مقتطفات شعرية ونقدية ـــ تقديم واختيار: رشيد وحتي

كتابة بسام حجار كتلة واحدةٌ؛ شعراً، ترجمةً، وتعليقاً عليهما، أي نقداً. كتابةٌ يوحدها الأسلوب والنظرة الوجودية اللذان يجعلان من النص والحياةِ مساراً واحداً. كتابةٌ أساسُها تقشّف معجميّ وبلاغيّ، بل وحتى في حيز المكان، كما لو كانت لوحةً تكعيبية، إذ تجري — إنْ حَقَّ لنا القول بأنَّ في شعر بسام حَدَثاً — في أماكن مغلقة، ممرات، غُرَف نصف مضاءة أو فاترة الضوء، أركان جدران مقشَّرة، حتَّى حَقَّ لصديقه الحميم وأحد الذين عثروا على مفاتيح قراءته، عباس بيضون، أن يُسْمِّيَ شعرَ وشعرية بسام حجار بِـ «شعر البيت». تكاد القصيدة بذلك تكون مغلقةً على نفسها كحالة وجودية وكعبارة ذات نَفَسٍ واحد لا تشوبها شائبة، كأنها كانت في بحث عما أسماه ڤالتر بنيامين بـ«اللغة الصافية»، وما يسميه بسام بـ«نثر النثر». ذلك أن كتابتَه عابرة للأنواع والأشكال الأدبية، بحيث تنتفي الحدود بين الشعر والنثر، وعليه تُشَكِّلُ الاقتباسات الاستهلالية لنصوص الشاعر مفتاحاً أساسياً من مفاتيح قراءته، فغالبيتها مأخوذة من الكتب المقدسة (أناجيل، قرآن) أو من التراث النثري/ الصوفي/ السردي العربي، وهي بالذات روافد حاولت، أسلوباً ووجوداً، نفي ثنائيات النظم/ النثر، الأثر الفني/ الحياة، اللغة العالية/ العادية.. بهذا الحِسِّ، ولأن بسام حجار كتابة لا تتجزأ، قمنا، ها هنا، بانتخاب نصوص من جميع مجموعاته الشعرية، وضعنا على رأسها شذرات نقدية/ نظرية تُكَثِّفُ رؤية الشاعر للشعر، للقصيدة، لماهية حرفته في الكتابة؛ يليها مقال نقدي له حول تلقي الشعر عربياً. يحتفي ملحق «كلمات» في هذا الملف بالذكرى العاشرة لرحيل بسام حجار، وبمناسبة إصدار منشورات «الرافدين/تكوين» لأعماله الشعرية الكاملة، الذي شَكَّلَ أهم حدث على مستوى النشر خلال المرور من السنة الماضية إلى السنة الحالية. لا يفوتنا، هنا، أن نشكر السيد محمد هادي، مدير «دار الرافدين»، الذي وضع رهن إشارتنا المادة الخام لقصائد بسام حجار، التي سهلت علينا استخراج منتخبات شعرية منها.



«كلّ الأشياء الّتي أراها، سوف تحيا من بعدي» (أنّا أخماتوفا)

«مشاغل رجل هادئ جدّاً ــ 1980
فانتازيا

1. ينهض القلب بأعباء القلب/ كبغال المهرّبين.
2. يدك على صدري/ ماذا تقول الأصابع؟/ تنحني على تعبي/ كجارية.
3. أطرق باباً/ أشحذ تفاصيل نومك كالغرباء.
4. أحبّك/ وأحبّك أيضاً.
5. يدك مرة أخيرة./ أعاشر أسنانك البيضاء سيدة الحمائم.
6. لم يبق لي غير أحزاني البلاستيكية.
7. يستطيل صوته كالهراوة/ فقط حين يحزن/ أعني: دائماً يحزن..
8. غداً سأحاول أن أحبّ وجهي/ في المرآة.
9. كلّما أحببتكم تزدادون موتاً/ ربّما/ لأنّ محبتي غراب.
10. لن أكتب لكم،/ لأنّ أصابعي القليلة/ تنام،/ ضجراً،/ في شعري المتسخ.
11. من يقرع طبول الصدغين/ أنا/ والشرطي/ يتخاصمان محبتي.
12. هذه هي المرة الأخيرة الّتي أكتب فيها/ أنّ حزني طويل كشارع مقفر./ المرة القادمة،/ ستكون الأخيرة أيضاً،/ أنّ حزني طويل..


