في 24 كانون الأوّل (ديسمبر) الحالي، تجتمع العائلات وتسهر في البيوت وتتبادل الهدايا، ولهذا السبب تُعَلَّق، عموماً، في هذه الليلة، النشاطات الموسيقية والإنشادية الخاصة بالأعياد. معظم الأمسيات ذات الطابع الميلادي تقام قبل هذا التاريخ، إذ توضع جانباً بعد الميلاد «الطهارة» و«العفة» و«البراءة» والقيم النبيلة وتتجه الأمور، فنّياً (في الأمكنة العامة كما في الإعلام)، نحو الأغنية التجارية و«الرقّاصة» الشرقية (وليس الرقص الشرقي) وتبلغ الذروة ليلة رأس السنة. إذاً، في الأيام الثلاثة المتبقية قبل ليلة العيد، يقام العديد من الأمسيات الموسيقية الخاصة بزمن الميلاد، بشكل مباشر (ترانيم دينية) أو غير مباشر (موسيقى كلاسيكية عموماً). نتوقّف في ما يلي عند ثلاثة مواعيد أساسية، واحد مستقلّ واثنان ضمن مهرجان «بيروت ترنّم» الذي يختتم دورته لهذا الموسم مساء بعد غدٍ الأحد، بعدما كانت قد انطلقت مطلع الشهر الجاري.

عند الثامنة والنصف من مساء اليوم الجمعة، وهو اليوم الذي تقيم فيه «الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية» حفلتها الأسبوعية في «كنيسة القديس يوسف» (شارع مونو)، موعد اعتيادي جزئياً من حيث الشكل، وميلادي من حيث المضمون. هكذا، ينضم إلى الأوركسترا الوطنية كورال «الصوت العتيق» الذي يتألف من أكثر من خمسين منشداً والسوبرانو اللبنانية ذات الاهتمامات الغنائية الأوبرالية والشعبية كورين متني، بقيادة المايسترو هاروت فازليان. متني في رصيدها أدوار رئيسية في أعمال أوبرالية شهيرة، وكانت قد شاركت الشهر الماضي إلى جانب آخرين في تحية لشارل أزنافور، قادها فازليان، واليوم تنشد من وحي الميلاد باقة من الكلاسيكيات المعروفة.
غداً السبت وبعد غدٍ الأحد، يشهد «بيروت ترنّم» آخر موعدَين في دورته الحالية. المهرجان يقام في زمن الأعياد، لكن هاتَين الأمسيتَين لا صلة مباشرة لهما بالمناسبة، وبالأخص الثانية. فالأولى موسيقية، لبنانية الهوى، تتخللها محطتان ميلاديّتان، في حين تنحصر الثانية ضمن الموسيقى الكلاسيكية الغربية، فئة البيانو المنفرِد. إذاً، غداً يقدّم الفنان الشاب عمر الرحباني (نجل غدي الرحباني) أمسية يؤدي فيها مع فرقته مجموعة من أعماله الخاصة (التي صدر بعضها في ألبومه الأول Passport منذ عامَين تقريباً)، بالإضافة إلى عنوانَين من ريبرتوار الأخوين رحباني وفيروز تحمل توقيعه إعداداً («بتتلج الدني» و«يا حجل صنين»). أما الختام المسك الذي يهديه «بيروت ترنّم» لجمهور الموسيقى في لبنان فهو ريسيتال بيانو منفرد للكوري الجنوبي سيونغ ــ جين شو (1994 ــ الصورة)، الذي سبق أن دعاه المهرجان قبل سنتَين. العازف الشاب سيؤدي برنامجاً «متعباً» له وعلى السمع أيضاً، إذ تغيب الأعمال «الشعبية» عن الأمسية التي نسمع فيها الفانتازيا الضخمة لشوبرت (تحمل اسم «فاندرر») وبعض أعمال الانطباعي الفرنسي كلود دوبوسي (إذ حيّا العازف مئوية رحيل هذا المؤلف من خلال أسطوانة صدرت هذه السنة). هذا في الجزء الأوّل، الذي تليه استراحة وبعدها دخول إلى عالم الروسي مودست موسّورغسكي الذي ترك عملاً شهيراً للبيانو المنفرد بعنوان «لوحات في معرض»، وهي عبارة عن سلسلة مقطوعات تتمحور حول موضوع موسيقي يتكرر بمقاربات مختلفة وفواصل بعيدة عنه. في أمسيته السابقة، أضاف الفائز بالمرتبة الأولى في الدورة الأخيرة من «مسابقة شوبان» (2015) مقطوعتين بعد البرنامج المحدد مسبقاً، واحدة لليسْت (الـ«كامبانيلّا») وواحدة لشوبان (الـ«بالاد» رقم واحد)، فماذا سيهدي الجمهور هذه المرة؟