فكّر محرّرو مجلّة Rusted Radishes الفنية الأدبية (تصدر عن قسم اللغة الإنكليزيّة في «الجامعة الأميركيّة في بيروت»)، في الأندرغراوند بمعانيه الكثيرة: الجذور، والطبيعة، والتكنولوجيا، والأسرار، الخيال العلمي، غير المرئي وهم يختارون ثيمة عددها السادس. تقاطعاً مع العناوين المتفرّعة من الأندرغراوند، تضمّن العدد مجموعة من المقالات والمشاركات الفنيّة في الكتابة، والأدب، والقصص القصيرة، والشعر. شارك الباحث اللبناني في أنثروبولوجيا الفنون أكرم الريّس في قصّة بعنوان «الجدران الحيّة لتياترو بيروت الكبير».

في ظلّ تحوّلات المدينة، على مدى فترات طويلة، ما زالت بيروت تحيي هذه الخسارات والخيبات التي تظهر في الحاضر. بهذا، يستخدم الريّس وقائع وشخصيات حقيقيّة من تلك التي أسهمت في صناعة الحقبات الثقافية والسياسيّة، والبيئية في بيروت. هناك أسئلة كثيرة تهيم في القصّة. أحدها السؤال الذي يشغل بطله سليم فاضل حول مصائر شخصيات القصص والمسرحيّات بعد إغلاق الستائر، وإطفاء الأنوار: أين تذهب؟ هل ترجع إلى رأس الكاتب، الجمهور، الممثلين؟ أتتنفس وتحيا في مكان ما؟ لدى سليم هواجس تصرفه للبحث في الأرشيف للتعرّف إلى ما سلب من مدينته. في القصّة، تجد هذه الشخصيّات من أبطال روايات ومسرحيّات ومخرجين مثل مارون بغدادي والكاتب توفيق يوسف عوّاد والمؤرّخ أنطوان زحلان... سهولة في العبور نحو الحاضر. تجتازه على رؤوس السنوات الفائتة التي تفصل بين الأحداث. لكنّ ثمّة من يمنعها من القدوم ويحاول ترسيخ اختفائها. إننا في بيروت عام 2022. مدينة بذاكرة سمكة، تغرق مجدّداً في اشتباكات واقتتال بين ثلاث طوائف.


يخضع الريّس قصّته لظروف وعوالم غامضة. الخيال العلمي هو القالب الأمثل لسيرة العاصمة اللبنانية. للقضايا التي تموت قبل أن تبدأ، وللأرشيف المنسيّ الذي أصبح إخفاؤه أداة سلطويّة. من خلال أربعة أقسام أو عناوين تقود الحبكة («مقدّمة»، «شكّ»، «تجربة»، «قيامة») تتنقّل القصّة على رقعة بين الحقيقة والخيال، بين الوثائق والعوالم السفليّة لـ «التياترو الكبير» في وسط بيروت، بين صيادي عين المريسة، والجدران الكهربائية التي باتت تفصل سوليدير عن الأحياء الأخرى.
خلال الاقتتال، تقفل مؤسسات الدولة أبوابها ومكاتبها. على إثرها، يملأ سليم وقته بزيارات إلى أرشيف «جريدة النهار». ينصدم بفقدان بعض التواريخ والأشخاص والأحداث بعدما سيطرت سوليدير على مبنى الجريدة وحوّلته إلى متحف للأخبار. بسخرية كهذه، يتخذ الريس في قصته مواقف من قضايا سياسية متعدّدة شهدتها البلاد، من إعادة الإعمار، إلى أزمة الصحافة، وإقفال المسارح. يجد مستشار التنمية سليم فاضل نفسه بين أرشيفات «الجامعة الأميركيّة في بيروت»، التي تُرجعه إلى قضايا كثيرة من بينها قضيّة الخبير في علم الأدوية الطبيعية بيار ماليشيف، الذي وضع تقريراً علمياً عن النفايات الصناعية والكيميائية السامة المستوردة من إيطاليا إلى الأراضي اللبنانيّة في الثمانينيات. لكن القضيّة أقفلت فوراً، وحوكم ماليشيف نفسه! الأمر الوحيد الذي قد يبعث على الاطمئنان هو هذه الأرشيفات التي تحكم القصّة وعوالمها.
في قالبه الحكائي، يلجأ الريس إلى مقتطفات ووثائق منه، من خلال اللقى التي يعثر عليها سليم أثناء بحثه، منها مقال جوزيف سماحة عن مسرحية زياد الرحباني «بخصوص الكرامة والشعب العنيد»، ومقالات عن السينمائي غسّان سلهب والمسرحي عصام أبو خالد، والمقالات النقديّة لإعادة الإعمار التي كتبها عاصم سلام وجورج قرم وجاد تابت.
في قصته مواقف من قضايا سياسية شهدتها البلاد، من إعادة الإعمار، إلى أزمة الصحافة، وإقفال المسارح

وإذ يستنطق الأرشيف في قصّته ويعيد قراءته وبعث ما أخفي منه وما ظهر منه مجدّداً، يحاول الريس بناء سرديّة ثقافية وفنية ومدينية بديلة لبيروت التي لا يزال التاريخ ينقسم حولها. يستثمر الريس قراءاته ويوظّفها بشكل مباشر في القصّة، في أسلوب كتابي لا يعتمد على السرد فحسب بل على الحوارات المسرحية، والتوثيق، والمقاطع الغنائيّة.
كان سليم يجد ممرّات كثيرة للهرب من المدينة. بالإضافة إلى الأرشيف، لم تتوقّف زياراته السرّية إلى «التياترو الكبير» الذي يبتلعه عالمه السفلي في أحد الأيّام. تكون المسرحيّة التي يشاهدها أشبه بحلم حقيقي «لا يدوم أكثر من أغنية عصفور!».
هذا الحلم الذي سيغيّر حياته، ويمدّ لها صلات مع حيوات من مروا بها عبر الأرشيف الذي يطرحه الريّس كأولى الأدوات لمواجهة التدمير الممنهج.



الأرشيف بوصفه خشبة خلاص
يطرح أكرم الريس في قصّته الأرشيف كخلاص للمدينة ولبطل قصّته سليم الذي يبدو كشخصيّة ذاتية للكاتب الذي شارك في تأسيس «مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربيّة»، والعضو في اللجنة التوجيهية لـ «مرصد التراث الحديث». اهتمام الباحث اللبناني في انثربولوجيا الفنون بالوثائق المكتوبة والمسموعة، لم يقتصر على اختصاص واحد بقدر ما اشتمل على مجالات ثقافية واجتماعية وثقافيّة متنوّعة منها التنمية الثقافيّة، والدراسات المدينية، والتراث الثقافي الحديث، والموسيقى الشرقيّة والمسرح حيث أنجز فيها أبحاثاً وأوراقاً حول زكي ناصيف وزياد الرحباني وفيروز وآخرين.