يرحل الشاعرُ، ويترك لنا ظلالَ حياته مشرَّدةً في كتبه، لتعقّب سيرته المتخفيَّة خلف ذلك المجاز من الظلال، لكنَّ ذكرى رحيل الشاعر قد تكون مناسبةً نموذجيَّة لقراءة سيرة موته في أشعار حياته وكأنَّه حيٌّ بيننا! لنفهم إلى أي مدى كان «الموت في الحياة» بطلاً ملحميَّاً في تلك الحياة، أكثر من كونه صُنواً لها.

عشرُ سنواتٍ مرَّتْ على غياب بسَّام حجَّار، وأنْ يحضر بيننا الآن، فهو استحقاق ليس هيِّناً أن يحظى به الكثير من الشعراء الراحلين، استحقاق يُظهر أنَّ الموت العضويِّ لشاعر حقيقيٍّ، ليس سوى غيابٍ جسدي، فما من شاعر خلاقٍ، يريد أن ينتهي حضوره بمجرد الرحيل عن العالم، لأنَّ شاعراً بهذا التوصيف يُمضي حياته كلَّها وهو يحاول أن يضرب موعداً صعباً مع الخلود، ذلك أنه يسعى دائماً أن يبقى قريناً للكون، لهذا يغارُ من الأشياء والجمادات وعناصر الطبيعة الأكثر رسوخاً وربما خلوداً حتى وهي تتحوَّل وتنمسخُ من شكل إلى آخر، وتحت تحريض هذه «الغيرة» يتفرَّغ إلى مواجهة وربما محاورة ندَّه الأبدي في معركة الخلود التي لا تنتهي: الموت، بتحديه أحياناً وأنسنته أحياناً أخرى ليصبح جزءاً معتاداً في يومياته من أجل تسهيل المهمَّة الصعبة في المواجهة الأخيرة والكبرى. وبسَّام حجَّار من أولئك الشعراء الذين أولوا جانباً كبيراً من تجربتهم لاستقراء سطوة ذلك الخصم اللدود، ومحاولة إغوائه والاقتراب منه إلى أقصى حدٍّ ممكن للتعرُّف على لغزه المحتجب، وهو وإنْ أفصحَ عن شعوره بلا جدوى المحاولات التي سبقته إذ: «لم يفسر لي أحد من قبل معنى التراب» و«لم يَقُل لي أحدٌ ما معنى الأسى» إلا أن الرجل الهادئ المشغول «بمهن القسوة» تصدَّى مُنفرداً في محاولة شاقَّة لـ «تفسير الرخام» عنوان آخر دواوينه الذي حاولَ فيه إيجادَ تفسيرٍ لِما هو عصيٌّ ومستحيل. أعني تلك العلاقة الوجودية الملتبسة بين الحياة والموت.

«غرف بجوار البحر» للأميركي إدوارد هوبر (زيت على كانفاس ــ 73×102 سنتم ــ 1951)

