في آخر المراسيم التي وقّعها رئيس الجمهورية، رفع بدل النقل للعاملين في القطاع العام إلى 95000 ل.ل. عن كل يوم عمل فعلي. إضافة إلى مساعدة اجتماعية، ليست من أساس الراتب، حدّها الأدنى خمسة ملايين ليرة لبنانية وتصل إلى 12 مليون ليرة بحسب قيمة الأجر.

وبحساب سريع لبدل التنقل اليومي لأحد الموظفين العاملين في قصر عدل بيروت، سألنا توفيق الذي يسكن بالقرب من صيدا ويغادر منزله في الخامسة فجراً مستقلاً سيارة أجرة إلى ساحة النجمة في صيدا (موقف الباصات) بتكلفة 60000 ل.ل. لينطلق بعدها بـ«الفان» إلى منطقة الكولا في بيروت بتكلفة 40000 ل.ل.، ومنها إلى قصر عدل بيروت بتكلفة 25000 ل.ل. بدل الـ«سرفيس». وبهذا يكون مجموع كلفة بدل النقل ذهاباً وإياباً عن كل يوم عمل فعلي 250 ألف ليرة لبنانية، أي بمعدل ثلاثة ملايين ليرة لبنانية في الشهر لثلاثة أيام عمل في الأسبوع.
تقول سهى، وهي موظفة في إحدى أقلام محكمة الجزاء، إن «طبيعة عملي ترتب عليَّ الحضور بشكل يومي، إضافة إلى أنني أحاول التخفيف عن زملائي والمناوبة بدلاً عنهم لأن سكنهم أبعد، ومن الصعب حضورهم بشكل يومي». وتضيف: «أنا صامدة لأن زوجي صاحب مهنة حرة ويغطّي معظم النفقات الأساسية في البيت، فراتبي ملك لصاحب اشتراك الكهرباء، ومشكلتنا ليست في قيمة بدل النقل فقط!».

(هيثم الموسوي)

ويجيب رائد بصراحة حول عدم مشاركته في الإضراب الذي أعلنه الموظفون سابقاً: «أنا أغطّي من البرّاني ما خسرته من قيمة راتبي لأتمكن من الاستمرار في تأمين متطلبات أسرتي، ولهذا السبب لم أشارك في أي إضراب ولن أشارك».
هذا «البرّاني» الذي أصبح أمراً طبيعياً -بموجب العُرف- لكنه جرم جزائي يعاقب عليه القانون (تصل عقوبة قبول الرشوة في قانون العقوبات من المادة 351 إلى المادة 356، إلى ثلاث سنوات حبس)، ساهم في رفع قيمة التقاضي أضعافاً مضاعفة، حيث وصلت في بعض الدوائر الرسمية إلى مبالغ خيالية، وبات الحصول على إفادة عقارية أمراً صعب المنال لدى الكثيرين.
مشقّة الوصول إلى مكان العمل في الظرف الراهن هو مسار غالبية الموظفين القاطنين خارج دائرة عملهم، المجبرين بحسب نظام الموظفين، على الالتزام بدوام العمل الرسمي وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12\6\1959
وذلك بالحضور اليومي إلى مراكز عملهم، من مساعدين قضائيين ومباشرين وكتبة وحجّاب وعاملي نظافة إن وجدوا. الأمر الذي لا ينطبق على القضاة لجهة الدوام اليومي في مراكز العمل، على الرغم من أنهم يخضعون لقانون الموظفين وقواعده كافة، باستثناء ما جاء في نص خاص من أحكام قانون تنظيم القضاء العدلي. (المادة 44 من المرسوم الاشتراعي رقم 150 تاريخ 16\9\1983 )
ولدى سؤالنا موظفين آخرين عن سبب عدم التزامهم بالإضراب أو بـ«الاعتكاف» -كما سمّاه القضاة- لتحقيق المطالب، كان الجواب أنّه من الصعب جداً الالتزام بالإضراب بشكل كامل لأسباب كثيرة، وللسياسة حصة الأسد فيها. كما أنّ بعضاً من الموظفين يتقاضى إكراميات تفوق راتبه شهرياً في بعض الأحيان، فيؤمّن بذلك احتياجاته التي لم يعد يغطّيها الراتب، فكيف سيشارك في الإضراب؟