«لأرْوي كمنْ يخاف أن يرى» ــــ 1985
1. المائدة

نضع قلوبنا على الطّاولة
عنْدما
نأْتي في العزلة
كالخطايا.
■ ■ ■
نغيب في ساعة من الضّحك
والأفكار
كأنّ فكْرة البيت تصنع المساء
كأنّ فكْرة الملح تصنع
الْمائدة.

2. الأخطاء
كم جسداً لك في الخزانة.
كم ضحكة في الْأدراج
■ ■ ■
ما الّذي يجعل نومك
هادئاً
مثْل تفّاحة
تنْهضين
يطْلع الصّباح من السّرير.

3. الرّواق
عندما أتى المساء الصّديق
وجلس أمامي يدخّن غليونه الكبير
لمْ أقل شيئاً.

كانت الجدران تحدّث نفسها
عن التّعب والْوقت
والْغرفة الباردة.
كان الرّواق يتثاءب من فمه
الْمربّع.

«ظلال الليل» لإدوارد هوبر (نقش على ورق منسوج عام 1921 ــ طبعت منها 500 نسخة عام 1924)


4. التّمْثال
لم تكن الْأمكنة مريحة
لذلك لمْ يدْخل من الباب الأماميّ،
لم يشرب النّخب الأوّل
والنّخب الأخير،
كان يسير إلى زاوية ضيّقة،
يصل كأنّه لم يغادر
كان ساهماً.

التّمثال
في اللّيلة الماضيّة.

5. جدار
شخص
من الحجارة والكلس
تفضحه الرّطوبة
والشّقوق
كمن يتكلّم في نومه.

6. الساعة الفارغة
لا رداء يمنع الغفوة والظّلال
ينتظرك صمت
والشّموع على المائدة
أعمق من بحر.

هل يكفي أن تحبّهم
لكي لا تتْبعك
أرواحهم كالمصابيح؟

لم يعد وقت في ساعة الحائط
لا ثمر ينضج
لا شيء يموت.

«فقط لو يدك» ـــــ 1990

1. قدمك العارية
قدمك الصغيرة العارية
تستأْنف الألفة بين الغرف
في وحشة الممرّ الطويل

قدمك الناصعة
مثْل أوّل الصداقة

«الـ11 صباحاً» لإدوارد هوبر (زيت على كانفاس ــ 71.3×91.6 ـــ 1926)


2. نجلس على الحافّة القريبة لألفتنا ونفكّر [مقطع]
[إلى عبّاس بيضون]

وأذكر
أنّني، ملْتصقاً بك،
كنْت أسير لكي أعطيك رسالتي الأخيرة
أنّك، ملتصقة بي،
كنْت تبحثين عنيّ،
لكيْ تجدي أنيّ على الكرسيّ
ما زلت
أنْتظر أن يجدني أحد.

3. غرفة الْخادمات
جدْران متقابلة في مساحة مسْتطيلة وضيّقة. طاولة وكرْسيّ وسرير. لوهْلة تظنّ أنّ كلّ شيْء هنا؟ الرّطوبة بمقْدار ما تحْتمل والضّجر أيضاً. لكي تشغل نفسك ترتّب السّرير، تدْفع الْكرْسيّ في اتّجاه الطاّولة. تفْتح كتاباً وتتْركه، بمفْرده، هناك. تصنع لنفسك قهوة. ويبقى لك في اللحظات المقبلة، حين تضجر، أن تصنع لنفسك القهوة مرّة ثانية. إذ لا شيء يمنعك من استخدام الوقت كما تشاء. فالأشياء جيّدة هنا. والْوقْت أكْثر مما تظنّ. لكنّ الناّفذة ليست هنا. أعني ليست على هذا الجدار أو على الجدار المقابل. ليست على الإطلاق.
غداً سأخبر العجوز جارتي أنّني في حاجة لنافذتي. وأنّني بدل الكوّة التي في السّقف، أريد نافذة ودرفتين وأصاً للنّبات، وربّما سحابة وطرف مبنى مقابل وعابرين بثياب الشّتاء الداكنة.

