لم يكن الشاب السكندري يوسف جبرائيل شاهين (1926 ـــ 2008) أو يحيى شكري مراد ـــ كما يحب أن يطلق على نفسه في أفلام سيرته الذاتية ـــ بمعزل عما يحدث في رقعة السياسة المصرية. طالب مدرسة «فيكتوريا كوليدج» الذي انطلق إلى أرض الأحلام الأميركية، عاد محملاً بأفكار فنية عدة. عاد من صخب استديوهات هوليوود ليبدأ رحلته الفنية في مجتمع يتحرك نحو مصير سياسي واجتماعي جديد.

(حمدي القاضي)

لم تشهد أولى تجارب «جو» الشاب العائد من دراسة المسرح في معهد «باسادينا» في الولايات المتحدة الأميركية، اشتباكاً سياسياً أو حتى بث رسائل لوجهة نظره تجاه المجتمع. قدم أولى تجاربه السينمائية «بابا أمين» (1950) بطابع فانتازي جديد على الساحة السينمائية في مصر.
قدمته الصحافة المصرية وقتها باحتفاء كبير ظهر في تعريف مجلة «الفن»: «هو الشاب والجنتلمان يوسف شاهين. سافر الى أميركا، ودرس السينما، وعاد بعد دراسته من دون أن تسبقه دعاية الطبل أو الزمر كما هي العادة في مثل هذه الأحوال. وبدأ في إخراج فيلم «بابا أمين»، وانتهى منه، ولم يشأ أن يقول كلمة عن نفسه. وقد قُدّر لنا أن نشاهد هذا الفيلم في عرض خاص في قاعة سينما «ريفولي»، ولا يسعنا إلا أن نتوقّع من الآن ما سيكون للأستاذ يوسف شاهين من مستقبل عظيم في صناعة السينما، وسيكون إخراجه لفيلم «بابا أمين» خير دعاية له».

غواية الحلم الناصري
بعد انهيار الحكم الملكي في مصر عام 1952، بدأت الأحلام الكبيرة تلوح أمام المصريين. شاهين يعلن ثورته هو أيضاً على العهد البائد بأفلامه، فيظهر الإقطاعي الفاسد في حربه الضروس على أحمد المهندس الزراعي المكافح في فيلم «صراع في الوادي» عام 1954... الفيلم الذي رسم صورة فنية عن واقع سيئ عاشه الفلاحون قبل «ثورة يوليو».
ومن سخرية الحلم الناصري، أنّ نجوم العمل الذي صور مظالم الطبقة الإقطاعية، سوف يعانون لاحقاً من اضطهاد جديد، فتقرر فاتن حمامة الخروج من مصر هرباً من سطوة صلاح نصر، رئيس المخابرات المصرية آنذاك. قرر يوسف شاهين نفسه الخروج إلى لبنان بعد تضييق رقابي متكرر، في مجتمع لم يعد يقبل سوى الصوت الواحد.
لم تكن رسالة الفيلم الصريحة ضد ما وصف بالعهد البائد، هي السبب في نجاحه حتى على المستوى النقدي، لكن اللغة البصرية التي قدمها شاهين من خلال حركة الكاميرا وأداء الممثلين. بدا أنّه يقدم رسائل أكثر مباشرة، وربما سذاجة في أفلام أخرى قد نعتبرها خطايا سياسية وقع فيها المخرج الشاب في شهر عسله مع الحلم الناصري.
ثمة تحول جذري ومسار جديد أخذته صناعة السينما في مصر مع مسارات دولة يوليو، التي لم تتخل عن ضم السينما إلى حالة التجييش المعنوي، لتصبح شريكاً في الإنتاج السينمائي، وتظهر أفلام تدافع عن أفكار الضباط، وتلميع صورة الزعيم جمال عبدالناصر.
أنتجت السينما المصرية أفلاماً مدافعة ومعبرة عن «يوليو»، وينضم شاهين معبّراً بصورة غير مباشرة عن أفكار دولة يوليو الاجتماعية في «صراع في الوادي»، كما قدم عملاً آخر وهو «ودعت حبك» عام 1956. قصة حب طريفة تنشأ بين فريد الأطرش وشادية داخل أحد المستشفيات العسكرية، في صورة لا تخلو من كوميديا تُشبه الخط السائد في تلك المرحلة. وعلى أنغام المارشات العسكرية، قدم فريد الأطرش وشادية أوبريت «إحنا لها» في الفيلم.
يروي شاهين في لقاء تلفزيوني عن اتصال مفاجئ في الثالثة صباحاً من الفنانة والمنتجة ماجدة الصباحي بعد خلاف نشب بينها وبين المخرج عز الدين ذو الفقار، قرر فيه عدم إخراج سيناريو عن الثائرة الجزائرية جميلة بوحيرد، لكنه أصر أن يخرجه يوسف شاهين. أعادت رغبته شاهين إلى الساحة بعد الفشل الجماهيري لفيلم «باب الحديد» (لم يخل من إظهار الصراع الاجتماعي عبر تصويره قضايا العمل النقابي من خلال البطل فريد شوقي، العامل في سكة الحديد) بنجاح «جميلة» (1958) الذي لا يمكن أن ننظر له دون ربطه بالدعاية السياسية لدولة يوليو وتبنيها خطاباً مناهضاً للاستعمار والغرب.

