يزور جوزف كوديلكا (1938) بيروت مجدّداً، بعدما جاء عام 1991 مع مجموعة من المصوّرين لالتقاط بيروت بين زمنين: الحرب والمستقبل. لم يظهر المصوّر التشيكي انحيازاً إلى المستقبل، لا بصوره عن بيروت، ولا في حياته. هذا ما تعلّمه من الغجر، الكائنات الأولى التي سكنت صوره. تعلّم ألا يولي اهتماماً به. أو أن يتجاهله. لا عودة إلى الماضي، بل مخلّفاً الرؤية المقرونة بالاكتشاف حتى قدوم اللحظة التي راح يمدّدها ويسوّيها بهدوء في مراحل لاحقة من تجربته. زيارة كوديلكا الثانية إلى بيروت، تأتي ضمن معرضه الأول في العاصمة اللبنانية بعنوان «الجدار/ بيروت» الذي تحتضنه «دار النمر للثقافة والفن» (كليمنصو ــ الحمرا) بالتعاون مع وكالة «ماغنوم» حتى 22 كانون الأوّل (ديسمبر).

مخيم شعفاط ـــ القدس الشرقية ـ 2009

يحيل عنوان المعرض (بمبادرة من طارق نحاس، وتنسيق كزافييه بارال) إلى مجموعتيه «الجدار» (2008 ــ 2012) و«بيروت» (1991). التحق كوديلكا بالتصوير بعد دراسته هندسة الطائرات التي تركت أثرها على صوره، في توزيعه للعناصر وفي التركيب العام للمشهد وإيلائه متسعاً من الرؤية إلى الأشكال والخطوط الهندسية. في الفترة الأولى، تركّزت كاميراه على المسارح التشيكية وعروضها، لينصرف في ما بعد إلى دول أوروبا الشرقية لتصوير الغجر وتقاليدهم وحياتهم وأزيائهم وموسيقاهم في رومانيا وهنغاريا. تزامنت عودته إلى تشيكيا مع بدء «ربيع براغ» عام 1968. حين هجمت الدبابات السوفياتية على براغ، وجد نفسه مع المتظاهرين، لكن كمصوّر ستبقيه الأحداث مجهولاً حتى وقت طويل من انتشار صوره. كانت الرقابة السوفياتية ستطاله أو تقبض على عائلته. لذلك بقي PP (مصوّر براغ) هو الاسم السري الذي وقّع الأيقونات البصرية لبراغ وربيعها، إلى جانب المصوّر البريطاني يان بري والألماني هيلمار بابل.
بحث عن عنف الاسمنت وتجلّياته في المساحة الفلسطينية

الدبابات في مواجهة الناس. الوجوه الساخطة والأجساد التواقة للتصدي إلى البنادق. لعلّه القدر الأكبر من الحركيّة، التي اختزنتها صوره، لأنه لم يعد بعدها إلى تصوير الأحداث الكبرى رغم انضمامه إلى وكالة «ماغنوم» عام 1971. في فترة غيابه عن تشيكيا، بقي كوديلكا يصنع قصصه عن الأرواح التائهة في أراضي الغجر، متابعاً مشروعه الأوّل الذي كان قد بدأه. رحلات ستنتج عنها مجموعة «منافي» التي صوّرها في إيرلندا وإسبانيا واسكوتلندا، والبرتغال وفرنسا. صحيح أنه كان يلحق بالناس، إلا أن بورتريهاته بدأت تتجرّد، تاركة الوجوه في وضعيات عبثية قبالة الجدران أو في حالة سكون وانتظار. شيئاً فشيئاً، سيستحوذ الفضاء المكاني على المشهد بأكمله كما في مجموعتيه Lime و«الجدار»، اللتين تشرّحان الأمكنة وعلاقتها بالإنسان المعاصر.

