«سوف تحيا من بعدي»

بسام حجار

في هذه المدينة، كان الشِعر كالألم. نعرف كيف يأتي وكيف يسكن الجسد ولا نعرف كيف يخرج فجأة. لكنه كان ألماً لأنه كان موصوفاً ونعرف أنه انتهى لأننا نعرف أنه غادر. مِثل الغريب عندما يغلق الباب خلفه، نعرف صوت الرحيل. نعترف بأنه كان مزعِجاً، لكنه كان ضرورياً للتذكير بوجود حياة ما في مكانٍ ما. عندما يغادر الغريب يأخذ معه القرقعة التي يصدرها والحيّز البصري الذي يستعيره وكل مشكلةٍ افتعلها أو طريقٍ مرّ بها. هكذا هو الشِعر في بيروت، ولذلك نعود دائماً إلى الغرباء، الذين كبروا في وقتٍ كانت فيه بيروت تكبر، فكتبوا شِعراً حقيقياً، لأن المدينة كانت حقيقية.
تخدّرت بيروت، وصار الشِعر فيها يُشبِه ما يقوله بول هازار عن موت الشِعر في أوروبا. كيف يبدو الشِعر ميتاً، رغم أن ثمة شعراء يضعون على الطاولة كلاماً ويقولون إنه شِعر. وهم يشعرون بأن نظمهم عذب وأنه يقول ما لا يمكن الكلام العادي قوله. لا ينتبهون إلى أن السبب الرئيسي لهذا الموت هو أنه لا يبدو موتاً. يموت الشِعر عندما يفقد سبب وجوده، عندما تصير العين التي ينظر فيها إلى العالم عيناً آلية، بدلاً من أن تكون رقيقة تكون جافة. وعناوين الكتب المعروضة بوصفها شِعراً هي عناوين آلية لقصائد آلية. في فرنسا، بعد لافونتين، انقرض الشعراء. كان هناك أشخاص ينظمون الشِعر، ولكن لم يكن هناك شعراء فرنسيون حقيقيون. هؤلاء الذين كانوا يزدادون في مكان قريب، حيث أينعت الكلاسيكية الإنكليزية. وهنا، يحاول ناظمو الشِعر أن يكتبوا شِعراً، فيكتبون برتابةٍ عن المطر ويستعيرون الماضي بصفاقة الحاضر. لكن المطر يهطل من السماء، من مكانٍ يمكن للجميع أن يتفقوا على أنه بعيد. مكان مجهول تماماً. ما نعرفه هو الجهة التي يأتي منها. أما الشِعر فيأتي من الداخل. ولنتفق عرضاً أن هذا «الداخل»، هو «المدينة» بما أننا نتحدث عن بيروت وعن شعرائها. أي شِعر يخرج من هذه المدينة؟
العودة إلى الأسماء الكبيرة وانتظار الجديد من الأسماء القديمة قد يُفسّر بالحنين. وهذا التفسير شِعر رديء أيضاً. فالجانب الحقيقي من الخيال يلزمنا الاعتراف بالعدم. لا جديد نضعه في رفوف مكتباتنا بدلاً من الجديد. نعود دائماً إلى بسام حجار وأنسي الحاج ومحمد العبدالله وننتظر ثعالب عباس بيضون في قصائده. ذلك لأن كل واحد من هؤلاء لديه مجموعة من القصص التي تبدأ وتنتهي، ولأن ما يجمعهم هو الشِعر والمدينة. وهذا ما يفرّق الذين يقولون اليوم إنهم شعراء. لا مدينة. لا طاولة واحدة يجلسون إليها. المقاهي المتوافرة لا تحب الطاولات المستديرة، بل تحب الزعيق. اللغة التي نسمعها في المدينة ليست لغة شاعرية، إن نجا منها شيء من العربية. في الفلسفة، يمكننا أن نعود إلى هوسرل الذي جعل من اللغة أداةً واسعة لتأسيس العالم الماهوي، لا إلى هايدغر الذي لم يعتبرها خلاقة. ولكن هذا كلام كبير في مدينة لا تحبّ الشِعر، فكيف تحب الفلسفة؟ كانت مجرد طاولة في منتصف مقهى، الجالسون إليها شعراء حقيقيون. لا ينظمون الشِعر، إنما هم شعراء حقيقيون. كان الشِعر ألماً نعرف كيف ظهر في جسد المدينة ولا نعرف كيف غادرها فجأة.