«صحبة الظلال» ــ 1992

1. الحشد مرّة ثانية
لو يستطيع هؤلاء، أعني كلّهم: أصدقائي وأعدائي، أولادي وهيئات الصيانة والخدمات، نساء البرّ ورجالات الدّموع، شاحنات المؤن والأكياس والأوراق الصحيّة.. لو يستطيع هؤلاء أن يبتعدوا قليلاً، أشعر أنّني وحدي وأنّ صدري يضيق. ويصعب عليّ أن أتنفّس. لا أدري ماذا يحدث في الأمكنة التي أعرفها وتلك التي لا أعرفها. سأطلب من أصدقاء لي أن يرفعوا عن صدري هذه الحشود. سأطلب منهم أن يقتلوني، أو أن نسكر معاً حتى السنة القابلة.

2- وصف لرجل ممدّد على الأرض
كنت ممدّداً على البلاط. طرف الكنبة (أو حافة السرير) مرتّب وخال. كرسيّ شاغر واحد في وسط الغرفة. كوب فارغ على الطاولة الصغيرة. علبة سكائر فارغة. عدد من صحيفة الأمس مطويّ وموضوع على الطرف. لم تكن تبتسم. كنت بارداً وشاحباً كأنّك نزفت كميّة كبيرة من الوقت.
كنت ممدّداً والنافذة وراءك وأمامك الحائط وإلى جانبه الباب. كانت الغرفة مضاءة. منظر طبيعة صامتة.

«مهن القسوة» ــــ 1993

1. الألم
«لا ليس أنا، إنّه غيري من يتألّم.
مثل هذا الألم ما كان في طاقتي واحْتمالي».
(آنّا أخْماتوفا)

2. الألم
إبرة تسحب الخيط
بين التّخاريم
أصابع توْمئ
ويد تقلّد ظلّها
على الجدار.

لا الرشاقة
بل الْألم.

3. الْألم
ما لا يقال
إلّا
همْساً،

لا الألم،
بل مكانه بعد أن يزول،
مكانه الّذي له
يبقى موجعاً
لشدّة ما يزول.

4. تشبيه
السروة أيْضاً
هي
الوحشة

مثلما
الحصاة
هي الصّمت.

تشبيه فحسب.

