تعثّر مشاريعه السينمائية المؤجلة خلال إقامته في دمشق، لم يمنعه من المحاولة ثانيةً، في بلاد المهجر. ذلك أن المخرج الفلسطيني فجر يعقوب (مواليد دمشق ــ 1963)، لم يستقر على حال منذ سنوات، مكتفياً بتجارب قلقة في صناعة أفلام بميزانيات بسيطة. وها هو بعد استقراره في السويد ينجز فيلماً وثائقياً طويلاً، بالإضافة إلى روايتين، وقصائد حبّ كتبها على شاشة موبايله، قبل أن تبتلع أمواج البحر هاتفه النقّال خلال رحلته الشاقة في قوارب الموت. بمراسلات متتالية لترميم خطّ الرحلة، ومشاهدة مقاطع من فيلمه الجديد «البلاد الأقل انخفاضاً من ضغط الدم»، خرجنا بصورة مهتزّة عمّا كابده خلال السنوات الثلاث المنصرمة، وكيفية اختلاط أسباب العيش بحلم الصورة، واشتعال مخيّلة الروائي، في هذه السيرة التي تتقاسمها مفردات اللجوء والنفي والفقدان



لنتكلّم أولاً عن مشروع فيلمك «البلاد الأقل انخفاضاً من ضغط الدم»، كأن المناخ الكوني لعب دوراً أساسياً في بزوغ فكرة الفيلم؟
تتوزع حكايا الفيلم الوثائقي «البلاد الأقل انخفاضاً من ضغط الدم» على أربع شخصيات تحمل كل واحدة منها حكاية ما عن قوارب الموت، ولكل واحدة منها ذرائعها في السرد أمام الكاميرا الخفيفة التي غطت هذا العمل. الخيط الذي ينظم الفيلم من بدايته حتى نهايته يقوم على أدوات آفلة من زمن ماض جميل، ولا ينتظر شروحات لقول ماهيته، حتى حين يستعرض المخرج مسيرة المثليين الضخمة في العاصمة السويدية، كأنها تصبح هنا انتحالاً فظاً لـ«المتاهة» التي تتوسع حول شخصيتين أساسيتين في الفيلم: أنا وذلك الشاب ابن مدينة حرستا (ريف دمشق) الذي نام في السويد على إيقاع الحشيش واللهو والملذات، واستيقظ في مستشفى للأمراض العقلية في تركيا مكبّلاً بالسرير ومتألماً. والتشخيص المرضي الأوّلي لحالته كما يروي أمام الكاميرا، كان مرض اضطراب ثنائي القطب، لتبدأ بعدها رحلته مع التشدد، حتى صار يعتبر أن «تكييف الشوام للدين مع واقعهم مجرد نطوطة» لا يعتد بها.
في مسار آخر مختلف، يروي المخرج (أنا) حكايته مع البحر ومرض السرطان قبل أن تغرق الصورة في تأويل لمعنى البحر الذي يستمد من الدم الأسود لونه، حتى حين لا نرى أثراً للزوارق المطاطية في الفيلم، لأن كل ما يدور أمام الكاميرا لا يفصح عن نفسه إلا بإزاحة سردية المعنى نفسه. الفيلم من إنتاج شركة «سينيراما» في استوكهولم، وأدار التصوير وعمليات المونتاج فيه محمد أبو صبيح، وينتظر العمليات الفنية الأخرى ليصبح جاهزاً مع مطلع 2019 للمشاركة في المهرجانات المختلفة.

لكنك لم تتوقف عن كتابة الرواية والشعر، كأنهما تعويض عن خسائرك في السينما؟
في الصيف الاسكندنافي، تبدو الصور أقرب الى ذهن متسامح ما زال متعلقاً بالأمكنة التي تركتها خلفي في سوريا ولبنان على حدّ سواء، وإن بدت مشوّشة ومتعبة وبحاجة إلى المزيد من الكشف بعد مرور ثلاث سنوات على رحلتي من شواطئ ازمير في تركيا الى جزيرة ساموس، إحدى أكثر الجزر اليونانية سمعة سيئة بين باقي الجزر، كونها قاعدة عسكرية متقدمة في بحر إيجه للجيش اليوناني.

