تونس | وسط إجراءات أمنية متشدّدة، افتتحت أخيراً، الدورة الثامنة والعشرين لـ «أيّام قرطاج السينمائية» التي تستمر فعالياتها حتى نهار الأحد ١١ تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي. هذه السنة، لاقى تعيين المنتج السينمائي وأحد الناشطين الكبار في الحركة السينمائية خلال الستينيات والسبعينيات نجيب عيّاد مديراً لأعرق مهرجان عربي وأفريقي ترحيباً واسعاً، كان قد سبقته انتقادات في الدورات الأخيرة. تشرّع الدورة التي افتتحها المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي بشريطه «كتابة على الثلج»، لجمهور السينما في تونس نوافذ على سينما العالم في أميركا اللاتينية وفِي آسيا وأفريقيا.


على مدى عشرة أيام، ستعيش تونس العاصمة على إيقاع الفن السابع وسيتحول خلالها باب البحر إلى عرس مفتوح لعشاق السينما قبل أن تخلو الصالات مجدداً. فمن المفارقات التي تعيشها تونس هي أن الجمهور يتبخر بعد المهرجان وتقفر العاصمة منذ ساعات الليل الأولى وقبل الثامنة ليلاً وهي حالة غريبة ونادرة في تونس. من ناحية أخرى، تحضر الإنتاجات السينمائية التونسية بشكل غير مسبوق، إذ تجاوز عدد الأفلام التونسية المشاركة في مختلف أقسام المهرجان، الثلاثين فيلماً بين روائي طويل وروائي قصير ووثائقي طويل وقصير وهو رقم لم يشهده المهرجان في السابق. إذ يتنافس على جوائزه في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ثلاثة أعمال تونسية تتميّز بحضور لافت للشباب يترجم الحركية التي تعيشها تونس في السنوات الأخيرة وانتعاش الإنتاج السينمائي في مناخ من الحريّة لا يكاد يكون متوافراً في أي بلد عربي أو أفريقي. تشهد الدورة الحالية منافسة لأربعة عشر فيلماً طويلاً على التانيت الذهبي والفضي والبرونزي لـ «قرطاج» ضمن «المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة». أبرز الأفلام المنتظرة هو «على كف عفريت» لكوثر بن هنية الذي انطلقت عروضه ضمن تظاهرة «نظرة ما» هذه السنة في «مهرجان كان السينمائي» الذي كان قد اكتشفها في «شلّاط تونس» قبل أعوام. المخرجة التونسية التي حقّقت حضوراً لافتاً في السنوات الأخيرة تلجأ إلى حادثة واقعية من تونس، هي اغتصاب مجموعة من رجال الشرطة التونسيين للطالبة الجامعية مريم بعيد الثورة التونسية عام 2012. لا تتخلى بن هنية عن خطاب نسوي ناضج، يأتي من خلال البطلة مريم التي ترفض التنازل عن حقها في الاقتصاص من المعتدين. سيكون الشريط فرصة لخلخلة بنية المجتمع الذكوري في تونس الذي راح يطمس الحادثة حرصاً على سمعة رجال الشرطة ممن يتصدون للإرهاب في البلاد.
الهمّ السياسي وواقع البلاد يخيمان على الأفلام التونسية المشاركة مثل باكورة وليد المطار الروائية الطويلة «شرش»، التي تطاول أيضاً موضوع الهجرة غير الشرعية التي تطرّق إليها في بعض أفلامه القصيرة السابقة. من شمال فرنسا إلى إحدى ضواحي تونس يعود العامل هرفي محملاً بأحلام كثيرة لإعالة والدته، وللارتباط بحبيبته، لكنه يصطدم بالواقع. في «مصطفى زاد»، يتتبع المخرج التونسي نضال شطا حياة العامل العادي مصطفى خلال 24 ساعة. ما يبدو كبورتريه للرجل، سيتقاطع مع أحداث أشمل شهدتها تونس، تحديداً عشية أول انتخابات رئاسية حرة وحاسمة والتي ستطاول حياته وعلاقته مع زوجته وابنه. من الجزائر يشارك شريط واحد هو «انتظار عودة الخطاطيف» لكريم موساوي الذي يرصد فيه مصائر أبطاله مراد الذي يعمل في العقارات، والشابّة عائشة، وطبيب الأعصاب دحمان. يواجه الثلاثة ضياعاً في اتخاذ قرارات حيواتهم، فيما يتخبطون في علاقاتهم العاطفية.

