الغناء الرومانتيكي عموماً يرتبط غالباً بتغيّر الظروف السياسية والاجتماعية للدول حين تنتقل من مرحلة إلى أخرى. عنصر النوستالجيا الذي يطغى عليه، لا يلبي فقط الحاجة إلى استكمال بناء الحالة الفنية أو التعبيرية لهذا النوع من الغناء، بل يكون عادةً نتاج افتقاد المجتمعات لحالة الاستقرار، وما يرافقها من اندثار لأنماط حياة كاملة. ثمة ارتباط عضوي هنا بين البيئة والنتاج الفني أو الأدبي الذي يصدر عنها، وأي تغيّر يطرأ عليها سينعكس بالضرورة على الحالة الإبداعية، سواء لجهة الموضوعات والتيمات، أو لناحية الأشكال الفنية المعبرة عنها. هذه الأمور تحدث دائماً، وغالباً ما تسبّب طفرات فنية، لا يكون فيها اندثار حالة إبداعية وولادة أخرى أمراً إشكالياً، لكون الفن عموماً هو هذه الحالة من التجدّد والانتقال من مضمون إلى آخر، ومن شكل فني إلى آخر. ينطبق هذا الأمر على معظم الدول والمجتمعات التي حصلت فيها نزاعات أو حروب أو حتى حالات احتجاج عنيفة على النظام السياسي، ومن ضمنها بعض الدول العربية التي شهدت في العقود الماضية حروباً نالت من استقرارها السياسي، وأفضت إلى إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية لمجتمعاتها. التجربة اللبنانية هي الأهمّ على هذا الصعيد، لكونها شهدت انهياراً شبه تام للدولة والمجتمع في مرحلة لم يكن فيها ثمة انهيارات مماثلة في الدول العربية الأخرى، وفي حقبة كان الفن اللبناني فيها قد تطوّر إلى حدّ كبير، ووصل هذا التطوُّر إلى درجة صياغة هوية كاملة أو ثانية للبلد.


الرومانتيكية بديلاً من أغنية المكان
لم تكن الرومانتيكية في الغناء اللبناني امتداداً فقط لتيار عالمي وجد في هذا الإطار الفني طريقته للتعبير عن الحب، بل كانت أيضاً نتاج البحث عن هوية فنية بعد اندلاع الحرب وإتيانها على الأشكال الفنية والتعبيرية السابقة. الغناء قبل الحرب لم يكن يحمل هذا النزوع الرومانتيكي العميق لأنّ موضوعاته كانت تعبّر عن بيئة موجودة لها مفرداتها ومنطوقها الكامل. حين يحمل الغناء سمات بيئته ويسهم في صياغتها، لا يكون بحاجة إلى البحث عن مفردات جديدة غير موجودة فيها. الرومانسية التي يحملها هذا النوع من الغناء ليست من النوع الذي يحتاج إلى إعادة تعريف. وهي لذلك تبدو مرتبطة بفكرة المكان (الوطن أو الأرض) أكثر منها بالشكل التعبيري نفسه. من هنا، إن المقارنة بين بعض أغنيات فيروز التي يمكن اعتبارها رومانتيكية، والأغنيات التي أتت بعد الحرب تعبيراً عن الرومانتيكية كإطار فني متكامل، لن تكون - معيارياً - في مصلحة أيٍّ منهما، على اعتبار أن كلّ واحدة من الاثنتين تحمل سمات المرحلة التي يتطور الفن عبرها.