سيطرح الفيلم جاهزاً مع مطلع 2019 للمشاركة في المهرجانات المختلفة


تاريخ الجزيرة بدا لي مغرياً لكتابة روايتي الثالثة «ساعات الكسل» التي تلكأ مشروع طباعتها مدة عام ونصف عام، قبل أن يتوقف تماماً لأسباب ما زالت غامضة بالنسبة إليّ. وان حالفها الحظ، فسأعمل على إعادة كتابتها وتغيير عنوانها الى «انتحار بكأس زائد من الماء»، وهو على طوله مثير لي، ومناسب تماماً لحكاية فرضتها عليّ جزيرة ساموس، وقد تناوب عليها عالم الرياضيات والموسيقى فيثاغورث (مسقط رأسه) الذي مثّل نموذجاً مضيئاً في صراع المثقف مع السلطة ممثلة بالديكتاتور الحاكم بوليكراتس، قبل أن يفرَّ في رحلات مطوّلة الى مصر وبلاد ما بين النهرين والهند بحثاً عن عدالة مركّبة لم تحظ بها الأرض إلى يومنا هذا. ولم يبتعد عنها الشاعر اللورد جورج بايرون الذي هبّ لقتال الأتراك ونصرة بلاد الإغريق، وشرع يكتب مجموعته الشعرية «ساعات الكسل» من هذه الأجواء، قبل أن يموت في اليونان نفسها.
هذه الرواية سيتأخر صدورها حتى مطلع 2020 بسبب رغبة جامحة في إعادة كتابتها كما أسلفت، فتعثر طباعتها وصدورها ربما جاء في مصلحتها، فضلاً عن أنني أنجزت رواية جديدة بعنوان «نوتة الظلام»، أريد لها أن تصدر مطلع العام المقبل، وهي قد تشكّل مدخلاً لفيلمي الروائي الطويل الأول الذي بدأت رحلة البحث عن مصادر تمويله في السويد وفي الخارج.

في روايتك «شامة على رقبة الطائر»، تفتّش عن جثمان صديقك في المقبرة، كأن ذاكرة الفلسطيني في الشتات تكمن في قوائم الموتى فقط؟
كان لاختفاء صديق لي في اليوم الأخير لوجودنا في مخيم اليرموك (16 كانون الأول/ ديسمبر 2012) وقع الصاعقة عليّ. فقد جاءني يومها مخموراً، وهو يحمل في جيبه قنبلة يدوية لا أعرف من أين حصل عليها. وضعها أمامي على الطاولة وثرثر مطولاً عن جاك بريل الذي يعشقه، ودندن أغنيته التي يمتثل فيها صاغراً مثل كلب حتى لا تتركه حبيبته، ثم انتقل إلى الحديث بشكل قاطع عن قبر عائلة في ضيعة مسيحية قام بنبشه في الليل وهو مخمور وحمل جماجم وعظام الموتى إلى ثكنة تابعة لجيش التحرير الفلسطيني العامل في لبنان في تلك الفترة. أمر دفع العقيد قائد الثكنة إلى وضع مسدسه في رأسه وتهديده بالإعدام الميداني إن لم يعد القبر إلى حاله قبل طلوع الصباح. بعد هنيهة من ثرثرته، سألني صديقي عن كحول إضافية فلم أجبه، فخرج لإحضار الكحول من حي التضامن الملاصق للمخيم، ولم يعد أبداً.
ما إن استقر بي المقام في «كامب» اللاجئين في أولفستروم جنوب السويد، حتى كتبت روايتي الثانية «شامة على رقبة الطائر» (منشورات المتوسط). تأملت مغزى الوجود الإنساني برمته من خلال لحظة نبش القبر، واللحظات التي بتّ أتخيّل فيها كيف قُتل صديقي، ووضعت سيناريوات كثيرة لموته، ولم أعثر على صورة واحدة تشفي غليلي في كيفية تقبّل موت صديق مثله. أستطيع أن أزعم أنه قرأ بمفرده كتباً وهضمها من دون ادّعاء عن كل أهل مخيم اليرموك، وشرب كحولاً عنهم جميعاً، وآثر أن يموت من دون أن نعثر على حكاية مقنعة ومنطقية لموته، أو نعثر على عظام مستحقة له في قبر. كان يخطط لذلك من دون شك، فمن سيهتم بعد أن تضع الحرب أوزارها، بفحوص الحمض النووي وما شاكلها من قصص وحكايا للعثور على بقاياه، وهو الذي لم يرد أن يترك أي أثر وراءه.