المغربي هشام العسيري الذي لفت أسلوبه الفني الاهتمام منذ باكورته الطويلة «النهاية» (2011)، يشارك بفيلمه الجديد «ضربة في الرأس» بعدما عرض عمله «البحر من ورائكم» في«مهرجان برلين السينمائي» قبل عامين. في شريطه الجديد يجول العسري مجدداً في محطات من تاريخ المغرب وسلطاته المتعاقبة، وتحديداً في النهار الذي تلى فوز منتخب المغرب على البرتغال في مكسيكو سيتي عام 1986. بطل الفيلم هو رجل شرطة كان قد تلقى ضربة على رأسه خلال «انتفاضة الخبز» عام 1981 في البلاد، يجد نفسه مسؤولاً عن مهمة حماية الجسر الذي سيمرّ عليه موكب الملك حسن الثاني. يشارك أيضاً فيلم «وليلي» لمخرج منتظر آخر هو فوزي بن سعيدي، الذي افتتحت عروضه في «مهرجان البندقية السينمائي» هذه السنة. المخرج والممثل المغربي الذي أنزل كاميرته في السابق إلى أعماق المغرب السفلي، وحيوات المهمشين، يتركها هناك في شريطه الجديد. قصة حب مليكة وعبد القادر التي تبدأ في «وليلي» المدينة الرومانية في المغرب، سرعان ما تصطدم بهموم الطبقة المسحوقة التي ينتمي إليها الزوجان. الصراعات الطبقية، وتلك التي تدور داخل الطبقة الواحدة، وعنف العالم السفلي بين الدعارة والخيانة والابتزاز تشكّل عوالم الفيلم والمحركات الأساسية لتحوّلاته. وفيما لم تكد تتوقف البلاغات الموجهة ضدّه وضدّ ممثليه ومخرجه عمرو سلامة والاتهامات الجاهزة بـ «ازدراء الدين» سيشارك فيلم «شيخ جاكسون» في المسابقة. الشريط الذي اختير لتمثيل مصر في «الأوسكار»، ينطلق من خبر وفاة أسطورة البوب الأميركي مايكل جاكسون في 25 حزيران (يونيو) عام 2009 ليدخل الذكريات والشكوك بالخيارات التي اتخذها شيخ كان يلقّبه الجميع بـ «جاكسون» في سنوات الدراسة. عربياً هناك أيضاً «مطر حمص» للمخرج السوري جود سعيد، الذي يأخذنا فيه إلى حمص عام 2014، من خلال مجموعة من الشخصيات كهدى ويوسف وشخوص أخرى تجد نفسها وسط دمار المدينة السورية التي نالت معاركها ومآسيها اهتماماً إعلامياً واسعاً. ورغم الدعوات التي وجّهتها «الحملة التونسية لمقاطعة ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني» لمنع فيلم «قضية رقم 23» لزياد دويري بسبب «انتقال مخرجه للعيش في تل أبيب لمدّة 11 شهراً وتعامله مع ممثّلين وتقنيين ومنتجين إسرائيليين لإنتاج فيلمه «الصدمة» (2013) إلا أن إدارة المهرجان رفضت سحب الفيلم الذي بقي على لائحة الأفلام المشاركة بالمنافسة. والملاحظ في برنامج المهرجان أن الهم التونسي ومشاكل العالم حاضرة من خلال إشكاليات الهجرة المعروفة في المغرب العربي بـ «الحرقة» والبطالة والعنف والمد الأصولي الإسلامي، والانتقال الديمقراطي والتوق إلى الحريّة والتحرر الاجتماعي. ليس هذا غريباً عن «أيّام قرطاج السينمائية» التي ارتبطت منذ تأسيسها سنة ١٩٦٦ بالهم الوطني والعربي والأفريقي ومساندة حركات التحرر في العالم عندما كانت الأحلام ممكنة! هكذا تحضر أربعة أفلام من أفريقيا ضمن المنافسة الرسمية هي «الجرح» للجنوب أفريقي جون ترنغوف الذي أطلق عليه النقاد اسم Moonlight الأفريقي تيمناً برائعة الأفريقي الأميركي باري جينكنز.