سمير حنا


الرحابنة لم يكونوا في الخمسينيات والستينيات يبحثون عن وطن، وطنهم كان موجوداً، ولكن ليس بالشكل الذي يريدونه أو يحلمون به. لذلك، بدت أغنيتهم أقرَب إلى معاودة صياغته عبر النوستالجيا. الحنين هنا مجرّد إطار فني للتعبير عن واقع قائم وموجود، بخلاف النوستالجيا التي عبرت عنها الأغنية الرومانتيكية بعد الحرب، والتي لم تكن فقط مجرّد إطار، بل كانت بمثابة بحث عن هوية لم تعد موجودة. الضيعة التي غنى لها عازار حبيب أغنيته المعروفة «يا رايح عضيعتنا» ليست ضيعة الرحابنة وفيروز، أو حتى زكي ناصيف وصباح، بل هي ضيعة ما بعد الحرب التي اندثرت أو هُجِّر أهلها، وأصبح التعبير عنها مرتبطاً بالبحث عن هوية للأغنية نفسها بعد فقدانها هويتها السابقة. الافتقار إلى البيئة وموضوعاتها الأثيرة بدءاً من الريف ومروراً بعلاقته بالمدينة وليس انتهاءً بتيمات المدينة نفسها، استُعيض عنه بالتعبير عن الحب غير المرتبط بمكان كإطار شبه وحيد للغناء. حين يكون ثمّة بيئة أو مكان يجري التعبير في إطاره، لا يتضاعف أثر النوستالجيا وتبقى الحالة التعبيرية منضبطة بمحدِّدات واضحة، وهي حال معظم أغنيات فيروز الرومانسية. لكن اندثار البيئة أو هجرة أهلها واغترابهم تجعل من النوستالجيا كلّ شيء في الغناء، وبالتالي يتحوّل التعبير عنها إلى حالة شبه منفصلة عن محيطها. معظم أغنيات السبعينيات والثمانينيات تندرج في هذا الإطار، وهو ما يفسّر سبب رواجها لدى الجيل الذي عاش الحرب، وشهد على التحوُّل الذي أحدثته ليس فقط في المجتمع، بل أيضاً في أنماط التعبير الفني عنه.

جيل عازار حبيب وسمير يزبك
أبرز وجوه تلك المرحلة والأكثر تعبيراً في غنائه عن النزوع الرومانتيكي المكتمل، عازار حبيب. الأغنية معه مثل جلّ نتاج السبعينيات، لم ترتبط بمكان محدّد، وتميّزت على الصعيد الشعري (وهنا يبرز دور الشاعر الراحل الياس ناصر في صياغة ملامح تلك المرحلة فنياً) برفع الحب كموضوع غنائي إلى مرتبة لا يكون فيها بحاجة إلى محدّدات أو مفردات من خارجه. ملامح العلاقة في هذا النوع من الغناء، تبدو تجريدية، وتتحوّل فيها النوستالجيا، كأداة تعبيرية سواء شعرياً أو موسيقياً، من وسيلة لربط التيمات الفنية ببعضها وإيجاد كيان فني لها كما هي حال أغنيات الرحابنة مع فيروز إلى غاية بحدّ ذاتها. الحب هنا يصبح كلّ شيء، بما في ذلك البيئة نفسها.

عازار حبيب

وحين يرِد ذكر المكان في الأغنية، لا يكون ذلك بغرض إيجاد بيئة أو مسوِّغ شعري للحب بقدر ما هو تشديد على أن المعادلة أصبحت مقلوبة، وأن المكان هنا (الضيعة في أغنية «يا رايح عضيعتنا») هو العنصر الذي يذوب في البناء الرومانتيكي للأغنية وليس العكس. ثمّة أغنيات كثيرة لحبيب يغيب فيها المكان حتى كعنصر ثانوي (عجبين الليل، يا ساكن بقلبي، عم لملم حناني، كتير محلاية...)، ويمكن اعتبارها فنياً الأجمل في مسيرته. وهذا تأكيد إضافي لسمات هذا النوع من الغناء، حيث يبتعد البناء الفني عن استحضار رموز المكان لمصلحة هوية مكتملة قوامها الحبّ ليس فقط كموضوع، بل أيضاً كنمط تعبيري له سماته وأركانه، سواء شعرياً أو موسيقياً. بالإضافة إلى عازار حبيب، أسماء كثيرة مثّلت في غنائها ابتداءً من أوائل السبعينيات من القرن الماضي استكمالاً لهذا البحث عن هوية جديدة للغناء، وكانت تجربتها بمثابة اغناء للبحث نفسه عبر تنويع مفرداته، وعدم حصرها في النموذج المكتمل للرومانتيكية الذي يعبّر عنه حبيب. تجربة سمير يزبك مثلاً لم تحمل السمات نفسها لجهة التخلّي عن المكان كإطار فني للتعبير عن الحب، بل مثّلت على طريقتها امتداداً لتجارب سابقة في تأصيل تيمة الهوية والارتباط بالأرض، ولكن ليس عبر أسطرتها كما فعل الرحابنة، بل من خلال ربط الحب بها كعنصر يمكن الإفادة منه فنياً، وبالتالي جعل هوية الأغنية مرتبطة ليس بمكان بعينه، بل بالحب أساساً حين يُعبَّر عنه في إطار مكاني. لذلك، كانت تجربة يزبك متمايزة في إطار هذا النوع من الغناء، فهو لم يعبّر عن توجهها الرئيسي كما حصل مع حبيب، ولم ينضمّ إلى المجموعة التي أخذتها إلى عوالم الفولكلور والتطريب والغناء الشعبي (عصام رجي، ملحم بركات، طوني حنا...)، بل بقي غناؤه في حيّز الاحتفاء الفردي بالحب، بعد معاودة ربطه بالمكان. أغنية يزبك بهذا المعنى كانت التعبير الأكثر صفاءً ووضوحاً عن فقدان هذا الجيل لهويته الجماعية، سواء في الفن أو في الحياة عموماً. ولهذا بدت مصحوبة أكثر من سواها بشجنٍ عميق قوامه نوستالجيا بجرعات مكثفة، ولكن ليس على طريقة الأخوين رحباني، بل بالاعتماد على مخزون شعبي كبير، أهّله ليكون أكثر أصوات هذه الموجة عمقاً وتعبيراً عن الوجدان الجمعي لجيل الحرب.

