ليلة الأول من كانون الأول (ديسمبر)، وككل سنة، منذ عشر سنوات، محجوزة لافتتاح «بيروت ترنّم». غداً، ينطلق المهرجان الموسيقي الخاص بالأعياد، الكلاسيكي الغربي بالجزء الأكبر منه، شبه الثابت من حيث ملامحه العامة وعدد أمسياته وامتدادها (يومياً، بين 1 و23 الحالي ضمناً) وأماكن عروضه (كاتدرائيات وكنائس وسط بيروت بشكل أساسي)، والمجّاني بإصرار من منظّميه.

آلاف حضروا أمسيات هذا المهرجان الذي يشكّل فسحة أمل لمحبّي الموسيقى (الكلاسيكية بشكل خاص) ومحدودي الدخل الذين طالما تأمّلوا ببرنامج «مهرجان البستان» (المشابه إلى حد ما) وتألّموا عجزاً ووضعوا اليد على الخد وتحسّروا على ليالٍ حصلت وولّت ولم يملكوا ثمن بطاقة فرح بالموسيقى الحية. هؤلاء ليسوا قلّة. وهُم ليسوا أقلّ شغفاً من «أولئك». ليسوا أقلّ ثقافة. أو أقلّ إحساساً. أو أناقة. هؤلاء، فقط، أقلّ امتلاكاً لأوراقٍ يقال إنها من أوسخ ما نملكه من أغراض بالمعنى المادي… وهي كذلك بالمعنى الاجتماعي/ الفلسفي أيضاً. هؤلاء أقلّ حظاً. و«أقل حظاً» في النظام الرأسمالي تعني أقل انتهازية وظلماً للغير واستغلالاً للإنسان، وأقلّ نهباً لثروات الطبيعة، وغيرها من الصفات المغلّفة بأخبث بدعة عرفها المجتمع البشري منذ بداية تشكيل قواعده: المبادرة الفردية.

الايطالية روبرتا مارينو في دورة عام 2015

«البستان» مهرجانٌ محترم، شديد الحرفية، عريق، لكن المشكلة في أسعار بطاقاته المرتفعة. وما يؤكد أنها مشكلة هو محاولات القائمين على المهرجان إيجاد حلول لها. هذه المشكلة محلولة جذرياً في «بيروت ترنّم». والأهم أن ذلك لا يأتي (أقله في الدورات الثلاث الأخيرة) على حساب المستوى الفنّي العام للمهرجان الذي بات ينافس «البستان»، بل كاد يتخطاه هذا الموسم (ونقصد موسم 2018 في ما خص «بيروت ترنّم» وموسم 2019 في ما خصّ «البستان»)… وربما فعل! نعم، بعد الدورة الرهيبة التي حجزها للمعلّم الألماني باخ الشتاء الماضي و«بكّلها» لناحية شمولية الأمسيات ودعوة بعض النجوم الكبار، فاستحق بالتالي حجز الصفحة الأولى في جريدتنا، أصاب «البستان» تراجعٌ لا مفرّ منه لأنه تلا ذروة حقيقية (تنطلق الدورة في شباط/ فبراير المقبل ولنا عودة مفصلة إليها). تراجعٌ لا يمكن تفاديه سوى بدعوة لائحة من الأسماء الكبيرة، وهذا «لن» يحدث لأنه يحتاج إلى ميزانية لا أحد مستعد لرصدها. في المقابل، وبعد دورتَين محترمتَين، يعود «بيروت ترنّم» هذا الموسم ببرنامج أقوى، بل كاد أن يكون مذهلاً لولا الإمكانات المادية المحدودة التي فرضت «تشحيل» بعض الأسماء الكبيرة التي من شأنها، ـ لو أتت ـــ أن تضع أي جهة تنظّم هذا النوع من الأنشطة في موقف حرج جداً. مع ذلك، ما زالت الدورة استثنائية ومفاجئة إيجاباً.
غداً إذاً، ينطلق «بيروت ترنّم» في أجواء ملائمة وأوضاع سياسية هادئة نسبياً. لا تشنّج، كما في العام الماضي، عندما سلِمنا، وسلِم المهرجان، بأعجوبة، من مغامرات فندق «الريتز» الشديدة الإتقان والدهاء. هذه السنة أراد MBS أن يلعب بعيداً عنّا، فوَقعَت الضربة في مدينة… اسطنبول، فنحن لا نحتمل صدمة ثانية، حتى لو كانت إيجابية. إذاً، نحن في أجواء أعياد مقبولة، بمعاييرنا المتواضعة والانهزامية أحياناً، وافتتاح المهرجان البيروتي محجوزٌ لعمل ديني شهير للمؤلف الفرنسي شارل غونو. أما الختام فيشهد العودة الميمونة للموهبة الكورية المكرّسة بمرتبةٍ أولى في «مسابقة شوبان» (الدورة الأخيرة — 2015)، عازف البيانو الشاب سيونغ-جين شو (1994). أمّا بين دفتَي الدورة، فالأمسيات يومية (أحياناً أكثر من أمسية في الليلة الواحدة، ليبلغ عددها الإجمالي 34)، لا كلل رغم بعض الملل، منها محلّي النكهة (بين جيّد وعادي وركيك)، ومنها ما يرتقي إلى مصافي الأحداث المهمة في هذا المجال. إذ تزورنا عبر «بيروت ترنّم» هذه السنة أسماء كبيرة في فئتها، مثل الفرنسي برتران شامايو (بيانو) ومواطنه هنري دوماركيت (تشيلّو) و«كواتيور إيبين» (رباعي وتريات) والروسي الذي سبق أن زارنا عبر «البستان» عام 2016 ألكسي فولودين (بيانو) وغيرهم من الأسماء أو الفرق الأوروبية التي ستقدّم مؤلفات من حقبات كلاسيكية مختلفة.
يقدم الشيخ أحمد حويلي أمسية إنشاد صوفي

