مدركاً أنَّ كنهَ الحداثة «ثورة»، ولا شأن لها - شِعريّاً- بالوزن والقافية والشكل والتفاصيل هينة الشأن، وأنها حُمَّى انفتاحٍ وآليةُ تفكير كذلك؛ كتبَ بسَّام حجَّار قصيدته التي يسعنا وضعها -ووضعه بالطبع- في طليعة جيلٍ يروقني تسميته بـ «جيل الدَّم الثاني»؛ أعني دمَ الحداثةِ الثاني المجدِّد. لقد جمعَ بسَّام حجَّار خلال مسيرته، شاعراً ومترجماً وإنساناً، نوادرَ الخصال في بَني عصره، حيثُ ألَّفَ بين الطبع الرقيق، والروح المتَّقدة بالشغف، والعقل العنيد الذي لا يركنُ إلى الإجابات القريبة، وبين الذوق الصوفي – العرفاني – ذي العفَّة، الذوق الذي نحتَ إنساناً عاليَ الهمَّة ينفُذ عميقاً بشكلٍ نادر، ولا ينتشرُ أفقيّاً بلا طائل كما هو سائد.

بالنسبة إليَّ، اشتبكتُ مع منجز بسَّام حجَّار بمتعةٍ، ووقفتُ مع «معجم الأشواق» مطوَّلاً؛ حتى أنَّني عكفت قبل سنوات على إعداد «حاشية على معجم الأشواق» انسجاماً مع أجواء هذا العمل الفارق برأيي؛ مهداةٍ لروحه الحية، وبالفعل أنجزتُ منها فصولاً لولا أنَّ كسلي يحول بيني وتمامها. على أنني في كلِّ مرة أعود لمنجزه أو لمعجمه أكتشف سمو منزلته، وفيض عاطفته، وكلاهما بعيدٌ عن الزينة والزخرف، ومجردٌ من الحشو. اللّافتُ لي، لم يدخل بسّام حجَّار إلى القصيدة، أو إلى حقل الترجمة بوصفها قرينة إبداعه الأغزر، مدججاً بغير الصدق النادر. ولم يخرج من الحياة محمولاً على غير الفقد الذي قلَّما يتفق لرجل بلا أسلاف وبلا أصنام وبلا انتصارات، كما لم يخض في وحل المعارك الأدبية أو الصحافية الكبرى؛ الرجل – الطفل الذي ألقى الضوء على سريرته ومَشى يلاحق ظلّه فيها. منذ «مشاغل رجل هادئ»، مروراً بـ«فقط لو يدك»، و«مهن القسوة»، و«بضعة أشياء»، وحتى تحفته الروحية - المعجمية الفاصلة بين زمني القصيدة وأزمان المفردة «معجم الأشواق» وما بعد ذلك وما قبله، وبشتَّى ترجماته الفارقة؛ كان بسَّام حجَّار شاعراً ناضج المفردة يحترم قارئه، ومترجماً يفرض على متلقيه رِفعة ذائقته التي لا يُجادَل في أهميتها وقيمتها، كما كان رائياً -لا «يروي كمن يخاف أن يرى» بل يلتمس بعيدَ غاياته بحدس البصيرة وجلاء البصر.
نعم، لقد دخل بسَّام حجَّار في حال صمته، بينما لا يزال صوته حيّاً في «هذا وجهٌ لأنَّها تراه، وهذا قلبٌ لأنَّهُ يُقيمُ في ألمِ انتظارِها»، وكذلك في «لماذا لا ترسُمينَ العالمَ كُلَّهُ؛ لكي يُتاحَ لهُ أن يشبهَ شيئاً»، أو في «الغرفةُ، باستثناءِ قُبلتكِ، خاليةٌ». ولا تزال رقَّته تحضر طاغية في استعادته «لا الألمُ، بل مكانهُ بعدَ أن يزولَ، مكانهُ الذي لهُ: يبقى موجعاً»، وفي «أتبصرُ شرفةً مُضاءةً؟ إنَّها قلبي أيها الغريبُ!». الآنَ، وبعد عشرٍ مضين على رحيل هذا العرفاني الوديع: السَّلام على بسَّام حجَّار الذي زعمَ «أنتِ غائبةٌ. أنا غائبٌ. والأشياءُ غائبةٌ أيضاً»، فلم يغب بعدُ، ولم تغبْ أشياؤه التي تُشهدُنا – وقتَ شئنا – أحوالَ حضورهِ بيننا.

* شاعر وكاتب من العراق