ينتزع الشريط تلك الهالات التي تحيط ببعض طقوس القبائل الأفريقية المحلية المتعلّقة بتهيئة الشباب اليافعين للدخول إلى عالم الرجولة. يرافق الفيلم العامل الوحيد كسولاني الذي يقرّر الانصراف إلى عشيرته المقيمة في جبال كايب الشرقية. نحن أمام قصة حب مثلية في أحد معاقل الرجولة الصرفة، تثير قضايا واشكاليات تتعلّق بالرجولة والهويات الجنسية والمثلية. في باكورته الروائية الأولى «ولاي»، بعد سلسلة وثائقيات، يعرّج المخرج السويسري البوركينابي بيرني غولدبلات على ثيمات الهوية والانتماء. بطله هو المراهق أدي، الذي يستدعيه والده من فرنسا (بلد أمه) للعودة إلى بوركينا فاسو. لن تسلم عودته من ضياع بين البلدين وأسئلة كثيرة حول جذوره وانتمائه. في المهرجان سيفتتح شريط المخرج الكاميروني جان بيار بيكولو الجديد «الأسلحة الخارقة» الذي تدور أحداثه في بلاد متخيلة تسمى «الدولة الحرة» تعيش فيها ثلاث نسوة من هويات مختلفة يجمع بينهن رجل محكوم عليه بالإعدام. المخرج الغيني الفرنسي آلان غوميس يشارك بـ «فيليسيتي» الذي يحمل اسم بطلة الشريط. من منطلق نسوي يقدّم بطلته المغنية في إحدى بارات السينيغال التي تعيش حياة حرةّ ستنقلب رأساً على عقب مع الحادث الذي يتعرّض إليه وحيدها. بعيداً عن الغناء الموسيقى ستجد نفسها في الشوارع تفعل المستحيل لإنقاذه. أما المخرج البرازيلي المقيم في الموزمبيق منذ زمن فيقدّم شريط «قطار الملح والسّكر» الذي يتتبع الحرب في الموزمبيق من زاوية انسانية من خلال المضايقات والاعتداءات التي يتعرّض لها الركاب المواطنون من الجنود غير المنضبطين في فوضى الحرب. إلى جانب الأفلام الروائية الطويلة هناك «مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة» التي يتنافس أربعة عشر فيلماً من العراق ولبنان وفلسطين وتونس، والجزائر والمغرب وسوريا وغيرها من البلدان، بالاضافة إلى «مسابقة الأفلام الوثائقية القصيرة» التي تضم ثمانية أعمال، وخمسة عشر في «مسابقة الأفلام الروائية القصيرة». الحصيلة النهائية للأفلام المشاركة هي 180 فيلماً من بينها تلك المشاركة في «تحت المجهر» للسينما الجزائرية و«سينما العالم»، و«سينما أميركا اللاتينية» و«سينما آسيا» و«قرطاج سينما الواعدة» و«نظرة على السينما التونسية» إضافة الى أفلام خارج المسابقة الرسمية مثل «ميل يا غزيل» للبنانية إليان الراهب و«خارج الإطار من فلسطين» للفلسطيني مهند يعقوبي و«أخضر يابس» للمصري محمد حماد من مصر و«عرق الشتاء» للمغربي حكيم بالعباس.
ومن التقاليد التي تميز «أيام قرطاج السينمائية» اهتمامها بالمنتجين وحرصها منذ التسعينات على ربط جسور التواصل بينهم من خلال سوق للمشاريع. ضمن هذا التوجه، فتحت إدارة المهرجان الباب منذ أسابيع لقبول مشاريع الإنتاج للشباب وتأمين فرص للقاء بينهم وبين المنتجين المشاركين في المهرجان من الدول العربية والأوروبية تحديداً ضمن «قسم تكميل» الذي يشبه ورشة إنتاج للمشاريع التي لم تكتمل أو التي لم ينطلق إنتاجها بعد. وعبر هذه «السوق» نجح في السنوات الأخيرة عدد من المخرجين التونسيين الشباب في إنجاز أفلام طويلة وقصيرة ووثائقية وروائية لأن اللقاء مع المنتجين ليس متاحاً دائماً خارج المهرجان. على برنامج المهرجان العريق أيضاً ندوات ومواعيد من بينها ندوة فكرية حول «النقد السينمائي في زمن مواقع التواصل الاجتماعي: الفرص والتحديات».
__
انسيرت:
تقدم كوثر بن هنية خطاباً نسوياً ناضجاً في «على كف عفريت»