الشكل (شكل نظيرة) عليها أن تكون ممتنة لغطاء الوجه»!

ليلى العطارــ من دون عنوان (زيت على كانفاس وشمع على كانفاس ـــ 98.5 × 82 سنتم ـــــ 1988)

في الكتاب الذي تصفه كوك بـ«التثقيفي»، تطرّقت زين الدين إلى أحاديث نبوية مثل حديث «اطلبوا العلم ولو في الصين»، لتبيّن أن النبي لم يخصّص الرجل دون المرأة في دعوته هذه. على المنوال نفسه، نقدت زين الدين حديث «النساء ناقصات عقل ودين»، متسائلةً عن المصدر العلمي لمقولة «النقصان»، سابقةً في ذلك عمل فاطمة المرنيسي. كذلك، قدّمت حجة قالوها أشخاص مثل المرنيسي، ونوال السعداوي وزيبا مير حسيني، حين قالت: «إذا كانت وظيفة الحجاب حماية الناس من التجربة، إذاً أخفوا كل الفتن: اجعلوا الغني يخفي منازله وثيابه وطعامه من أمام الفقير. إذا كان الحجاب يفرق الإنسان عن الحيوان، إذاً إن الإنسان الذي يفكّر أنه متفوق بالعقل الذي عليه أن يتحجب».
«السفور والحجاب» (1928) أحدث هزةً في لبنان والجوار، لا سيما في الأوساط الدينية


انطلاقاً من اشتغال زين الدين على هذه النصوص وتفنيدها بالشكل المذكور، ترى كوك أن ما فعلته الكاتبة اللبنانية كان «تفكيك التحليل الميزوجيني للنصوص المقدّسة في الإسلام». لذلك تقول كوك إن زين الدين كانت رائدة لما يُسمّى في الغرب اليوم بـ«النقد النسوي» (gynocriticism). وتعرّف إحدى أبرز الأسماء في هذا المجال اليوم، آنيت كولودني، النقد النسوي بكونه «تأكيد المرأة على حقها المتكافئ والخاص في تحرير مدلولات جديدة من النصوص»، أو بمعنى آخر إعادة قراءة هذه النصوص بعينٍ نسوية، وهو عملياً ما فعلته نظيرة زين الدين حين بيّنت ذكورية تأويل النصوص الدينية.
إلى جانب اتّهامها بأنها لم تكتب كتبها، وبأنها تُنسب زوراً إليها، تهمةٌ أخرى وُجّهت إلى نظيرة زين الدين قد تكون ساهمت قليلاً في طمس أثرها، وهي علاقتها بالفرنسيين خلال فترة الانتداب. كانت زين الدين تسكن بجانب منزل شارل ديغول بالقرب من منطقة كركول الدروز في بيروت بين عامي 1929 و1932، وكانا يريان بعضهما باستمرار، بحسب تأكيد كوك. وعام 1932، كتبت زين الدين رسالة إلى المندوب السامي الفرنسي تطلب منه «مساعدة الفرنسيين في تعليم النساء»، الأمر الذي «لا يمكن تفسيره بالنسبة لي»، تقول كوك. بعد عام 1933، وبعدما بدأ الدروز بخسارة وضعيتهم السابقة شيئاً فشيئاً، تزوّجت زين الدين من السياسي شفيق الحلبي، وانكفأت في منزلهما في بعقلين منصرفةً إلى الأمومة، ومذّاك توارت عن الأنظار حتى وفاتها عام 1977. وعلى الرغم من توقف نتاجها عند كتابين، ترى كوك أن نظيرة زين الدين تمثّل الموجة الأولى من «النسوية الإسلامية». وتعرّف الأكاديمية الأميركية هذا المصطلح بكونه يشمل كلّ نقدٍ نسوي يهدف إلى رفع المرأة إلى مصاف الرجل في الإسلام. لفهم رؤية كوك، ربما علينا الاطلاع أيضاً على تعريفها للنسوية في الأساس في كتابها «Opening the gates: A Century of Arab Feminist Writing»، حيث تقول إن النسوية «ليس مصطلحاً غربياً بل كونياً، وهو يقوم على وعي المرأة بالتمييز ضدها لكونها امرأة، ثم رفضها هذا التمييز، وفي بعض الأحيان (فقط) نشاطها في المجال العام».
من هنا، تؤكد كوك أن زين الدين كانت سابقةً لزمانها، وأن إرثها برغم محاولات الطمس والنسيان، لا يزال يضيء الطريق لنساء كثيرات يخضن معارك مماثلة أو شبيهة مع السلطات الدينية والأبوية عموماً.