«مجرّد تعب» ــــ 1993

- سوف تحيا من بعدي
أغْبطك نعمة الخشب، نعمة النسيان، أيها الباب.
سوف تحيا من بعدي.
وسوف تسألك الأيدي، برقّة الأيدي وأنّاتها، عن الرّجل الّذي أغوته فراشة العزلات، في الدّاخل، وأغواه الصّمت الذي هو عبارة الغياب، والتّنفّس الأعمق لروح الأمكنة الشّاغرة.
أغبطك نعمة الحجر، نعمة الصّمت، أيّها المكان.
سوف تحيا من بعدي.
وسوف تسألك عيون العابرين، برقّة العيون وحيرتها، عن الرّجل الذي كان هنا لا يزال، قبل أن تهتدي إليه أطياف العابرين وتصحبه، في موكب الصّمت، إلى المكان البعيد. وسوف تراك عيون العابرين مقيماً على صدى الضّواحي، بين وعر وأشْواك، وتمرّ بك الأطياف كأنّك، أيّها المكان، ما كنْت يوماً إلّا لهف الرجل الذي كان هنا، حين يعود إليك بعد ترحال الأماسي، بعد أسفار الظّنون.
أغبطك نعمة الصّبر، نعمة أنْ تمْكث غفْلاً، أيّها المشجب.
سوف تحيا من بعدي. والقبّعة العتيقة، وفرْوها الْمسنّ والمعطف الذي لا يزال يكنز رائحة الشّتاء. لن تحمل عصاه بعد اليوم، ولا سترته المتعبة. وسوف تقف في الرّكن بين العتبة وباب الرّدهة. ولنْ يأْتي زوّار اللّيْل. ولنْ يأْتي زوّار الصّباح، ولنْ ينْتبه أحد إلى عنادك الْبنّي الداكن، إلى حضورك النحيل الذي يضاعف الشّغور من حولك.
سوف تحيا من بعدي. وسوف تحيا الأشياء ولا يزول منها إلّا العرض الذي رأتْه عينا الرّجل الذي كان لا يزال، العرض الذي أقامت فيه أعواماً هي الأعمار كلّها. وسوف يحيا الهواء من بعدي. والسكون الذي ينام في قلب الشجرة. والشجرة التي تنقّل ظلّها كالملك الخاسر. وسوف يحيا الكلب الجاثم فوق حرّ الظّهيرة والحصان الّذي يجرّ العربة وحوذيّها الضّرير، والسّلحفاة والضّفدع. والغراب والدّوري والهدهد. وسوف يحيا الوقت العاثر، والْأرملة والموظّف والشّاعر وصانع العجلات، وسوف يحيا الرجل الذي كان هنا ولا يزال، من بعدي. ومرّة في كلّ عام، في 13 آبْ 1955، يتْرك باقة من الزّنبق فوق الحجر الْأملس لوحشتي. ومرّة في كلّ عام، يشرب كأْساً لذكراي قبْل أن تزول. أغْبطك نعمة الزّوال، نعمة التّلاشي، أيّها الضّوْء.
سوف تحيا من بعْدي.
وسوف تنير النافذة بوهج من الأصباح التي لن يراها الرجل الذي كان هنا لا يزال، قبل أن يدركه شغف العتمة إذا أعتمت النّوافذ مثل قلبه، وإذا أعتم كمثل ما تعتم عينان كئيبتان. وسوف تنير الغرفة التي لن أكون فيها. والكرسي الخالي من جسمي القليل، والسّرير الخلو من أرقي، والورقة الّتي لم تكتب عليها قصيدتي، والوجنة التي لم أقبّلها هذا الصّباح، واليد التي لم أصافح، والألم الّذي ما اعتراني لأنّه جاء ولم يجدني، وسوف تحيا من بعدي.
أغبطك الألم، نعمة الْألم، أيّها الرجل الذي كان هنا لا يزال.
سوف تحيا من بعدي.
وذات صباح، في 13 آب 1955، سوف تجمع كلّ هذه الأوراق وتشعل النّار فيها. وبعد تفكير طويل، وبعد سير طويل بين النّواحي، سوف تعرّج على الرّخام الأملس المصلّي لنومي وتصنع باقة من الزّنبق العاجيّ. وتمكث هنيهة حائر اليدين، زائغ النّظرات، مرتبكاً.
أغبطك وفاءك، نعمة الوفاء، أيّها الرّجل الّذي كان هنا لا يزال.
مرّة في كلّ عام تأتي إليّ لتزور قبرك.

