كان الكبار يمثلون المحك الذي يحدد لنا ما نؤمن به، نقبل ما يقولونه بحرارة أكبر حين نؤذي أنفسنا، فكيف لنا أن نعرف أن القُبلة لا تقوم مقام الضماد اللاصق؟ أخبرونا بأن الشمس ستصبح حزينة إذا لم نذهب إلى اللعب وسمعنا قصص القطارات التي تتكلم والفيلة التي ترتدي أزياء غريبة في الحفلات والرياح الشريرة التي تهب حين نجمع بعض الكراسي ونضعها في المطبخ ونتظاهر بأننا في طائرة ذاهبة إلى إيطاليا.


ترتدي الأم وشاحاً كبيراً وتضع دميتك في حقيبتها ويرتدي الأب قبعة الكابتن كي يتصل ببرج المراقبة «حالة طوارئ يبدو أننا قد ضللنا الطريق. لا نرى أرضاً يابسة. أكرر لا نرى أرضاً يابسة».
ينمو التظاهر والخيال ابتداء من الوقت الذي تأخذ فيه رشفة من كأس فارغة بتلذذ واضح أو تتظاهر أنك تمسك ببالونات لا وجود لها. حين تتحول فجأة إلى قطة أو بائعة لبن أو تقف أمام محل يتكون من سلة ملابس مقلوبة. لن تتخلص من لعنة العرائس وقطع الأثاث المُصغّرة، يوماً ما وأنت تنجز بعض الاختبارات الشخصية (كاختبار رورشاخ) ويُعرض عليك مثلاً بقعة من الحبر أو صور غير واضحة ويطلب منك أن تفسر ما تراه، سوف تلمح ذلك الفيل الذي يزرّر معطفه ليلتحق بحفلة في إيطاليا. وقبل أن تستسلم للنوم، ستتذكر حكاية الصيّاد الذي أفنى سنوات صباه في تعلّم قتل التنانين، ولكنه لم يجد أي فرصة ليطبّق ما تعلّمه.
تغادر الطفولة وتترك أوراق اللعب بين يديك حتى لو تعلمتَ حل المعادلات الرياضية الرباعية وصرت موظفاً يسير منحنياً تحت ثقل خشبة المحراث أو مغني روك أو قاطع طرق موثقاً بالسلاسل في سجن ستيرلينع..
هذا السجن الواقع على بعد 200 كلم شمال شرق دنفر، يستضيف أسوأ مجرمي ولاية كولورادو، لصوص وسفاحون وأوباش يتحلقون كل يوم حول طاولة في غرفة معيشة مشتركة - مثل فرسان المائدة المستديرة - ليلعبوا لعبة «سجون وتنانين» Dungeons & Dragons وهي لعبة أدوار اخترعها غاري غايغاكس ودايف ارنسون عام 1970، ولعبها أكثر من عشرين مليون شخص حول العالم.
مسار اللعبة وقوانينها يحدده ماستر الـ «D&D» الذي يستعين بكتيبات التعليمات المرفقة كي يختلق عوالم وقصصاً وعقبات للاعبين. لكن سجناء ستيرلينغ يفضلون الاعتماد على مخيلاتهم المتقدة وحدها، يختارون شخصيات خيالية ـ يتم تحديد خصائصها عن طريق القرعة- فيتصور أحدهم أنه بحّار هبط في جزيرة غريبة طفت فجأة من قلب البحر، يجد فيها مدينة ذات أحجار ضخمة محفورة «بهندسة غير أرضية» ويذهب آخر إلى حقل بعيد حيث يلتقي امرأة برصاء تلد طفلاً مخيفاً مشعراً يكتمل نموه ويصبح رجلاً بالغاً خلال ست دقائق.
هذه الجلسات التي تخيم عليها الأجواء الرطبة لقصص لافكرافت وإدغار آلان بو، تستمر لثلاث ساعات كل يوم، توحّد لاعبين من أعراق واثنيات مختلفة، في هيأة محربين ورهبان ووحوش أسطورية. واللافت أن أغلبهم يختارون الدفاع عن الخير، وإن بخناجر مسمومة وأسهم ودروع فولاذية وخُوذ مُسننة خطرة.
ألم يخبرونا ونحن صغار أن أولئك الذين يتمتعون بخيال خصب لديهم القدرة على الجلوس في مكان واحد والانتظار وقتاً أطول من زملائهم أصحاب الخيال المجدب؟