بالنسبة إلى الجانب المحلّي و/ أو الشرقي، يحرص المنظمون على هامش يعطي الحدث بعده المشرقي دينياً، وبعض الأسماء باتت ثابتة على لائحة المدعوين للمشاركة. هكذا، وبالإضافة إلى الجوقات التابعة لمعاهد وجامعات، يشارك في المهرجان نداء أبو مراد وفرقته في أمسية ميلادية قروسطية النكهة (3/12) ووسيم سوبرا (12/12) في عمل من تأليفه بعنوان «بيروت أوراتوريو» (تجربته في التأليف للبيانو المنفرد غير مشجِّعة!) وعبير نعمة في أمسية ميلادية (13/12) والشيخ أحمد حويلي في أمسية إنشاد صوفي (16/12 ـــ أسمبلي هول AUB) والسوبرانو سمر سلامة في مقتطفات أوبرالية (20/12) وعمر الرحباني في برنامج من تأليفه (22/12 ـــ أسمبلي هول) وغيرهم. العمل الذي تنطلق معه الدورة الحادية عشرة من «بيروت ترنّم» هو قدّاس احتفالي تقليدي، لكنه تحيّة للقديسة سيسيليا من المؤلف الفرنسي شارل غونو… القديسة سيسيليا هي شفيعة الموسيقيين! إنه افتتاح جميل.

* «بيروت ترنّم»: بدءاً من الغد حتى 23 كانون الأول (ديسمبر) ـــ كاتدرائيات وكنائس وسط بيروت ومحيطها ــ beirutchants.com



◄ الافتتاح — قداس للقديسة سيسيليا
غداً ـ س: 20:00



يفتتح «بيروت ترنّم» عند الثامنة من مساء الغد في كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت. ككل سنة يختار المنظمون عملاً دينياً (أو كورالياً، كما هي الحال بالنسبة إلى السمفونية التاسعة لبيتهوفن) لإطلاق الدورة، وهذه المرة سنسمع القداس الاحتفالي للقديسة سيسيليا، للمؤلف الفرنسي شارل غونو، ويقود «الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية» الأب توفيق معتوق (الصورة)، بمشاركة جوقتَي الجامعتَين الأنطونية والقديس يوسف.

◄ برتران شامايو
كنيسة القديس يوسف/ مونو ـ 5/12



من المفاجآت السارة هذه السنة دعوة عازف البيانو الفرنسي الشهير برتران شامايو (الصورة) الذي يعدّ من أبرز المواهب في بلده وجيله. لشامايو تسجيلات عدة مرموقة ويشارك في المهرجان بأمسيتَين، واحدة منفردة (5/12) ثم إلى الجانب «الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية» بقيادة بيار بلوز (7/12) حيث يؤدي الكونشرتو الثاني لسان-سانس، وهو عمل سجّله أخيراً وصدر قبل أسابيع.

◄ كواتيور إيبين
كاتدرائية مار لويس للكبوشيين ـ 6/12



إنه من أبرز الأسماء في فئة رباعيات الوتريات الكلاسيكية في العالم اليوم. تسجيلاته كثيرة ومرموقة ودعوته إلى لبنان تعتبر إنجازاً بدون مبالغة. إنه Quatuor Ébène الفرنسي الذي يقدّم أمسية وحيدة وعلى برنامجه غير المعلن بعد، أعمال من هذه الفئة والخيارات كثيرة (استناداً إلى تسجيلاته) من هادين إلى دوبوسي مروراً بموزار والرومنطيقيين.

◄ دوماركيت/ فولودين
كنيسة ما مارون/ الجميزة ـ 18/12



يجتمع في هذه الأمسية نجمان كبيران، من فرنسا عازف التشيلّو هنري دوماركيت ومن روسيا عازف البيانو ألكسي فولودين. ليست هذه الليلة استثنائية في نجمَيها فحسب، بل بالبرنامج الذي حضراه للمناسبة ويتألف من أعمال تجمع آلتيهما، مثل السوناتة الأولى للألماني برامز (تحفة في هذه الفئة) والسوناتة الوحيدة للروسي شوستاكوفيتش (تحفة من مقلب آخر) وغير ذلك.

◄ عبير نعمة ـ 13/12 ــ كاتدرائية مار جرجس المارونية
سمر سلامة ـ 20/12 ـ كاتدرائية مار لويس للكبوشيين



من الوجوه/الأصوات النسائية التي اعتدنا عليها في مهرجان «بيروت ترنّم» المغنية الأنيقة عبير نعمة (الصورة) والسوبرانو المتمكّنة سمر سلامة. ستقدّم كل من الفنانتَين أمسية مستقلة، الأولى تميل نحو الغناء الشرقي مع عبير نعمة وبعدها بأسبوع، تحيي سمر سلامة أمسية أوبرالية المزاج وترافقها Sinfonietta Beirut Orchestra

◄ سيونغ-جين شو
كنيسة مار مارون/ مونو ـ الأمسية الختامية



قبل سنتين حل هذا الموسيقي الموهوب ضيفاً على المهرجان بأمسية أدّى خلالها شوبرت وبرغ وشومان، ثم أضاف عملاً للِيسْت (كامبانيلا) وآخر لشوبان (بالاد رقم 1) من خارج البرنامج. جميلٌ أن يعود هذا البيانيست الصاعب، وعلى برنامجه شوبرت ودوبوسي (نظراً لإصداره ما قبل الأخير) وموسورغسكي. الغائب الأكبر هو موزار؛ فآخر ديسك لسيونغ-جين مخصّص للمؤلف النمساوي! فهل نسمعه من خارج البرنامج؟