في هذا الديوان، كما في كثير من شعر بسَّام، تغدو العناصرُ والأشياءُ والجمادات التي تتجلَّى في الطبيعة لتتدخَّل في تشكيل مَشَاهد الحياة: التراب، والرخام، والخشب... هي ذاتها التي تعود للحياة مُفصحةً عن وجه آخر: الموت، تغدو قبراً وشاهدةً وتابوتاً، وهي التي كانت لها، من قبلُ، سيرة داخلَ حياة الشاعر الشخصية، فالخشب يروي لنا سيرته عبر تحوله من شجرة في غابة يوماً ما، قبل أن يمسخ في الحياة اليومية بهيئة طاولةِ طعام في غرفة المعيشة أو في المكتب، أو كرسي للاسترخاء أو باب لخروج ودخول القادمين والراحلين، وبدافع من تلك الغيرة التي يتداخل فيها الحسد بالغبطة يخاطب بسَّام الخشب أو الشجرة التي أصبحت باباً: «أيها الباب ستحيا من بعدي» وهكذا لن ينسى السيرة السرية لتلك الأشياء وأنها في سيرتها تلك تضمر كناية مُستبطنة للدلالة على تحوُّلات حياته هو وصولاً إلى مصيره، فهذه الأشياء تبدو جمادات ميِّتة، ظاهرياً، إلا أنها تكتسب في الواقع حياةً وسيرةً خاصة بها بقدر ما تتبدَّى لنا في الشعور، فكما جاورته في الحياة فهي ستحتضنه بالموت: فتصبح الشجرة التي كانت حيَّة وخضراء في الغابة تابوتاً أسودَ لجنازته بعد أن رافقته في حياته، وبمثل هذا التحوَّل يغدو الرخام مرآة يتجلى فيها تاريخ موته، بعد أن كانت تعكس صوراً مختلفة لسيرته، هذه الأشياء والعناصر التي تدخَّلتْ في تشييد منزله وتأثيثه، هي نفسها في الجوهر أثاث موته. من هنا فما من فرق حاسم بين القبر والبيت أو بينه وبين غرفة النوم حيث: «يوسِّدُني حجرٌ / ويغطِّيني حجرٌ/ وحجرٌ أبيضُ يَروي سِيرتي/ من فم التراب» وإذ يتكرر الحجر بدلالاته اللغوية المتعدِّدة من تُرابٍ ورُخام وصخر، وجدار... إلخ بصورة لافتة في شعر بسَّام، فهل يمكننا أن نقترح دراسة لتلك العلاقة في البنية اللا واعية بين الكنية الشخصية لصاحب «مهن شاقة» وبين الكناية اللغوية للطبيعة: أي ما بين «حجَّار» و«الحجر!»
لعل بسام نفسه استشعر ذلك من قبل، فتوجَّه بخطابه نحو تلك الجمادات بوصفها تجلياً لهوية بشرية، إذ كان قد وصف الجدار بأنه «شخص من الحجارة والكلس تفضحُهُ الرطوبة والشقوق كمنْ يتكلَّمُ في نومه». وإذ تتموَّجُ صُور الأشياء من حوله ما بين عالمي الذاكرة والنسيان، فإنه يلوذ بـ «السهو» و«الغيبوبة» لمخاتلة الذاكرة ورعب المصير، فالغيبوبة عن الوجود تنطوي على حضور «للموتى الأحياء» الذين يقيمون بيننا ونحن ساهون عنهمَ! والواقع أن فكرة «الزومبي» (وفق معتقدات الشعوب القديمة وليس كما تصوُّره سينما الرعب) تحضر بقوَّة في شعر بسَّام بل يمكننا أن نرى أنه عاش مسكوناً بشيء من تلك الفكرة حتى أنه يقترب من وصف نفسه بأنه «ميِّت حي»، فهو يخاطب الساكن في «مزار بجنب الطريق»: «إنّي أتحدّث عنكَ/ كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياء مثلهم». وهو لا يهتمُّ أن يَرَى أكثر مما يُرى: «ولا أبالي ـ حين أنظر ساهياً ـ بي أنا الذي لا يبالي». ذلك أن «الميت الحي» ميت في ذاكرته لكنَّه قادرٌ على التحرّك في الحياة، بما يشبه الغيبوبة. ولعل هذا ما جعل عالم بسَّام الشعري مُستغرقاً في حيزٍ صغيرٍ وقاموس متقشف، والاكتفاء من البلاغة بخطابها، ذلك أنه أصغى كثيراً لبلاغة ظلامه الداخلي، فبسَّام لا يأنس إلى «المحسّنات البديعية» لفظية كانت أم معنوية، بل ينحاز إلى كثافة المعنى المظلم داخله وهو يتموّج خلف كلمات قليلة بسيطة وعادية من قاموس محدود، لكنها مشحونة بالأحاسيس.
فكرة «الزومبي» تحضر بقوَّة في شعره حتى أنه يقترب من وصف نفسه بأنه «ميِّت حي»

ولذلك فإن ثمة خطاباً فصيحاً في شعر بسَّام، ومن هنا تجنبه الواضح للألفاظ والتراكيب المعقَّدة في الجملة اللغوية أو العبارة الشعرية، واهتمامه بالأشياء والأفكار أكثر من الأشخاص، من هنا فإن العزلة الظاهرة في شعره، ناهيك عن طبيعة حياته، ليست مجرَّد عزلة اجتماعية لكنَّها مركَّبة من: الاستغناء والزهد واليأس من المصير الوجودي، ولأنه مزدحمٌ بهذا الإرث الموجع من الأشياء والأفكار، والألم اللا زمني، فقد برعَ في خلق مونولوغ داخلي متعدَّد الأصوات! إذ حتَّم عليه هذا الازدحام الداخلي الملتبس أن يناوبَ بين أصوات متعددة مكتومة داخله مستغنياً كثيراً عن ضجيج الخارج، رغم أنه لم يزهد تماماً في مراقبة هذا الخارج لكن فقط بوصفه صدى يومياً لحركة كونية ووجودية داخله. وهكذا اختار أن يستغرق طويلاً في التأمُّل بكل ما هو عابر وزائل ومؤقت، واستبطانه بديلاً عن أبدية مستحيلة. وهو ما أتاح له أن يصل بتجربته الشعرية في نضوجها إلى قصيدة المرثية Elegy لا بوصفها قصيدة غرض رثائي تقليدي فحسب، بل لأنها قصيدة العزلة والحزن والتأمُّل، فهي وإن بدتْ متجهة، في الظاهر، إلى استذكار راحلين آخرين، إلا أنها قصيدة تأمُّل ذاتي في مرآة موت الآخر متجلياً فيها الموت الذاتي والأسى الشخصي، من هنا مالت تجاربه الأخيرة إلى النبرة الغنائية التي تمنح قصيدة النثر إيقاع الروح القلقة، فتخرجُها من رتابة الإيقاع الخارجي، إلى حرارة الخطاب. وهكذا خرج بسَّام في تجربته الشعرية من الجملة المُوجزة، إلى تداعي العبارة، من «النتفة» إلى «النشيد» ذلك أن مواجهة الأبدية بحاجة إلى نفس طويل في أغنية طويلة. الموت والحياة أيهما «الأغنية الطويلة» يا بسَّام؟ هل تتذكَّر حوارنا في «المستقبل» عن «قصيدة النثر» الطويلة!

* شاعر عراقي