في تقرير المصارفات التشغيلية الذي نشرته وزارة التربية، أخيراً، على صفحتها الإلكترونية، جزء متعلق بعقود التلزيم بغرض الترميم، التي حصلت في عام 2022، ومقارنتها مع عقود سابقة من برنامج S2R2 (برنامج التعليم لجميع الأطفال)، وهبات أخرى وصلت إلى وزارة التربية لأغراض الترميم.

التلزيمات المذكورة في جدول الوزارة شملت ترميم 48 مدرسة، وهي محصورة بعدد محدود من الشركات، وموزعة بحسب المحافظات: البنيان (6 مدارس في جبل لبنان)، دنش (8 مدارس: 4 غير محدد و4 في جبل لبنان)، إعمار (5 مدارس في الشمال)، فرحات (5 مدارس في جبل لبنان)، هايكون (12 مدرسة: 9 في الشمال و3 في النبطية)، إيزوباك (5 مدارس في جبل لبنان)، سبكترا (3 مدارس في البقاع)، تاسك للهندسة (4 مدارس في بيروت). مجموع العقود يبلغ 32.5 مليون دولار ويراوح ترميم المدرسة الواحدة بين 500 ألف دولار ومليون دولار، فيما المتوسط العام للترميم يبلغ 677 ألف دولار، علماً بأن ملكية المدارس المرمّمة تعود إلى الدولة اللبنانية.
في مشروع S2R2، تقرير يحمل الرقم Report No. 108014-LB، ومنشور على موقع البنك الدولي، يحدّد كلفة البناء الجديد والترميم والتوسعة، ويفنّد متوسط كلفة بناء مدرسة بـ 2 مليون دولار، بحسب حجم المدرسة وموقعها وملكية العقار، و235 ألف دولار لتوسعة البناء، و347 دولاراً لترميم المتر المربع.
اللافت أن شركة "هايكون" رمّمت أيضًا مبنى دار المعلمين - بئر حسن بعقدين: واحد أساسي، وآخر ملحق، من الهبة بقيمة 348 ألف دولار و58 ألف دولار وهو مبنى كبير (مرجعهما SHW001-S2R2- A1 ) قبل نهاية 2021.
الفارق بين تلزيمات هايكون من الهبة، والتلزيمات من القرض، والفروق الكبيرة في قيمة التلزيمات، هو أنه قبل نهاية كانون الأول 2021 كان هناك مكتب ائتماني في الوزارة مكوّن من ممثلين عن الجهات المانحة يراقب سير الصرف والعقود والتلزيمات وغيره من آليات الرقابة، إلا أنه مع نهاية المدة الرسمية للهبة TF-0A4753LSCTF في أواخر العام 2021 توقف المشروع رسمياً، وبالتالي العمل بوحدة التعليم الشامل وكلّ الوحدات الرقابية مثل المكتب الائتماني والتدقيق المحاسبي المستقل والمكتب الهندسي في المشروع، علماً أن المشروع لا يزال قائماً بفعل التمديد (حتى شباط 2024 هو لإنجاز بعض الأنشطة لتجريب المناهج الجديدة التي تعثّر تنفيذها بسبب الإغلاق والاضرابات).
لذا، من الطبيعي أن يكون لدينا شكوك في تلزيم 48 مدرسة في غياب الآليات الرقابية المعتمدة، لكون تكلفة الترميم وقيمة التلزيمات المحدّدة في جدول الوزارة المنشور تمثّل بين ضعف وثلاثة أضعاف تقديرات البنك الدولي، في حين أن ترميم مبنى دار المعلمين في بئر حسن يقترب من تقديرات البنك الدولي إلى حدّ كبير لكون التلزيم حصل بعناية المكتب الائتماني الذي حدّد سقوف كلفة الترميم للمدرسة.
وفي مراسيم لهبات مختلفة لوزارة التربية لأغراض الترميم والتجهيز من جهات مانحة، يتبيّن أن كلفة ترميم وتجهيز معهدين تقنيين في ببنين ودير عمار بلغت 210 ألف دولار (المرسوم 3179 العدد 18/2016)، كذلك هبة بقيمة 234 ألف دولار لترميم وتجهيز معهد برقايل التقني (المرسوم 38 العدد 14/2017) وهبة من الحكومة السويسرية لترميم مدرستين رسميتين في بلدة معركة بقيمة 500 ألف دولار (المرسوم 9471 الجريدة الرسمية العدد 53/2012).
هذا يعني أن متوسط كلفة الترميم للمدرسة الواحدة يراوح بين 100 و250 ألف دولار للمدرسة كحد أقصى، علماً أن غالبية المدارس الرسمية كانت تقوم بعمليات الترميم الجزئية على نفقة صناديق المدارس بكلفة أقلّ من ذلك بكثير.
