( إلى فرانكا خيلاء البرق)


الأصدقاء، الرفاق، سحب. الأصدقاء سحب كالورق الأبيض لا يعلقون على صدورهم علامات ما قبل الموت. حين يتعثرون بالموت تحملهم الرياح، كما تحمل السحب، إلى آخر الأرض، حيث لا شيء يحرض الخوف أو الذعر. لا علاقة للكتابة عن الموت بالوشاية لأنّ الكتابة عن الموت كتابة بالإرتعاشات عمن خرجوا من المماطلات الكبرى في الحياة إلى ما هو مقدر. الأحوال سيئة، حين تسحق الحياة الأصدقاء كما يسحق البنّ. ترقص حبات البن كالبهلوانات، ثم تموت مسحوقة كما تنسحق الناس على صفحات الآلهة. الألم يكبر في غياب أدعية الفلكيين. رحل الرفاق والرفيقات بلا قمصان، آخرهم مي منسى وزياد أبو عبسي. ينشف الريق اليوم، بغياب سهام ناصر. غياب بمذاق، غياب بطعم السفرجل. لم تدخل الشرسة هذه في ما أزمع الآخرون على الدخول فيه. أو دخلوه. لم تغوِ سوى المجاهل في المسرح لكي تسقي أثلامه بالأسئلة الكبرى، لكي تسقيها بالقلق الخاص والهواجس الأقرب إلى أمهات لم يعدن يرين سوى أولادهن بالجحيم. هذه الامرأة وفية للمسرح كوفاء الجوع للإنسان. لا سهل عندها. لا شيء سوى القدح. ولأنها قادحة لا تريق العدم على المنصات وهبت كل الطلاءات للمسرح عنقود عنبها وكهف الآخرين الجاف. لم يردعها شيء عن الكتابة للمسرح وعلى المسرح إلا الحيرة أمام التخمينات الكبرى، لا العفاف المارق أو السهولة المعلقة على المشاجب، تنتظر اللحظات المناسبة حتى تنقضّ على الطباع كلها.