«معجم الأشواق» ـــ 1994

- مطهر العاشقين
وما شيء من دواهي الدّنيا يعْدل الافْتراق. ولو سالت الأرواح به فضْلاً عن الدّموع كان قليلاً. (ابن حزم الأندلسي)
لا يكون لقاء بيْن المحبّين إلّا جمعاً وانفراداً في وقت معاً. ولا يكون إلّا استئناف حال. كأنّ الوقت إذ لا يستقيم وقت إن خلا متّسعه منْ رفْقة المحْبوب — يتّصل بعْد انْقطاع وهنة. فالموْعد الغراميّ (والموْعد لغة هو عدة ووعْد) أمارة على أنْ ينيله المحْبوب نفْسه الّتي مكثتْ، فتْرة الانْقطاع، موزّعة على ما يشبه مطْهر العيْش. ويكون مطْهراً كلّ عيْش خلو من رفقة المحبوب. أما اللّقاء فهو تمام الرّجاء في أنْ يلْتمّ شمْل منْ باعد الافْتراق بيْنهما. فاللّقاء جمْع إذْ ينال المحبّ نفسه بعد غربة، وهو جمع لأنّه يقيم للوقت اتّصالاً، ويستأنف الصّلة بين المحبّين.
سوى أنّ اللّقاء انفراد في غمرة اجتماع ووسط جمع. ومردّ انفراد المحبَّين أنّهما على اجتماع شملهما ينصرفان عن كلّ ما عداهما. ويقيمان الصلة وسط الجمع على «إدمان النّظر» أو بالملاقاة ولو بغير التّمام، أي بالمماسّة، وبالعلامات الأخرى التي تفصح دونما تسمية كالبهت والرّوعة البادية أو حتّى في احْتسائهما شراباً، «شرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء» (ابن حزم الأندلسي). أمّا إذا انتحى المحبان ركناً لهما، صار لقاؤهما جمعاً لانفرادين وعزلتين. فما ازداد الدنوّ يوماً إلا ازداد معه الولوع. والولع حال من علق الآخر بشدّة فلا يرضى الملاقاة بينهما إلا بالتّمام. والملاقاة بالتمام هي المداخلة، ومن بعض معانيها: الاحتضان والالتفاف والاشتمال والاكتناف والملابسة والمخالطة والتخلّل. ومنْتهى ما تصْبو إليه الاطمئنان إلى دوام حضور الآخر والتزامه (أي أنْ يلْزم حضوره حضور الآخر)، ولا سبيل إلى مثْل دوام هذا التحقّق إلّا بالمعانقة.
في عزلة المحبّين وانْفرادهما لا حاجة بهما للتّضْمين (إدمان النّظر والبهت والرّوعة البادية.. إلخ) عبْر علامات تستبعد كلّ ما عداهما وتقصيه عن كنف لقائهما. كما تزول الحاجة إلى تأكيد الصّلة بالعبارة إذ تبطل الرّغبة في الإدْراك تأوّلاً أو تصوّراً وتفكّراً. فيعانق المحبّ المحبّ أي يجعل يديه على عنقه ويضمّه إلى نفسه. وإذ يضمّه إلى نفسه يحضنه إليه، ويحضنه عن السّوى، أيّ ينحّيه عن أيّ صلة بالسّوى ويسْتبدّ به دونه. فالاحتضان، وهو المعانقة إذْ تدوم، طرْد للعناقة (الخيبة) والعناق (الشدّة، الدّاهية) واسترسال في طلب الوصل دونما شهوة. فالحضن هو الكنف من الإنسان، وإذ يكنف المحبّ المحبّ يصونه ويحْفظه ويحوطه ويكون منه يمنة ويسرة، فيجتمع لديه وفي كنفه، كأنّه يطيل أمد مخالطة الحواسّ وملابستها، وتخلّل الرقة في تبادل صامت للرغبة والدفء.
لا شيء في صلة المحبّين يولّد إحْساساً بالعزلة مثل المعانقة. إذ يستحيل كلّ لقاء إرجاء للحظة الوداع الوشيكة. هو افتراق مرجأ، أمده أمد اللّقاء، لذلك لا يني المحبّ، في حواره غير الموصول، يصف ما تكون عليه حاله في غياب المحبّ. فاللّقاء ليس سانحة أن يقول العاشق: هذه حالي عندما أكون برفقتك. بل سانحة أن يقول: هذه حالي عندما لا أكون برفقتك. وما يتّصل في حوار العاشق هو شجن الفقدان والبين والضنى والسلوّ فيقيم اللقاء على ذكر ما انقضى من حال الافتراق والمقبل منه، ويقيم رغبته على دوام الحرمان والنأي والألم. ولا استدراك ممكناً للوداع الوشيك، إلّا أن يحاكى مشهد الوداع متواصلاً بالعناق.
ليس من سويّة العقل ومنطقه أن يدفع الغياب بالغياب. فالعقلاء مدركون، والعاشقون سواهم.