شاهين في فيلم «اليوم السادس» (إنتاج وإخراج شاهين ـ 1986)

«تصور أن الفيلم لما اتعرض في أفغانستان، الناس طلعت من السينما راحت حرقت السفارة الفرنسية، بالنسبة ليا كنت بلعب عسكر وحرامية، مين الكويسين؟ العرب طبعاً، مين الوحشيين؟ الفرنسيين «دِب فيلم». قريت كتير أوي بس مكنتش شفت حتى الجزائر». يعترف شاهين أنّه لم يكن يملك رؤية دقيقة للشأن الجزائري، لكن الحماس العروبي كان يكفي. عُرض الفيلم المناهض للاستعمار والمُنادي بعروبة الجزائر في موسكو، عاصمة الاتحاد السوفييتي آنذاك، بعد احتفال رسمي لاستقبال شاهين وماجدة الصباحي.

التماهي بين المُنقذ الأيوبي والبكباشي
بداية ستينات القرن المنصرم، الجماهير العربية في أوج حلمها بتحرير الأرض العربية. تحرر الأقصى قديماً بفارس عربي، وهو صلاح الدين الأيوبي، اللحظة التاريخية تتطلب مُنقذاً آخر، ليحرر الأراضي المقدسة مستعيناً بصواريخ قاهر وظافر.
قدم يوسف شاهين رؤية درامية مليئة بالخيال في تصوره لهذا الفصل من التاريخ العربي عبر فيلم «صلاح الدين الأيوبي» (إنتاج عام 1963)، ما اعتبره بعض النقاد تزويراً للتاريخ، بينما رأى آخرون أنّ الفيلم محاولة من شاهين، للإشارة إلى رمزية عبد الناصر بشخصية الناصر صلاح الدين. وتجدر الإشارة إلى مساهمة الجيش المصري في إنتاج الفيلم، بتوفير عدد هائل من المجاميع والخيالة لمشاركتهم في تصوير المعارك في الفيلم.
يستمر يوسف شاهين في السير مع الخط الذي تم رسمه للسينما في الحقبة الناصرية، بأحلامها التي أثرته كما أثرت كثيرين، ويمضي في سيره مع ركب يوليو الدعائي في فيلم «فجر يوم جديد» (1964).
يقدم عبد الحليم حافظ – مطرب ثورة يوليو- أسماء الممثلين في تتر غير مألوف للمشاهد المصري. تبدأ الأحداث التي تصور الطبقة التي أطاحت بها يوليو، كشخصيات مستهترة وشديدة الاستهلاكية، في خطاب مألوف تماماً للجميع عن الأرستقراطيين أيام الملكية المصرية. بدا أنّ شاهين كتب ملخصاً مدرسياً لأفكار يوليو، وكيفية أن تكون مواطناً فاعلاً ومنتجاً في العهد الجديد، وقام بتقديمها حمدي غيث، صاحب شخصية «حسن» الصحافي المتبني أفكاراً اشتراكية، رغم أنه سليل الطبقة الثرية.
نضجه بعد هزيمة يونيو تجسّد في رؤيته الناقدة للمجتمع


بشر «فجر يوم جديد» بقرارات يوليو وأفكارها، ورأى شاهين في نفسه شريكاً في الحلم الناصري، متصوراً أنّه يكتب «على كيفه» لكنه سُئل بالفعل يوماً من مسؤولي الرقابة: «هو أنت عايز تكتب على كيفك؟». موقف سرده في فيلم «حدوتة مصرية» (1982)، وهو الفيلم الثاني في أفلام سيرته الذاتية التي عبّر فيها عن رؤيته لنفسه وللمجتمع. هنا كانت الصدمة التي ضربت «جو» الذي اندمج مع أحلام يوليو، حِينَ رفضت الدولة أنّ يقدم أفلاماً على رؤيته المختلفة. كانت تلك اللحظة الكاشفة في صراعه مع الدولة كجهة مشرفة على فيلم «الناس والنيل» (1964) عن مشروع السد العالي، الذي عانى فيه تعنت أجهزة الرقابة، لتزداد الخلافات والمعارك التي كانت من ضمن أسباب سفر يوسف شاهين إلى بيروت. لكن من المؤكد أن هزيمة حزيران 1967 كانت لحظة كاشفة لحقيقة كل الأفكار التي روّج لها شاهين في أفلامه.
لم تكن بيروت نقطة ارتكاز لشاهين. بالرغم من تجربته الفنية الهامة مع فيروز والرحابنة في فيلم «بياع الخواتم»، لكن التجربة لم تكن الأقرب إلى قلب مخرجنا. فصاحب الأصول التي تمتد إلى مدينة «زحلة» اللبنانية لم يرَ في التجربة ما يدفعه للاستمرار، رغم احتفاء الصحافة اللبنانية ونجاح الفيلم. وربما عاد بالفعل بأمر من جمال عبدالناصر شخصياً. قصة رواها شاهين نفسه في أحد لقاءاته الصحافية، إذ أمر الرئيس المصري بعودة يوسف شاهين إلى أرض الوطن، قائلاً: «ده مخرج وطني، عمل لنا الناصر صلاح الدين».
بدا أنّ شاهين الذي صور شخصية صلاح الدين الأيوبي في حالة تماه مع جمال عبد الناصر، يعلم أنّ كل تلك الأحلام التي تورط معها وصاغها في أفلام كثيرة، ستنهار تماماً بعد هزيمة حزيران. رحلة طويلة خاضها في علاقته مع ما مرت به الدولة المصرية من تغييرات، منذ حركة ضباط الجيش عام 1952 وصولاً إلى الهزيمة وما تبعها من فقدان بوصلة حقيقية، ما جعل شاهين نفسه يقفز من سفينة الحلم الناصري الغارقة بحثاً عن الابن الضال.
ربما نضج بعد هزيمة يونيو، ما ظهر في رؤيته الناقدة للمجتمع وتشريح الظواهر التي أدت إلى ضياع الحلم العروبي والقومي الذي تأثر به شاهين في أغلب أعماله.