الرباط | فوجئ محبو موسيقى الراي والروك برحيل الفنان الجزائري رشيد طه (1958 ــ 2018) ليلة الثلاثاء في باريس، إثر أزمة قلبية مباغتة، إذ عثر عليه ميتاً في شقته وفق ما كشف عنه تقرير للشرطة الفرنسية. لم يكن أحد يظنّ أن هذا الفنان المثير بأغانيه ومواقفه وصوته المختلف، سيغادر العالم وهو في عز عطائه وشهرته.

استقر رشيد طه في الستينيات في فرنسا ضمن الأجيال الأولى للمهاجرين. أمضى سنواته الأولى في مرحلة بحث عن الذات، ليس ضمن المجال الفني فحسب، بل ضمن مجتمع غريب ومختلف. لذلك كان عليه أن يوفر أولاً وسائل العيش قبل أن يندمج في أوساط الفن. ولهذا السبب اشتغل في البداية في المطاعم والمصانع، قبل أن يعمل على تأليف فرقة موسيقية ستحمل اسم «بطاقة إقامة».



كان الاسم يتضمن في إيحاءاته وإشارته ما يفوق المعاني الفنية. وهذا غير غريب على رشيد الذي عرف بتناوله للكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية في أغانيه. فالفن بالنسبة إليه لم يكن وسيلة للترفيه وخلق أجواء البهجة في نفوس الشباب فقط، بل كان أيضا جسراً لتمرير خطابات ذات بعد اجتماعي. كانت الهجرة والاغتراب والعنصرية ومشاكل الاندماج وتهميش المهاجر العربي، أبرز التيمات التي تضمنتها أعماله الغنائية المعروفة. إن أغنية «يا المنفي» تشرح معاناة المهاجر في صيغة رسالة موجهة للأم، وأغنية «يا الرايح وين مسافر» تتساءل عن جدوى الهجرة والاغتراب، و«برّا برّا» تنتقد ما وصل إليه العالم من عنف، وحذر من مستقبل مخيف. أما أغنية «روك القصبة»، فتبدأ بهذا السؤال: «واش واش هاذ الفوضى؟»، وهو تساؤل يحمل الكثير من الإيحاءات.
وإذا كان رشيد طه هو النسخة العربية لفن الروك الأميركي، فهو قبل ذلك مطرب راي في الأساس. لقد انطلق من هذا الفن الجزائري وسعى إلى منحه بعداً عالمياً عبر مزجه بموسيقى الروك وإضفاء لوحات راقصة تتخلل عروضه الفنية. عاد طه إلى الراي في مشاربه الأولى خلال القرن الثامن عشر بوصفه فناً قادماً من الغرب الجزائري مهمته الأساسية هي التعبير عن مشاغل الناس وهمومهم. وأسهم بشكل لافت في نقل فن الراي إلى الحياة الفرنسية، حيث صار هذا اللون الغنائي حاضراً بشكل كبير في فرنسا، والسبب المساعد بطبيعة الحال هو الحضور الطاغي للجزائريين بصفتهم أكبر جالية عربية في فرنسا.



في أكثر من مناسبة، كان رشيد طه يصرح بأنه مطرب روك، وليس مطرب راي. والحقيقة أنه سيظل في عيون محبيه الفنان الذي ذهب بالراي الجزائري إلى مساحات جغرافية وفنية شاسعة، عبر تطوير إيقاعاته وإدخال آلات عزف جديدة والظهور على الخشبة بأشكال فنية تؤكد أنّ ما يرومه طه هو إضفاء البعد العالمي على فنه، وألا يكون الجزائري أو المغاربي هو المتلقي الوحيد لأغانيه. لقد انتبه باكراً إلى أن فنه يقوم على دعامتين أساسيتين هما: الإيقاع والكلمة. لذلك اختار أن يعتمد إيقاعات فنية يمكن أن يتفاعل معها المتلقي الأوروبي والأميركي بالحماسة نفسها التي يتفاعل بها المتلقي العربي. واختار في المقابل أن يبحث عن الكلمات التي لا تخاطب قلب الجمهور فحسب، بل عقله أيضاً. لقد كان عدد من الأغاني بمثابة لافتات احتجاج. وقد عمل أيضاً على تخليد أغنيات قديمة من الراي الجزائري عبر إعادة أدائها بتوزيعات موسيقية جديدة.

عاد إلى مشارب الراي، بوصفه فناً قادماً من الغرب الجزائري مهمته الأساسية هي التعبير عن مشاغل الناس


في تصريح إلى«الأخبار»، يقول الشاعر والإعلامي الجزائري خالد بن صالح: «ستظلُّ بحَّةُ صوتهِ ترافقُ كلَّ منْ يُدندنُ أغنية «يا الرَّايح وين مسافر» لدحمان الحراشي، بأدائِه وطريقتِه العصرية، كما في جلِّ أعماله، التي تجمع بين موسيقى الروك والموسيقى الشرقية، وطابع الرَّاي الجزائري. بشخصيته القيادية والكاريزما التي حققت له انتشاراً منذ مطلع الثمانينات مع فرقة «بطاقة إقامة» Carte de Séjour والغناء في النوادي الصغيرة، وبعد أعمال منفردة كثيرة خلال التسعينيات، تميَّز فيها طه بالاشتغال على مواضيع تلامسُ الطبقات المسحوقة من المهاجرين، شارك في حفلة «1,2 ,3 Soleil» مع كل من الشاب خالد وفضيل سنة 1998، محققاً، معهما، نجاحاً كبيراً. رشيد كان مخلصاً دائماً لمشروعه وللثقافة المحلية التي أعطاها ملمحاً عالمياً. توقف قلبُ رشيد طه قبل أن يطلق ألبومه الجديد، كما يتوقف مسافرٌ تعب كثيراً بعيداً عن الوطن».