نواصل نشر نصوص وردتنا من مثقفين ومبدعين وأصدقاء للشاعر اللبناني، بعد التجربة الصعبة التي مرّ بها. صاحب «زوّار الشتوة الأولى» تشهد حالته الصحيّة تحسّناً تدريجياً، ومن المتوقّع أن يغادر المستشفى قريباً


جميلة حسين *
«حين تتقدّس الكراهية... حين يظن المثقف نفسه أنّه الله»، مقالة قرأتها في جريدة «السّفير» عام 2008 لعباس بيضون، في وقتٍ كان فيه الغليان السياسي سيّد الموقف، ولغة التخوين المتبادلة خبزاً يومياً. فلا بأس باستنشاق فكرة من هنا، والارتشاف من كأس اتهامٍ محلّاة بالصراخ، ومزيّنة بـ«قلوبات» توقّع عودة الاغتيالات والانفجارات.
معمعة مدوّخة أودت بنا إلى القرف، وأصبح التواصل بيننا شبه مفقود. تصوّروا مثلاً أن امرأة مسلمة متزوجة من رجل مسلم لكن من غير مذهب، تقول بعد ثلاثين سنة على زواجها: «إللي بيتزوج من غير مِلتو بيموت بعلتو». هذا عدا عن انقسام طلاب المدارس والجامعات، حيث انسحب ذلك على كيفية توزّعهم على المقاعد... إلى أن قرأت مقالة عباس بيضون عن المثقف الذي أوصله غروره إلى أن يظن نفسه الله. مقالة تعرض لمسألة الكراهية والتخوين المجاني. جاءت المقالة في وقتها، فما كان مني إلّا أن اعتمدتها موضوع الدرس. وزّعت الأوراق على التلاميذ، فسألوني «من هو عباس بيضون؟... لم نسمع به من قبل».
طرحت تلك المقالة للنقاش لأكثر من سبب: أردت أولاً تعريف تلاميذي إلى كاتب اسمه عباس بيضون، الشاعر والمفكّر والكاتب. وفكّرت ثانياً: لعلّ ما كتب بيضون يسهم في تخفيف حدّة التشنج لدى تلاميذي، وينمّي فيهم روح النقد والتحليل.
هكذا كان مدخلي إلى عباس بيضون وتعرّفي الشخصي إليه، وأنا التي تعرفه منذ سنين طويلة عبر شعره الذي لا يشبه شعر أحدٍ من مجايليه. يشبهه وحده، بفكره وحدّته وقساوته وعبثيته وابتعاده عن العاطفة الظاهرة والمباشرة المعروفة... وذات يوم التقيت بعباس مصادفة في الطريق، يمشي ورأسه محنيّ صوب الأرض. أخبرته بما فعلت بمقالته. وكانت مناسبة لأبلغه إعجابي بكتاباته. قلتُ له: «بمقالة واحدة، كنت أشدّ تأثيراً مع تلاميذي من مناهج عام دراسي كامل». وطبعاً دهشتُ لتواضع ذلك الشخص الممتلئ ثقافة وظرافة. هكذا أصبحنا أصدقاء، عباس وأنا. أستشيره في أمور الكتابة والشّعر والنشاطات الثقافية، هو المقيم في الحي نفسه الذي أقيم فيه، لا تحلو جلسة الأصدقاء من دونه.
عباس بيضون الذي يرسم مساراً في الثقافة اللبنانية، الشاعر الملتقط الإشارات، والرجل العبثي المتّهم بالسهو والنسيان، يكتب بدقّة فائقة، وتحمل نصوصه أبعاداً بوليفونيّة. لكَم كنت أعجب لشروده ومشيته الضائعة في حيّنا. لا يلحظ من حوله، ويكتب عن كلّ ما حوله. لا يسمع من يناديه، لكنه يلتقط كلّ الأفكار والإشارات العابرة في الجوار.
عباس بيضون، عليك أن تعرف أنه ليس في مقدورك أن تنهزم، ما زال الوقت مبكراً لذلك. بحاجة نحن إليك وإلى ينبوعك الدفّاق شعراً ونقداً وضحكاً وإبداعاً.
ليس في مقدورك أن تضيف عبوساً على المشهد القاتم يا عبّاس. أقولها لك الآن، أتجرّأ على ذلك بعد أن تخطّيت الخطر، وفتحت عينيك مفتّشاً عن محبيك وهم كُثُر. أنت من يفرش جلساتنا شعراً وسخرية من حياة مهدّدة، سماؤها ملبّدة بالبكاء. عليك أن تتجرّع الوقت بكميات إضافية وكبيرة من الشفاء، لأننا في انتظارك، وانتظار ما ستكتبه بعد تجربتك مع ما يشبه «الموت»، كما فعل كتّاب بارزون بينهم محمود درويش بعد خروجه من موته الأول.
لا تترك المقعد طويلاً ينتظرك. البطاقة لك. التقطها جيداً، وعُدْ إلى قرّائك مع كل النصوص التي تنتظر أن تخرجها إلى النور...
* رئيسة «حلقة الحوار»



جنبلاط والفأل الحسن

عباس بيضون في حالة تحسّن ملموس، بدأ يتعافى من آثار صدمة السيّارة التي تعرّض لها قبل أسبوعين على جسر فؤاد شهاب في بيروت. بعد نقله من غرفة العناية الفائقة، استعاد الشاعر اللبناني نشاطه في القراءة اليوميّة. ونظراً إلى تجاوبه مع العلاج، وعودته إلى تناول الطعام طبيعياً، فإنّ الأطباء يفكرون في إمكان مغادرته المستشفى ونقله إلى منزله خلال أيام. صاحب «مقعد لشخصين» يستقبل الزوّار في غرفته في المستشفى، وقد زاره أول من أمس، للمرة الثانية، النائب وليد جنبلاط، وأهداه رواية ساراماغو «سنة موت ريكاردو ريس».