يمكن تشبيه «الأنا» بسارية سفينة كبرى تبدو من على الأفق، أو ببرج مراقبة، أو لوحة إعلانات أو أي شيء آخر فيما عدا الإنسان. «الأنا» بالنسبة إلى الفنان الإماراتي محمد أحمد إبراهيم (1962)، مغامرة يحاول أن يرينا من خلالها أن الكائن البشري لا محدود دائماً.

وهو يعرف حق المعرفة أن الأعمال الفنية التي تنطبق على شخصية الفنان انطباق القناع الحي على الوجه لا قيمة لها، والأقنعة الحية تشبه دائماً أقنعة الموت. لذلك يعمل وهو أقل ما يكون اهتماماً بالتعبير الذاتي. يعزل نفسه عن أعماله كي يهيئ للآخرين دروباً نقية للعبور إليها، فمقابل كل فنان يشتهي التباهي والتعبير عن نفسه هناك آخر لا يرغب إلا في الانتماء والبقاء ساكناً في مكان ما.
عُرف إبراهيم بارتباطه الوثيق بالأرض، لا بالمعنى الرومانسي للكلمة، بل باعتماد البيئة كجزء عضوي من أعماله، سواء على صعيد المواد المستخدمة (حجارة، تراب...) أو على الصعيد الرمزي (أشكال، تكوينات...)
خامات أرض مدينته خورفكان، ظلت في متناول خياله وواظبت على تغذية أفكاره. هناك نوع من العصامية الفنية أو لنقل العفوية في مجاراة إبراهيم لعمل الطبيعة. وأبرز مثال على ذلك «جبل خورفكان»، تجهيز اشتغل عليه لسنوات في حديقة منزله، حيث جمع أكثر من 4 أطنان من الصخور، ثم ربط بينها ولفّها بأسلاك نحاسية، ليأتي العمل أشبه بتجربة جمالية تكشف محاولات البشري المستميتة لمقاربة مصادفات الطبيعة.
لعل الفنانين الذين يجسدون التاريخ هم أولئك الذين يعشقون زمانهم ومكانهم.. فقرية غرينيتش كان لها عاشقها جون سلون، وأشهر نوادي الليل في باريس «مولان روج» وجدت ملاكها الأسمر الصغير في تولوز- لوتريك. وإذا انتقلنا إلى الأسمى، وجدنا أن «منظر طليطلة» للرسام إل غريكو، في المتروبوليتان، هو أكثر من منظر لأن إل غريكو المهاجر إليها غدا روح المدينة نفسها، وهو في الواقع ما زال حتى اليوم يحوم في سمائها، فوق الصائحين من بائعي أوراق اليانصيب ولمعان الأوراق الفولاذية التذكارية التي تُعرف بها المدينة.
الحس بالمكان والافتتان بالأرض الصخرية القاسية على الشاطئ الشرقي للإمارات هو دافع إبراهيم أيضاً للعمل على «فن الأرض»، والذي ما زال مفهوماً شائكاً حتى الآن، خصوصاً أنه يخالف شروط المتحف المتعلقة بفضاء العرض، فهو احتجاج على السلطة الفنيّة ومركزيتها، لأن العمل الفني لا يمكن نقله والتجول به كسلعة، بل ينتمي لمكانه وسياقه الخارجي، ولا بد من زيارته والبحث عنه (على خرائط غوغل) في بعض الأحيان. وهذه الحاجة الملحة مرتبطة بالغضب، حيث يرى إبراهيم تراجع الطبيعة من حوله على حساب طرق سريعة وأبنية إسمنتية. ويمكن اعتبار عمله صرخةً تحث على إعادة التواصل مع الطبيعة الأم. يقول إبراهيم راثياً: «الجبل يختفي، لقد صنعوا منه ناطحات سحاب، هم يحفرون الجبل، ويأخذونه إلى المدينة».
أما في لوحاته، فيؤسس إبراهيم لفضاء بصري شديد التشابك لكنه قابل للتفكيك، إذ يترك لنا مفاتيح كثيرة هي جزء من نتائج وتوثيقات بحثية في البيئة المحلية. وعادة ما يبدأ لوحته بـ «مفردة» تتفرع وتتصاعد تدريجاً ضمن تحولات لانهائية تُكسبها منحى زخرفياً. فتصبح اللوحة جسداً مؤلفاً من خلايا تتوالد من بعضها بعضاً كما في سلسلة لوحات «أشكال» حيث تحضر العديد من الموتيفات كإشارات سابحة على مسطح من بعد واحد، بلا منظور ولا أعماق موهومة والمفردات تتوالد وتتعاقب ويطارد بعضها البعض، يتعاطى معها الفنان بطريقة أوتوماتيكية من شأنها أن تحرر اللاوعي من قيوده.
هل وجد إبراهيم شيئاً من نقاوة الفن البدائي الذي يسكن عالماً طرياً نظيفاً بقدر ما هو أيضاً قديم، عالم أشكال الروح؟ لعل هذا السؤال يجب أن يُسأل على شكل آخر: لماذا لا يزال البوشمن الأستراليون ونحّاتو الأصنام الإفريقيون وهنود النفاجو الحمر الذين يرسمون بالرمل، أبرع من غيرهم، فأشكالهم دقيقة دقة المخططات الهندسية ولا تزال حية متوثبة، حتى الهواء حولها يكاد يرعش ويرن. يحاول إبراهيم - الحاصل على شهادة في علم النفس- أن يقترب من هذه «البدائية» ويتبنى أشكالاً وعناصر هي أقرب لقراءة رمزية للعالم، وطاقة تدفع المرء لتجاوز حضوره المادي، كمعادلات روحية ونفسية، كحروف تُجمع لتُقرأ.

* يتواصل المعرض الإستعادي الذي تقيمه «مؤسسة الشارقة للفنون» للفنان محمد أحمد إبراهيم حتى 16 حزيران (يونيو) في رواق 3 في ساحة المريجة في الشارقة.