وبحسب المسح الشامل لمشروع دراستي عام 2012، والمحدّث في عام 2014، فإن الدولة تملك 548 مدرسة وثانوية من أصل 1281، أي 42% من المدارس الرسمية. وقد خصّص مشروع دراستي 1 هبة بقيمة 75 مليون دولار للمسح وأعمال الترميم بتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID بين الأعوام 2010 و2015، وأنجز قسم كبير من أعمال الترميم حسب أولويات الضرر، علمًا أن قرضًا إضافيًا من البنك الدولي للإنشاء والتعمير أُضيف على منحة مشروع دراستي 1 بقيمة 54.3 مليون دولار (40 مليون دولار قرض، و14.3 مليون دولار مساهمة حكومية) لاستكمال الترميم بين الأعوام 2011 و2017 (مرجع القرض البنك الدولي :LOAN NUMBER LE-7010 ). إلى ذلك، حصلت وزارة التربية بين الأعوام 2010 و2018، على قرض من البنك الإسلامي للتنمية بقيمة 75 مليون دولار (قرض ملحق بالمرسوم 1039 العدد 52/2014) مخصص لإنشاء وبناء مدارس في بيروت. يضاف إليها في عام 2017 قرض البنك الدولي IDA بقيمة 100 مليون دولار (حُوّل منها 25 مليون دولار قبل الأزمة وأصبح لولار، قيمة القرض اليوم 71 مليون دولار فريش)، وقد خصّص 70% منه لبناء وتوسعة وترميم مدارس رسمية، وذهب عدد من الهبات الصغيرة لترميم مدارس ومعاهد تقنية.
بلغ مجموع قيمة القروض والهبات المخصصة للبناء والترميم والتوسعة نحو 300 مليون دولار (راجع الملحق رقم 2- كلفة التعليم في لبنان، مركز الدراسات اللبنانية، 2023)
يضاف إلى هذا المبلغ ما خصّصه مشروع RACE2، ولا سيما ما تخصّصه منظمة اليونيسف لتغطية نفقات التلامذة اللاجئين في مدارس بعد الظهر، والمتمثلة بتغطية كلفة تعليم التلميذ كاملـة بقيمة 600 دولار أميركي عـن كل تلميذ فـي دوام بعــد الظهر موزّعة على الشـكل الآتي: 340 دولاراً أميركياً للرواتــب والأجــور، 160 دولاراً لصنــدوقَي الأهــل والمدرسـة، 100 دولار للترميـم والصيانـة، وقد بلغ متوسط ما دفعته اليونيسف بين عامي 2017 و2021 100 مليون دولار سنوياً، من ضمنها ما تدفعه عن تلامذة قبل الظهر والذي يشمل فقط الرواتب وصندوقَي الأهل والمدرسة. كما جرت العادة، كان على المدرسة الإفادة من دعم الصناديق لترميم المدرسة وللأعمال الكبرى الإفادة من مبلغ 100 دولار عن كلّ تلميذ لاجئ للترميم أو التوسعة. وكان عدد المدارس العاملة في دوام بعد الظهر 358 مدرسة رسمية مملوكة من الدولة من المفترض أن تكون ترممت بشكل كامل قبل نهاية 2021.
كذلك نذكّر بأن اليونسكو واليونيسف وغيرهما من الجهات المانحة رممت المدارس الرسمية التي تضررت في انفجار مرفأ بيروت. واستناداً إلى تقديرات البنك الدولي لكلفة الترميم، كان المفترض بـ 300 مليون دولار من أموال المنح والقروض والهبات، يضاف إليها نحو 100 مليون من دعم اليونيسف لصناديق المدارس والترميم، أن تبني ما يقارب 150 مدرسة جديدة، وترمّم ما تبقى من مدارس غير مرمّمة مع فائض كبير. فعلى سبيل المثال، كان يفترض بقرض البنك الإسلامي للتنمية الذي بلغت قيمته 75 مليون دولار أن يبني أكثرمن 30 مدرسة جديدة في بيروت منذ عام 2010، فهل لاحظ سكان بيروت بناء هذا العدد من المدارس خلال السنوات العشر الماضية؟
وفي العودة إلى جدول الوزارة، واستناداً أيضاً إلى تقديرات الجهة المانحة، أي البنك الدولي واستناداً إلى هبات ومراسيم ترميم وتجهيز سابقة، فإن 32 مليون دولار هي كفيلة بترميم ما لا يقلّ عن 160 مدرسة رسمية مهما كان حجم الضرر فيها، وليس 48 مدرسة كما هو محدّد في العقود. لكن الواقع أن 358 مدرسة من أصل 548 مدرسة التي تستقبل التلامذة اللاجئين المملوكة من الدولة المرممة بتمويل من اليونيسف عبر مشروع RACE2 إضافة إلى المدارس التي رمّمتها اليونيسف بعد انفجار بيروت كان قد تم ترميمها، لم يبق (نظريًا) مدارس بحاجة إلى ترميم سوى عدد محدود، وكان يتوجب على الدولة إنفاق هذه المبالغ في عقود مبالغ بها لصرف القرض وقد يكون بعضها لا يحتاج إلى ترميم بل مجرد عملية إنفاق لأموال القرض وتلزيمات وهمية.

* باحث في المركز اللبناني للدراسات