منذ ثماني سنوات، انطلق صراع المغنية الأميركية أريثا فرانكلين مع المرض (سرطان البنكرياس). خلال هذه الفترة، حصل مراراً أن خضعت لعمليات وألغت حفلات وجولات وعادت إلى المسرح. آخر إطلالة غنائية لها تعود إلى خريف 2017. بعدها تدهورت حالتها الصحية، وقبل أيام، أعلنت عائلتها أن فرانكلين في وضع حَرِج. أول من أمس، أسلَمَت «ملكة السول» الروح. أريثا فرانكلين عاشت 76 عاماً. رحيلها اليوم ليس فيه خسارة فنية كبيرة، فهي أدّت قسطها للعلا. أعطت كمّاً ونوعاً ما يوازي نتاج ثلاثة فنانين أو أكثر. أكثر من 40 ألبوم استوديو. مئات الأغنيات.


عشرات الحفلات المصورة. إذاً، رحيلها خسارة معنوية عائلية. خسارة لأولادها ولأحفادها ولأصدقائها. لكن، فنياً، قد ينجم عنه إيجابية: ربما يكتشف الجيل الجديد أن الغناء الأسود لم ينطلق مع نيكي ميناج! ربما يدرك المراهقون حجم الإرث الغنائي الذي من واجبهم الاطلاع عليه، بالحد الأدنى، انطلاقاً من أريثا فرانكلين.
مع رحيل أريثا فرانكلين، يفقد الغناء الأسود (سول، غوسبل، RnB،…) عميدته وآخر رسله من أصحاب الأصوات الخارقة تقنياً والمشبّعة إحساساً وتعبيراً وصدقاً في الأداء والحضور. فجر أول من أمس، بثت قناة Arte (القناة الذي يجب أن تُفرَض بقوة السلاح لإعادة بناء مجتمعنا) حفلة للـ«ملكة» في عزّ نجوميتها. المشهد لا يصدَّق. كيف كانت الموسيقى في أواخر الستينيات. كيف كان الفنانون والجمهور. أريثا بثوبها البرّاق تتصبّب عرقاً (دون جهد جسدي يذكر، كالرقص أو الاستعراض في التعبير أو المبالغة في الحركة).


الجمهور بالآلاف. الكراسي على المسرح. الناس تستند على البيانو. أريثا تغنّي ثم ترافق نفسها على البيانو. تتوالى الأغنيات بدون توقّف. وصولاً إلى لحظة الذروة مع أحد الأناشيد الوطنية غير الرسمية للسود: Respect. لا راحة للموسيقيين ولا للجمهور ولا للكورس ولا لها… طرد الصمت حتى الثمالة.
هكذا كانت الحفلات. ولدت أريثا فرانكلين عام 1942. بدأت مسيرتها بالإنشاد الديني (غوسبل) تحت رعاية «ملكة» أخرى، ملكة هذا اللون الغنائي، ماهاليا جاكسون. انتقلت بعدها إلى الغناء الدنيوي إذا صح التعبير، وبدأت تحصد النجاح والشهرة في أوساط بيئتها، قبل أن تجتاح العالم بعدد من الأغنيات التي طبعت أجيالاً على مدى عقود، منذ منتصف الستينيات حتى مطلع التسعينيات.
علماً أن مسيرتها الفنية استمرت حتى أشهر خلت، وآخر إصداراتها يعود إلى عام 2014 (إذا استثنينا الألبوم الذي صدر عام 2017 وحوى تسجلات صوتية من الأرشيف أضيفت إليها عناصر جديدة، من توزيع وأصوات ثانوية). لُقِّبَت أريثا بـ «ملكة السول» لكن تجربتها الغنائية لا تقتصر إطلاقاً على هذا النمط، بل تتخطاه إلى الجاز والغوسبل والفانك والبوب والديسكو والـRnB بشكله العصري الذي أدخلته إلى ريبرتوارها منذ السبعينيات، وبلغت فيه الذورة في ألبوماتها في الثمانينيات، مثل Jump to It (1982) وبالأخص Who’s Zoomin’ Who? الذي باع أكثر من مليون نسخة بعد أسابيع من طرحه في السوق عام 1985 (أعيد إصداره بنسخة خاصة عام 2012).
أغنياتها طبعت أجيالاً منذ منتصف الستينيات حتى مطلع التسعينيات


نالت أريثا فرانكلين عشرات الجوائز الموسيقية، وحازت العديد من التقديرات وتم تكريمها في بلدها وخارجه. وضعتها مجلّة «رولينغ ستون» على رأس لائحتها لأفضل مئة اسم في مجال الغناء الغربي. عملت مع عشرات الأسماء الكبيرة في صناعة هذه المملكة من الجمال. ناضلت لحقوق السود وكانت تربطها بمارتن لوثر كينغ صداقة متينة، وقد أنشدت في دفنه عام 1968، وكذلك بالرئيس الأميركي الأسود الأول، باراك أوباما، الذي تحمّست لوصوله إلى رأس السلطة وغنّت في احتفال تنصيبه. لطالما طمأنت أريثا فرانكلين جمهورها في ما خصّ وضعها الصحي في السنوات الأخيرة. لكن لن تستطيع أن تخفي عنه موتها. دورها في هذا الوجود انتهى أول من أمس. دورٌ أدّته على أكمل وجه وأعطت هذه «المسرحية» السوداوية نكهتها من الجمال والفرح… وسيجتمع نجوم الغناء في حديقة «ماديسون سكوير» في نيويورك الخريف المقبل لإحياء ذكراها بأغانيها، الخالدة لا محالة.