قاسم قصير

عن مؤسسة «الفكر الإسلامي المعاصر للدراسات والبحوث» و«دار الملاك»، صدر كتاب «أدبيات التعايش بين المذاهب» للعلامة السعودي الشيخ حسين علي المصطفى. وقد أهداه إلى المرجع الراحل السيِّد محمد حسين فضل الله بعبارات جاء فيها: «أيها المعلِّم الذي جاء ليعبِّر عن وجوده في عالمنا من خلال إنسانيته وحضارته وعالميته، فتح للوحدة رمزاً وللتعايش قيمة وللحب مساحة وللحرية متنفساً... إنَّه فضل الله وما هذه الصفحات إلّا حبَّات اقتُطِفَت من خطاه».
ينطلق الشيخ حسين المصطفى في كتابه من الحديث عن ظاهرتين خطيرتين تجتاحان العالم هما «ظاهرة التشهير والتسقيط بين المسلمين، وثانيهما اجتياح ظاهرة التكفير من بعض الجماعات».
وبعد التحدّث عن تفاصيل هاتين الظاهرتين، ينطلق لوضع الأسس العملية لمواجهة مخاطرهما من خلال ما يسميه «فقه أدب التعايش». ويعرض كل الإشكاليات الفكرية والقانونية والعقائدية التي تؤدي إلى «تكفير الآخر» والتعاطي معه بطريقة سلبية، ويرد على كل الأسس التي يستدل بها بعضهم لمواجهة الآخرين. ثم يصل إلى النتيجة التي تحدث عنها المرجع السيِّد محمد حسين فضل الله (ص 75)، فيقول: «إن الذين يستسهلون طريق القتل حتى ضد المسلمين يعيشون في حالة من الفوضى المفاهيمية التي غالباً ما تقود إلى فوضى سياسية وعسكرية وأمنية، تجعلهم يسفكون الدماء داخل المجتمع الإسلامي بدم بارد، (...) وعمليات القتل تختلف تماماً عن العمليات الاستشهادية التي تطلق في مواجهة الاحتلال.

يقدّم المؤلّف نماذج مضيئة في العلاقة بين المذاهب
من هنا، فإن ظاهرة التكفير التي تتحرك في أكثر من سياق وبعيداً عن الموازين الشرعية والإنسانية، قد استطاعت أن تصنع واقعاً مدمراً في العالم العربي والإسلامي. كذلك فإنها أعطت الفرصة للمستكبرين في العالم لكي يتحرك عنوان الحرب على الإرهاب في طول العالم وعرضه». وفي مواجهة حالة التكفير، يقدم الكاتب مجموعة من الأفكار العملية التي تؤكد احترام التنوُّع الفكري، والعمل الجدي للتقريب بين المذاهب ومعالجة الخوف المتبادل والإحباط الموجود لدى البعض.
وفي القسم الثاني من الكتاب، يتحدَّث عن «التعايش ووحدة الوطن»، فيما جاء القسم الثالث بعنوان «التعامل مع الاختلافات». وأهمية هذا القسم أنَّه يقدم أفكاراً عملية وتطبيقات ميدانية كفيلة بتجاوز الكثير من المشاكل في الواقع الإسلامي.
وفي القسم الأخير، يقدِّم المؤلف تحت عنوان «لوحات مضيئة» نماذج عن التعايش الحقيقي بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين أتباع الديانات الأخرى. وفي اللوحة الأولى، نقرأ نص وثيقة المدينة المنورة التي أعدها الرسول للتعايش بين المؤمنين والمسلمين واليهود من قريش ويثرب. واللوحة الثانية هي نموذج التعايش المذهبي في الدولة الحمدانية. واللوحة الثالثة دراسة عن التعايش المذهبي بقلم مفتي مصر العلامة الدكتور علي جمعة.
من خلال عرض هذه اللوحات، يؤكد المؤلف إمكان تطبيق الأفكار التي طرحها عن التعايش وإدارة الاختلافات، سواء بين المسلمين أنفسهم أو بينهم وبين غيرهم من أتباع الديانات الأخرى. في الخلاصة، يمثّل الكتاب دليلاً ميدانياً وعملياً لإدارة الاختلافات وتجاوز ظاهرة التكفير ومعالجة الظواهر السلبية التي يُعانيها عالمنا الإسلامي بسبب الخلافات المذهبية.