ثقافة الفساد ضريبة مباشرة
ثقافة الفساد التي باتت ظاهرة (شبه طبيعية) في نظامنا ونهجاً كرّسته ذهنية «الرشوة المقنّعة» بتسميات مخفّفة كالإكرامية، إضافة إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة غيّرت آلية احتساب تكاليف الدعاوى والمعاملات العقارية على اختلافها. إذ لم تعد تقتصر على الرسوم وأتعاب المحاماة، بل باتت تتخطاها لتأمين نفقات قد لا يصدقها البعض، مثل تكلفة تأمين الطوابع من السوق السوداء، (طابع الألف ليرة غير موجود وبات إلزامياً شراء طابع من فئة 5000 لإلصاقه على أي مستند) وهذه زيادة غير مباشرة وغير قانونية للضرائب غير المباشرة.
وكذلك حال طوابع القضاة (التي تعود لدعم صندوق تعاضد القضاة) المختفية، من فئة الألف ليرة وحتى الخمسين ألف ليرة، والتي أُقرّت أخيراً في قانون الموازنة العامة للعام 2022 في المادة 99، وطباعة طوابع من فئة المئة ألف ليرة فقط خلافاً للقانون، لإجبار جميع المتقاضين على شرائها بسبب اختفاء الفئات الأخرى، وذلك لإتمام معاملاتهم تحت طائلة ردّها شكلاً.
مجموع تكلفة بدل النقل ذهاباً وإياباً عن كل يوم عمل فعلي 250 ألف ل.ل. أي بمعدل ثلاثة ملايين ليرة في الشهر لثلاثة أيام عمل في الأسبوع


تعتمد السلطة القضائية إذاً نهج السلطة السياسية، بفرض ضرائب غير مباشرة لتغذية صندوق تعاضد القضاة على حساب الشعب اللبناني الذي تحكم باسمه، بشكل غير قانوني.
(راجع القوس، «زيادة الرسوم القضائيّة من دون قانون»، عدد 17 كانون الأول 2022)
بالإضافة إلى طباعة الورق والتصوير وتكلفة التبليغات، التي لها حسابات خاصة ولم تعد تسمّى «مصاريف جانبية» لأنها باتت مصاريف أساسية ويحسب لها ألف حساب.

تخصيص باصات للموظفين؟
هذا الواقع الصعب للعاملين ضمن قصور العدل والذي ينعكس بشكل مباشر على المتقاضين، لن يسهّل عودة السلطة القضائية إلى العمل. كما أن تغذية صندوق تعاضد القضاة برفع قيمة الرسوم والطوابع، لا علاقة للمساعدين القضائيين به ولا لغيرهم من موظفي قصور العدل. إضافة إلى أن لا أموال في الصندوق الخاص بالموظفين لتحسين أوضاعهم أسوة بالقضاة. (نظام الصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين، مرسوم رقم 2151 تاريخ 21\1\1992)
مما لا يبشّر بعودة سريعة لانتظام عمل السلطة القضائية، بل بانتكاسة أكبر. إذ يأخذ القضاة مستحقاتهم ويعتكف الموظفون عن العمل لأنهم غير قادرين على الوصول بالحد الأدنى إلى أماكن عملهم، فهل من حلول أو مبادرات تخفّف من حدة هذا الواقع المأزوم؟
أليس بإمكان حكومة تصريف الأعمال التي استلمت باصات نقل عام من فرنسا، وأخرى مرتقبة من قطر، أن تفرز عدداً منها لنقل موظفي القطاع العام إلى مراكز عملهم لتخفيف عبء من الأعباء المرمية على صبر الموظفين لتسيير المرفق العام؟