جدران
ليس جدار الفصل العنصري بين الضفة الغربية وفلسطين المحتلّة، وحده ما تلتقطه عدسة كوديلكا في مجموعة «الجدار». ثمّة عقبات اسمنتية وحديدية كثيرة تُطبِق على الصور، وتحدّ من تدفّق المشهد الطبيعي بشكل عام. يفني كوديلكا الحضور البشري من لقطاته باستثناء اثنتين منها: واحدة لرجل فلسطيني يقف على أنقاض منزله وأخرى لطفلين بالكاد يظهران بجانب براميل اصطفّت لتغلق زقاقاً. لكن هذا التغييب المقصود للحضور البشري، يبدو بعيداً كلّ البعد عمّا أطلق عليه المصوّر الأميركي ألِن سكولا القنبلة الهيدروجينية في نقده لصور روّاد معرض «طوبوغرافيات جديدة». قد تتشابه بعض صور كوديلكا معها، بمنيماليتها، وفضائها البصري القائم على التشابه الهندسي الشكلاني أو توتّره وتنافره، لكنها تجرؤ على قول ما هو أكثر من حياديّة صور السبعينيات تلك. بعيداً عن المجازر، والدموية اليومية، انصرف كوديلكا إلى البحث عن عنف الاسمنت وتجلّياته في المساحة الفلسطينية.

العيزرية، القدس الشرقية ــ 2010

أيّاً كان دافعه الأسلوبي وراء ذلك، فإنه كان يتفرّغ إلى المشهد، كما فعل في مجموعته Lime (بين عامي 1999 و2012) التي اقتفى فيها أثر الإنسان عبر تدخّله التخريبي في بؤر أوروبا الصناعيّة. أما صور «الجدار»، فتقبض ـــــ وإن بشكل مراوغ ـــــ على يد واحدة تنبت جدراناً صلفة في البيئة الفلسطينية. وبقدر ما يضيّق الحائط على المساحة، يستفيض كوديلكا في ابتكار مرادفات ومعان بصريّة له مثل النصب، والمكعبات الاسمنتية، والمباني العسكرية، والمستوطنات، وأبراج المراقبة والأسلاك الشائكة والبراميل والبوّابات الحديدية. بدأت رحلات كوديلكا إلى فلسطين المحتلّة منذ عام 2008، ولم تنته إلا في 2012. تطلب الأمر زيارات عدّة خلال السنوات الأربع، انقضت بسلسلة مؤلّفة من 54 صورة. كان يمكن للمجموعة أن تكون أكبر لو لم يكسر أحد الجنود الإسرائيليين كاميراته، التي استمرّ يصوّر فيها لحوالى 10 أيّام، قبل أن يتنبّه إلى أنّ أيّاً مما التقطه خلال تلك الفترة لم يكن محفوظاً. طوال الأيام، كان عليه اللحاق بالجدار العملاق الذي بدأت تبنيه قوات الاحتلال بعد الانتفاضة الثانية، عام 2002. رافقه في كل الاتجاهات ومن كل الزوايا من رام الله وبيت لحم والخليل والقدس والمخيمات الفلسطينية في الضفّة الغربية، ومعسكرات الاحتلال الاسرائيلي. لا يمكننا معرفة الأمكنة إلا من كلام الصور المرفق بها. من دونها، ستحافظ على سكون ما قبل الحضور البشري أو بعد انقراضه لأنه لا يزال يحتفظ بتلك السخونة التي تضفيها رؤية كوديلكا القاتمة عليها.

