الأديبة مي منسى (1939)، اسمٌ رنّان في عالم الرواية اللبنانية. فقد اقتبست من شذرات النسيم القروي خصائله المقترنة بأفنان الشجر، التي ترتبك لتعاقب الفصول، فتفصح عن فلسفةٍ كونية لوجودٍ لا يكتنز فيه الإنسان المعادلة الصحيحة بين الموت والحياة حتى بعد تفكر مضنٍ.

هكذا في روايتها التاسعة «قتلت أمي لأحيا» (الريس)، تبث التناقض المتباين بين الموت والحياة. فالموت واعزٌ للحياة وهي بدورها سببٌ له، والتجاذب يتجلّى بكلّ تفاصيله المتغلغلة في الحدث المتعاقب بحبكة مميزة لروايتها. هي كأنما تطبق ما قاله الفيلسوف الفرنسي فولتير: «إن العلم بحتمية الموت، أمر يكتسبه البشر عن طريق تجاربهم أو عبر رسائل من خالقهم». وتطرح بلا وعي في ذاكرتها نظرية دوستويفسكي القائمة على معضلة ميتافيزيقية، وهي النزاع الأبدي بين الخير والشر في النفس البشرية، والتأملات النفسية والوجودية في اللاماورائيات التي تتجلّى في علم المثيولوجيا والتنقيب الدؤوب عن الحل لهذا الصراع القائم.
البطلة الرئيسية التي تنتصب كشجرة تمتد منها عروقها التي تحمل قصصاً مختلفة، هي الجدة التي آمنت بالأرض كعهدة أورثها إياها زوجها قبل أن يرحل. قاست وعانت بصمت ولكنها صمدت بصمتٍ أكبر. مضت تحكي حكايات الأيام الخوالي لحفيدتها رشا التي هي بمثابة الجذع السميك لتلك الشجرة. هنا تبدأ الحبكة بالتدرج بين الحدث والسرد والانتقال بين فروعها وهم شخوص القصة، وأزمنتها التي بدأت من زمن سفر برلك مروراً بالحرب الأهلية حتى التسعينيات، وأمكنتها التي تنقلت بين قرية عين شمس في لبنان وفرنسا والبرازيل.
لبّ المأساة هو في تعاقب الأحداث التراجيدية التي ألمّت بعائلة رشا كأنها لعنة صبّتها عين الشر عليها، بدءاً من مقتل الجد في حادث دموي وخيانة زوجته له وهربها مع عشيقها إلى البرازيل الذي تنجب منه طفلاً، فيتركها لتشنق نفسها بعد فترة. ثم هناك وفاة والدة رشا وهي تنجبها مما خلّف لديها شعوراً بالذنب، تولّد عنه مرض التوحد الذي عانت منه طويلاً لتشفى منه في النهاية بالفن والمسرح الذي اعتنقته مثل طقس العبادة في باريس لشدة شغفها به. لكن والدها لا يلبث أن يقتل بدوره برصاصة من قناص حين يهم بالسفر ليشاهد مسرحيتها، وأيضاً تقتل أختها التي وضعها القدر مصادفة في مجزرة صبرا وشاتيلا لتواجدها هناك مع خطيبها الفلسطيني.
تجلد الجدة في تلك المحن يثبت نظرية دوستوفيسكي في تحديد الهاجس التأملي لواقع الموت. أما القتل الواعز للشر في الرواية وتعاقب الأحداث، فهو تعبيرٌ عن تقلبات الروح التي هي بمثابة إناء ينضح بما تسكبه البيئة في قعره، فالمحيط كان مخلفات حرب وتهجير وتدمير، وتحسب وترصد لكلّ حركة كواعز للبطش والقتل.
عودة رشا إلى لبنان رغم نجاحها في عملها، ومسامحتها لمن قتل واحتقن بالحقد ورصد عائلتها بالكره، كانت مؤشراً لوميض أمل بحياة أفضل ربما أو بوطن أكثر اتساعاً من مدى الروح. ورغم تعدد الأشخاص الذين تناولتهم الكاتبة ولم ينحصروا في إطار عائلة رشا وحدها، لم تختل الحبكة ولم يرتبك مسار السرد، و«الأمراض» النفسية التي راوحت بين جنون القتل ومرض التوحد وروح الانعزال، وحب السيطرة لم تحط من قدر كل شخصية، فمن قتل ندم وعاد إلى إنسانيته، ومن توحّد عاد ليلقي بنفسه في حضن الشهرة كما فعلت رشا، فقاومت بفنها ووصلت من مرحلة التوحد إلى مرحلة التفرّد.
الشجرة وجذعها وفروعها، صمدت أمام أنواء الطبيعة واحتكامها للصبر، وقد عالجت الكاتبة بكل حذق النزعات الغامضة في النفوس البشرية، وتلخيص حياة وطن في عائلة عاشت مرارة القتل والهجرة والتشرد والتوحد، ثم عادت لأرضها من جديد بسبيكة فكرة البحث عن اللاشعور والدافع إليه والطريق للتبحر فيه.
هنا تطرح أسئلة كثيرة حول مدى تأثر الروائية بالفلسفة وتشبّثها بنظرية التأمل الذي يحدّ من هول الترويع المأساوي للحدث ويجد له مخرج الحل سريعاً. مي منسى كاتبة عزفت على آلة التراجيديا الإنسانية، فأجادت وتفرّدت ببسط كل معاني التشنجات الإنسانية والدراماتيكية في أعماق الإنسان.