بعد طول انتظار، وفي جوّ مليء بالإحباط والإنكسارات، وموبوء تسرطن فيه الأداء الفكري، وهيمنت فيه ثقافة الربح السريع والإتجار بالفن وسياسة إلهاء المواطن عن قضاياه الأساسية، وفي زمن الإستلاب والخنوع، زمن المسرح الهابط والنصوص المبتذلة التي أفسدت الذائقة الجمالية، يعود الكاتب والمخرج المسرحي مشهور مصطفى بمسرحية «انتظار» ليصوّر لنا بلوحاته التشكيلية الدرامية جوهر الحياة.

من خلال مسرحيته التي عرضت أخيراً في «المركز الثقافي الروسي» في بيروت، استطاع مشهور أن يستعرض كل ما نعانيه اليوم بوسائل فنية جميلة وبسيطة، معتمداً المسرح الفقير، الغني فنياً. استطاع من خلاله أن يخلق جواً ساحراً ببعض الوسائل التقنية المتاحة: إضاءة ذكية وتوظيف متقن للأقنعة، ومهارة في استخدام المؤثرات الموسيقية، اضافة الى ادخال وصلة رقص قصيرة جداً استطاع ضبط مدتها كي لا يخرج الإيقاع المشهدي عن صيرورته، إلى جانب مشهدية رائعة اتسم بها العرض ككل. أما الممثلون، فقد احتلوا المرتبة الثانية بعد روعة النص الفلسفي. كانوا كمواد لصورة بصرية في نص تم توزيعه على كل ممثل ليصبح مأخوذاً أو منهمكاً بالرؤية البصرية التعبيرية لديناميكية هذا المسرح. بعضهم حلّق، وبعضهم الآخر حاول جاهداً أن ينفذ الرؤية الإخراجية.
عبّر النص عن جوهر الحياة بصورة عامة، وأضاء على المعاناة اليومية، بلوحات عكست هزيمة الإنسان في نضاله إزاء الواقع الأليم والروتين اليومي مع العالم المسحوق في خضم إحباط الحياة ذاتها. هذه الحياة التي تعتبر انتظاراً دائماً ضمن الموت المستمر، نعيشها يومياً ونتقبلها ونمارسها بكل حالاتنا.

اعتمد المسرح الفقير في عرضه الجديد «انتظار»


في ضوء هذه النظرة، الصفة المسرحية للشخصيات الدرامية عند مشهور، والمكان، والعقدة، استطاع مشهور أن يظهر لنا روحيتها الواحدة المندغمة ببعضها البعض، كأنها علاقة حميمية بين ثلاثة فنون مسرحية منفصلة وإفرادية مع كل ممثل تتوازى دون انفصال ضمن المشهدية التجريبية من وجهة نظر الفعل الدرامي المناط به. وهنا لا بد من انصاف كل الممثلين الذين حولوا لغة مشهور الى مدلولات صوتية وحركية وإيمائية بصرية من خلال طاقاتهم الإبداعية، مجسدين لحظات الفرح والعذاب بتقنية عالية. لكن لا بد من الاعتراف بأن الممثلة ماريا الجردي استطاعت أن تترك بصمتها لدى المشاهد بأدائها المتقن العفوي ضمن فريق عمل رائع استطاع أن يبرز صور هذا العرض المسرحي بتقنية استدعت الكثير من التساؤلات والاستنتاجات المختلفة، فأثارت خيال المشاهد ضمن عرض اتسمت السينوغرافيا فيه ببعض موجودات خشبة المسرح ضمن حركة مسرحية دائمة بمن فيها الممثلون الذين كنا نراهم يتقافزون ويتحركون بخطوات مدروسة وفقاً للرؤية الإخراجية. نستنتج أن العرض كان جواباً للفنان الإنسان ذاته الذي عانى وعاش هذا الصراع اليومي، ما جعله يكرر انتظاره بغضب لامتناهٍ ضد الزمن الجلاد. ولا بد من القول بأن المسرح اللبناني اكتسب مخرجاً موهوباً متميزاً، مخرجاً يملك حسّاً إبداعياً مرهفاً ونظرة عميقة للحياة بظواهرها وتفاصيلها. مشهور نجح من جديد في تقديم مادته الإبداعية حتى أصبح اليوم جزءاً من ثقافة المسرح الهادف.