امتداد الرحابنة رومانتيكياً
التمايز الذي عبّر عنه عازار حبيب وسمير يزبك، كلٌّ على طريقته لم يكن حاضراً بالقدر نفسه لدى الآخرين، وخصوصاً المجموعة التي فضّلت أن يكون غناؤها للرومانتيكية امتداداً لتجربة الأغنية اللبنانية نفسها في تأصيل نمط التعبير الفني عن الحب، عبر جعله مرتبطاً بالمكان بشكل أساسي. أكثر من عبّر عن هذا التوجّه، إيلي شويري الذي يمكن اعتبار غنائه منتمياً إلى الرومانتيكية بمعيار المجايلة فحسب، لأنّ معالجته الفنية للموضوعات المرتبطة بالحب كانت أقرب إلى هوية الأغنية حين كانت مرتبطة بمكان وزمان محدَّدين. تتَلمذُه على أيدي الرحابنة لفترة طويلة، جعله يدرك قيمة المكان في تحديد هوية الأغنية وبلوَرَة النمط الفني الذي تحتاجه.

سمير يزبك

وهو ما جعل البعض يعتبر أغنيته «تقليدية» قياساً إلى تجارب مجايليه التي كانت تُعَدّ بنسب متفاوتة بمثابة قطيعة مع الهوية السابقة للغناء. «تقليديته» ارتبطت أيضاً بتفضيله المدرسة المصرية في التلحين، حيث يمكن اعتبار الكثير من أغنياته (حكم الزمان، ليه يا زمان، وحده الزمن، دقدقوا عيوني...) أقرب إلى الذائقة الموسيقية المصرية منها إلى مدرسة الغناء المشرقي كما أسّسها الرحابنة مع زكي ناصيف وتوفيق الباشا، وكما تتلمذ عليها هو نفسه. تيمة الزمن التي تتكرّر في أغنياته باستمرار، تحيل إلى مرجعيات شعرية وموسيقية لا تنتمي بالمعنى الفعلي إلى تجربة الجيل الذي فقد هويته الفنية بفعل الحرب واستعاض عنها بهويات أخرى لا يمكن اعتبار المدرسة المصرية أو حتى مدرسة الرحابنة عواملَ أساسية أو فاعلة فيها. أغنيته بهذا المعنى، هي التعبير الوحيد في إطار هذا الجيل عن استمرار تأثير المرجعيات السابقة وفاعليتها في نمط الغناء الجديد الذي كان قد بدأ يتخلّى عن المكان كحضور شعري في الأغنية، وعن الزمان كأفق محدّد لها. وهو ما سيتكرّر لاحقاً مع ملحم بركات (بوصفه إلى جانب شويري الامتداد الوحيد للمدرسة الرحبانية داخل الأغنية الرومانتيكية)، ولكن في مرحلة متأخّرة، وبعد أن يكون قد تخلّص من تأثير الرحابنة، وبدأ بتكريس غنائه كاملاً للطرب الشعبي القريب من المدرسة المصرية.