بيروت 1991

يبني المصوّر لقطاته ببطء، ضمن عملية طويلة تتطلّب تفحّص المشهد مراراً قبل الضغط على زرّ الكاميرا. هكذا لا يكتفي بموقع الرائي، بل يشارك في صنع هذا الاستلاب المكانيّ الهائل، مانحاً صوره بالأبيض والأسود، تدرّجات لونيّة كثيرة. ثمّة تحكّم دقيق في العناصر وفي التقاطه لتضارباتها الفجة أو تناغمها في بعض الصور البانورامية التي يستنسخ فيها، بمهارة، ثلاثة تجسّدات متوازية للجدار. البلدات المأهولة والبيوت تبدو كما لو أنّها تهمّ بالسقوط كما في بعض لقطاته البانورامية من الأعلى، أو تلك التي صوّرها في موازاة الجدار. يوظّف كوديلكا الظلال كفسحات تضاعف من سوداوية مساحاته، فيما يستثمر كافّة النصب التي تصطدم بها عيناه كأنّما ليلقي بثقل الجدار على المتفرّج. هكذا، تنبت الكتل الاسمنتية من كلّ مكان على جبل قبالة ضباب يبتلع نهاية الظاهر منها. تكرارات كهذه صُنعت كي تحبس الرؤية، وتؤرق مداها مثل لقطة تظهر ما تبقى من جذوع شجر الزيتون، وأخرى لسلسلة من القضبان الحديدية التي تتمدّد ضمن قدرته المدهشة على منح التشكيل الخارجي ثقلاً كهذا.

بيروت
بعد عام على انقضاء القتال في بيروت، دعي ستة مصوّرين عالميين إلى وسط المدينة. كوديلكا كان أحد هؤلاء إلى جانب اللبناني فؤاد الخوري، والأميركي روبرت فرانك والإيطالي غابريال بازيليكو، والسويسري رينيه بوري، والفرنسي ريمون دوبارديو. في المعرض مجموعة من لقطات كوديلكا لخراب المدينة التي زارها في خريف عام 1991. كلّما عرضت صور من تلك الفترة، منحنا وقتاً مجانياً للتأمل بوجه المدينة المدمر الذي لم تلبث أن محته ورشة إعادة الإعمار. كيف كنا سنرى الآثار القديمة التي استبدلت بالساعة العملاقة في ساحة النجمة؟ تتفرّغ عدسة كوديلكا للأبنية المتصدّعة والممزّقة. لا خيارات كثيرة يتيحها المشهد بعد الحرب. على المصوّر أن يتمترس خلف زواياه، وينقّب عما خلّفته السنوات في أكثر العناصر ضآلة. فجوات الرصاص في الجدران، تحيلنا إلى وجوه هائمة تتفادى عدسة كوديلكا تظهيرها على حساب تفحّص الأبنية بكامل ماديتها وحجارتها. يتخذ إطارات بانوراميّة قصوى (إما طوليّة وإمّا عرضيّة) كحِيَل جمالية للاقتباس من المشهد العام في صور التقطها بين زمنين، وبين حربين، واحدة تدميريّة وأخرى مستمرة يستحضرها الزمن الطويل الذي يفصل بين عام 1991، وبين توقيت عرضها في بيروت اليوم.
تتصدى عدسته للأبنية المتصدّعة والممزّقة في بيروت

ما يمكن العثور عليه في صوره هو المساحات المنبسطة التي يتركها لا لشيء إلا ليخدشها بحديدة ملتوية تتدلى من واجهة مرآب. من خلف زجاج مهشّم، يلقي نظرة واسعة على أبنية تلتحم بهلاك آخر. يعيد، من وراء كاميرته، تسوية المشاهد. يترك لأحد المباني أن يطلع من فجوة بترت منتصف حافّة اسمنتية طويلة. يسقي الحدائد الشائكة كي تعلو على الأبنية الظاهرة من خلف فندق «النورماندي». ينقل كوديلكا الحرب إلى صراع مشهدي بين الخطوط والدوائر والمساحات الهندسيّة. وما لم تقتلعه الحرب، يزيحه بعدسته، مقعّراً المشهد الكارثي أساساً، كما في لقطة لشجرة مروّسة تتكبّد عنف الحرب عنها وعن المبنى الذي يسندها من الخلف.

* «الجدار/ بيروت» لجوزيف كوديلكا: حتى 22 كانون الأوّل (ديسمبر) ــ «دار النمر للفن والثقافة» (كليمنصو ــ بيروت). للاستعلام: 01/367016