«حكاية الرّجل الذي أحبّ الكناري» ــــ 1996
جلس قبالتي على الكرْسيّ وحدّق في وجهي.
لم يقل شيئاً.
■ ■ ■
قال لي: وجْهك متْعب. إنْ بكيْت أطْلقْت روحها من قلبك. أطْلقت روحها من عيْنيك.
وقال لي: ابْك، لكي تجلو عن عينيك مياه الغرق.
وقال لي: أراك طفلاً في الأربعين.
■ ■ ■
قال لها: أحضري لي قهوتي البيضاء ووعاء ماء ساخن وكثيراً من الملح.
قال لها: أضيئي الغرفة والرّواق وعتبة الباب.
ربّما جاؤوا واللّيل ليل.
وقال: ربّما جاؤوا.

«كتاب الرمل» ــــ 1999

- المعْجم (متبوعاً بالفهرس) في اثنتي عشرة مفردة
مفْردة: هي الحصاة التي توضع على مفترق أو درب في اتّساع لا درب فيه.
هي اللّفظ والمعنى وتقديرهما في مسكة الكلام وفي سياقه.
هي اللامعنى إن انفردت على مساحة بياض.
والمعنى إن اجتمعت في عبارة، مهما ضاقت العبارة؛ وفي سطر؛ وفي جزء. كتاب في مطلعه وعلى مشارف الختام.
■ ■ ■
غريب: من يرى شخْصه مبتعداً عنه، مطرقاً، محنيّ الرأس والكتفين.
وأمامه الطريق لا تفضي.
من يعرف الطريق جيداً ولا يعرف المقصد على الإطلاق.
■ ■ ■
درب: إن سلكتها لم تصلْ؛
إن خطّها سيْرك لم تصل؛
مجرّد وهم بصري. وفكرة.
مجرّد فكرة هي الدّرب.
■ ■ ■
حكاية: ما ترويه وتصدّق أنّه حقيقة
سيرتك الموزّعة على المفترقات.
حياتك التي يرويها رواة مختلفون ثمّ يجمعها الكتاب.
حياتك في الكتاب
■ ■ ■
ظلّ: غريب مثلك؛
وقد يكون معطف أبي
معلّقاً على المشجب؛
جسداً أقام... خارج العتبة؛
ظاهراً لا باطن له؛
تشبيه الغفل بالغفل،
مثلك غريب مثلي.
■ ■ ■
أبي: السرير من دونه.
الرّواق من دونه.
الكرسي الشاغر على الشّرفة.
■ ■ ■
صحراء: ما لا يوجد في الفهارس جميعاً.
ربّما فقط،
في قلب امرأة وحيدة،
في قلب رجل وحيد؛
■ ■ ■
رمْل: (انظر كتابه)
■ ■ ■
بئر: عينا ميت ترمقاني.
■ ■ ■
أثر: مدوّنة الرياح على صفحة الرّمل.
كمثْل شخص الخرافة يقيم في الشّفاهة والتّجوال والبدد.
زوال يعْتلمه حجر.
ليس هو المكان بل غيابه الآسر.
■ ■ ■
كتاب: تكرار العلامة في سطور؛ وتكرار السطور في ورقة وتكرار الأوراق في جزء.. إلخ
والعلامة أثر.
والأثر تكرار الزوال.
■ ■ ■
معْجم: ثبت بجملة المفردات وهي لغة المؤلف التي جعلت هذا الكتاب غير ممكن.
ثبت بما يسكت عنه.

«ألبوم العائلة» ـــ 2003

طرف مائدة
أطباق وكؤوس ما زالت نظيفة
أشخاص أعرفهم جيّداً
عند الزّاوية اليسرى، على الطّاولة
علبة تبْغ معدنيّة وقدّاحة من فضّة مطرقة قديمة
على العلبة مبسم سيكارة عاجيّ
وكرسيّ شاغر
كانوا في غيابه
ريْثما يعود
■ ■ ■
لمْ تغطّ المرايا
بأغطية بيض
عند رحيله

خشية ألّا ترْحل معه، قالوا

خشية أن يضلّ الطّريق، قالتْ

«تفسير الرّخام» ـــ 2006

مكان
ليس
هو المكان،

(رخام منير
مثل ضوء

ضوء معْتم
مثل الرّخام)

وكان أبي يبصره
في نومه،
فيبْسطه
— إذا استيقظ —
كما تبْسط الكفّ

ويفسّره
كما يفسّر المنام