قبل بضعة أسابيع، زار الفنان زياد الرحباني السفارة الألمانية في بيروت، طالباً تأشيرة دخول إلى البلد الذي يعشقه. الغاية من التأشيرة دعوة تلقاها من برلين لإقامة حفلة موسيقية في آذار (مارس) المقبل. نال التأشيرة بسهولة تامة (لناحية ما طلِبَ منه من مستندات)، والتقى السفير الجديد، غيورغ (جورج) بيرغيلين، فنشرت السفارة على صفحتها على فايسبوك، بعد اللقاء مباشرةً، صورة تجمع الرحباني بالسفير، ذيّلها الأخير بعبارات سرور وتقدير باللغة الإنكليزية مرفقة بترجمة عربية: «لقد كان من دواعي سروري لقاء زياد الرحباني اليوم، الفنان الملهِم والأيقونة الثقافية». عاد زياد من السفارة بتأشيرة إلى ألمانيا وبموعد لحفلة موسيقية في بيروت، يشارك فيها السفير عازفاً على الغيتار. فالحديث الذي جرى بين الرجلَين، تطرّق إلى الموسيقى، واتضح أن بيرغيلين يعشق الموسيقى ويقرأ النوتة الموسيقية و«جَوّه» قريب من الريبرتوار الغربي (جاز، فانك، بوسّا نوفا،…) الذي يقدّمه الرحباني في الأمسيات التي يقيمها في الحانات البيروتية. اتفق إذاً «الزميلان» في الفن على إقامة حفلة مشتركة، تتولّى السفارة تنظيمها.

المكان: مسرح «استوديو زقاق» (كورنيش النهر). الزمان: الثاني من كانون الأول (ديسمبر). أما الحضور، فقد اقتصر على مجموعة دعتها السفارة وأخرى دعاها زياد.
في الطائرة التي أقلت إلى بيروت زياد الرحباني وبعض الموسيقيين والمساعدين الذين رافقوه إلى مصر، بعد ظهر السبت الفائت، يهمس أحد الموسيقيين بأن لا مكان للراحة بعد حفلة القاهرة (نتناولها بالتفصيل قريباً)، فالبروفا في الاستوديو بعد قليل تحضيراً لأمسية «زقاق»، في اليوم التالي.
انطلقت الأمسية قبل الثامنة مساء أول من أمس. السفير في الصفوف الأمامية، والفرقة تعزف الفصل الأول بمشاركة لارا راين غناءً وآفو توتنجيان على الألتو ساكس ضيفاً على الأمسية. في الوسط كرسي فارغ وبقربه غيتار السفير. انتهى الفصل الأول. استراحة: بوفيه احتفاءً بالمناسبة ومشروب، قُدِّم مجاناً إلى الحضور. انطلق الفصل الثاني بـSpiral لفرقةThe Crusaders، فدعا بعدها زياد الدكتور بيرغيلين إلى الانضمام، شاكراً القيّمين والحضور على إقامة هذا النشاط الحضاري «على الرغم من الأوضاع السيئة في البلد»! قبل اتخاذه موقعه في الفرقة، سلَّم السفير على زياد، فقدّم إليه الأخير هدية صغيرة، عبارة عن لوحة من الصفيح كُتِب عليها باللون الأسود على خلفية صفراء: Berlin. تسلّم بيرغيلي الهدية وضعها أمامه باتجاه الجمهور، وهمّ بالجلوس، فأضاف زياد: «عذراً، نحن نصرّ على أن نكون سيّئين (في إشارة إلى «الوضع بالجبل»)، هل يمكنكم أن تساعدوا بخصوص ما يحدث في الخارج؟». فردّ السفير بجدية وطرافة في آن واحد: «لا، لكن يمكنني أن أساعد بخصوص ما يحدث، هنا، في الداخل»… وانطلقت المقطوعة الثانية من الفصل الثاني. هكذا، شارك بيرغيلين في خمس مقطوعات متتالية، قبل أن ينسحب وتتابع الفرقة تقديم ما بقي من البرنامج. مساهمة الضيف الألماني الأنيق اقتصرت على المرافقة بـ«أكورات» على الغيتار، لكنها أغنت النتيجة العامة بأمانة تنفيذها... والأهم من كل ذلك، دلالات هذا الحدث وتأثيره بصورة ألمانيا في بيروت وصورة زياد في برلين.