مساهمات أخرى في التجربة
ثمّة أيضاً مساهمة أساسية في التجربة، وإن تكن أقلَّ رواجاً وانتشاراً من مثيلاتها، وهي مساهمة سمير حنا. ما يلفت في أغنيته، بالإضافة إلى تقاطعاتها الكثيرة مع الاتجاه الذي كان يقوده عازار حبيب، الصفاء الشديد في التعبير عن الرومانتيكية حين يختار حنا الاستكانة إليها بين كلّ أغنية شعبية وأخرى. هو أحياناً يبدو في اختياره لها كإطار للغناء الشعبي، وحتى في شكله الخارجي أقرب إلى طوني حنا منه إلى عازار حبيب، لكن الأمر يتغيّر حين نسمعه يناشد حبيبته عدمَ هجره في أغنية يمكن اعتبارها الأكثر تعبيراً عن الرومانتيكية كإطار فني (لا تروحي).
«يا رايح عضيعتنا» ليست ضيعة الرحابنة أو زكي ناصيف وصباح، بل هي ضيعة ما بعد الحرب التي اندثرت أو هُجِّر أهلها

هذا الصفاء في التعبير عن الحب ضمن إطار رومانسي لا نجده كثيراً في الغناء العربي، وإذا وجدناه يكون غالباً مرتبطاً بمرجعيات من خارج التجربة، ما يحدّ من وصول الحالة التعبيرية التي تخلقها الرومانتيكية إلى جمهور هذا النوع من الغناء. حتى النوستالجيا هنا تأخذ شكلاً مختلفاً، وتبدو في أغنية مثل «كنا سوا» (وهي مثل سابقتها من ألحان الياس الرحباني الذي يعود إليه الفضل في بلورة التوجه الرومانتيكي لدى حنا) أقرب إلى المرجعيات الغربية المكرَّسة للرومانتيكية منها إلى النوستالجيا التي نعرفها عند الأخوين رحباني أو حتى عند أقطاب آخرين في التجربة مثل عازار حبيب.
هذا لا يعني أن مرجعيتها غربية بالكامل، بدليل تمحور معظم تيمات حنا الأخرى حول الغناء الشعبي، ولكن الرومانتيكية لديه تتميز بالفعل عن سواها بخلق مناخات يمكن اعتبارها شبيهة إلى حدّ كبير بالمناخات التي كرّسها الاتجاه الرومانتيكي في الغناء على مستوى العالم. وهو ما يؤكّد حقيقة انخراط هذا الجيل عبر أهمّ رموزه في مجمل النتاج الذي أفرزته العودة إلى الرومانتيكية كإطار للغناء والتأليف الموسيقي والتعبير الفني عموماً بعد شيوع موجة رفض الحروب واللجوء إلى الفنّ كخيار بديل منها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.



ليلة عازار حبيب
بعد سلسلة من الحلقات التي استرجعت أرشيف الإذاعة اللبنانية المنسيّ، واستذكرت باقة من الفنانين البارزين أمثال وداد وطروب وسمير يزبك ومنى مرعشلي ونور الهدى، يجدّد «متروفون» الموعد مع الراحل عازار حبيب (1945 ــ 2007/ الصورة) في 30 كانون الثاني (يناير) الحالي. إذ يستعيد المغني إيلي رزق الله على مسرح «مترو المدينة» أعمالاً مختارة من ربيرتوار الراحل، ويرافقه الموسيقيون: سماح بو المنى (أكورديون وكيبورد)، وفرح قدّور (بزق)، ومكرم بو الحسن (باص)، وأحمد الخطيب (إيقاع). أما هشام جابر، فيستولّى مهمّة التقديم.

* «متروفون» عازار حبيب: الأربعاء 30 كانون الثاني ــ الساعة التاسعة والنصف مساءً ــ «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام:76/309363