لم تقع سهام ناصر في أسف المسرح لأنها لم تزن سوى كل ما هو نقي بعيداً من العظات. هكذا، شاجرت نفسها بدون أن تشاجر الآخرين. هكذا، ذهبت بعيداً في الجمالات المتهورة، لكي تصل إلى الجمالات غير المتهورة. مسرحياتها أقل من مسرحيات كل المتزاحمين على عالم المسرح بسيمياءات الأبعاد المثلومة. لم تلعب سهام ناصر إلا على شجر المسرح. لا صباحات محبطة عندها، لا مسرحيات محبطة عندها. كل مسرحية حدث. لأن المسرح عند سهام ناصر مسرح ضد العماء. مسرحيات عديدة، مسرحيات أبدية. «الجيب السري» تحفتها. مسرحية جمع بين الزبيب والبنفسج. مسرحية تنمنم المشاهد على درجات من المآزق المحلية. الكثير من بيسكاتور في مسرحية «الجيب السري». غير أن لا وسيط مباشراً بين المسرحية ومنهج بيسكاتور. مسرح سياسي. في كل الأحوال، المسرح في لبنان مسرح سياسي. لا فن للفن. هذا جزء من عقل العقل. المنصة معمل: هذا من رجل المسرح الكبير. التربية لا التعليم. التربية الأخلاقية. مسرح ضد الأيديولوجيا السائدة وضد إعادة إنتاج السائد. مسرح مجالد ومسرح مجالدين. مسرح ضد التعبيرية. هذا مسرح سهام ناصر. لأنه مسرح أنموذج عند طبقة الناس العاملين فيه، مسرح طبقتهم الاجتماعية.
الإنسان في مسرح سهام ناصر، في «الجيب السري» ذو بعد تاريخي وثقافي، بإظهار الناس كجماعة لا كمجموع. هكذا، علقت سهام ناصر ممثلي المسرحية على درفات رفعت على المنصة، درفات كالقضمات، غير أنها تجمع الناس بعيداً من غطرسة من لا تعنيهم الطبقة هذه. تعرض إلى أقدار الناس وقدر العصر نفسه. مواطنون عاديون على المنصة يرفعون آدميتهم فوق كل اعتبار، من أجل حياة حرة وكريمة لتحقق حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. «الجيب السري» مسرحية امرأة سيافة تنوِّر وتشتغل على تعبئة الناس لاتخاذ موقف من القضايا الصغرى والكبرى. المسرح برلمان عند بيسكاتور. الشعب في المسرح، المتفرجون، هيئة تشريعية. المسرح عند سهام ناصر هو المسرح عند بيسكاتور، إذ تجرأت على إبرام اتفاق مع هذا المسرحي غير المتضرع للحلول وهو يقود مسرحه فوق الغمام المالح والماء المالح والكلام المالح والجماليات المالحة.
لا تلفيق صور ولا تلفيق مشاهد في المسرحية هذه. مسرحية قلادة، لم تستطع سهام ناصر أن تصنع مثلها، لأنّ الصناعة في هذه الحالات تقليد. لم تقلد هذه المرأة الشرسة أحداً، لم تقلد نفسها. أنجزت قفلاً من الماء وضعتها على بوابة «الجيب السري« بعيداً من التخمينات وقريباً من التأويلات. اتفقت المسرحية مع دم المسرحية. اتفقت «الجيب السري» مع دم سهام ناصر. هذا منعطف الأصل عندها. هذا عناق النار للنار. ولأنها تخشى السقوط في مكائد المسرح، ذهبت ناصر إلى أبديتها الثانية، بعدما رصد العالم العربي ابتكارات المجد بالمسرحية. تنقلت المسرحية على المهرجانات العربية كما يتنقل رغيف ساخن بين أيدي الفقراء. «الجيب السري» حياة كاملة عند المسرحية ذات الحياة الناقصة. مسرحية أمّ على كثرة الآباء في المسرح. قلة الأمهات.
في المسرحية الثانية «ميديا... ميديا»، شغل على هبوب اللسان فوق كروم المسرح. الانتقالات بين المسرحيتين كشفت الاشتغال على القناع/ النهر في ميديا. لكل مسرحية مدينة. مدينة لا كالأخرى. «ميديا» تعود بالمشاهد إلى رحم الديانات القديمة في المسرح، المؤالفة بين العناصر الفنية لحاقاً بجياد المسرح. مسرحية بنشيد عاشق والأخرى اقتطعت من جذور المسرح اليوناني لتهرب من إطناباته قبل أن تقع فيه. «ميديا» مسرحية شبكات الضرورة في حياة المسرح غير «الجيب السري» مسرحية ضد الإرث العقلي للمسرح. هكذا، خرجت «الجيب السري» من قلق الهندسة في المسرح، حين راوحت «ميديا» أمام الأحكام الأنيقة. «الجيب» نحت خالص، «ميديا» ذات شاربين مبللين بروح أسخيليوس وأريستوفان وسوفوكل ويوروبيدس. خطوة إلى الوراء. لا خطوات إلى الوراء مع سهام ناصر. خطوة إلى الوراء لأنها بدأت على رحاب القمم. من يقف على الرحاب وعلى القمم وعلى رحاب القمم، يقف في الآن ذاته على هاويات الأعالي. المسرحية ذات الحضور السفاح رمت المسرحيات الأخرى في الحدائق المعتدلة أكثر مما رمتها في نظم الموت. جواد يرمح، جواد لا يزال يرمح. لعبت المسرحية ذات الحضور السفاح بالكثير من المهرجانات العربية. حازت جوائز. لعبت بأوروبا. لعبت في أنغولان باللغة الفرنسية.
الإنسان في مسرحية «الجيب السري» ذو بعد تاريخي وثقافي


المسرحيات الأخرى، بعد المسرحيتين، مسرحيات تعديل سياقات من دواخل السياقات. الأنفاس، الأجساد، الارتعاشات. مسرحيات نصف مطهوة إذا ما تمت مقارنتها بـ«الجيب السري». «جاز» الضفة الأخرى من «الجريمة والعقاب» و«الجدار». لا يعرق الماء، غير أن الماء عرق في هاتين المسرحيتين. مسرحيتا تخطيط، ما استطاعتا أن تجتاحا المضائق القديمة ولا أن ترسما مضائق جديدة لترسو بها. وقع الحريق في «الجيب السري» وانتهى الأمر. لا انكسار ولا عقيق في المسرحيات الأخرى، غير أن هذه المرأة المرحة بالمشادات بين الإنسان ومواثيقه وبين الإنسان والمسرح، معلمة بغير أقسام النكبات. إذ علمت أجيالاً بدون الرضوخ للوعود المرهقة بكتابة مسرحية أخرى على الطريق الآخر. «الجيب السري» بأفراس كثيرة. المسرحيات الأخرى مسرحية حصانين أو ثلاثة. الأهم أنّ هذه المرأة لم تنفق يوماً إلا على المسرح، لا على انتظار المديح، لأنها أقسمت على أن تقفز فوق حظوة اليأس إلى بحر المسرح. لا قبر في مسرح سهام ناصر إلا قبرها. إنها الآن تخولط بين الحياة والموت على القوس المرتفع بين الحياة والموت، وهي تنظر إلى ما أنجزته بأقدم العافية. قنديل بحر في البحر أو عصفور في السماء. لا فرق. إنها الآن تنتظر دخول المدينة الأخيرة فوق الأسوار السماوية، تلوح بيدين مصنوعتين من ماء الورد والكثير من آلام الحياة. سهام ناصر طوت حياتها، كما يطوي قبضاي مطواته. ثدي مرضع للمسرح جف حليبه.