من على مقاعد متّسخة لوّنت بسوادها ملابس القضاة في إحدى قاعات محكمة التمييز، اتّخذ قرار بـ«نصف إنهاء» للاعتكاف القضائي، عبر عودة القضاة إلى ممارسة عملهم بوتيرة أعلى من الحالية. ما يساوي 200 دولار أضيفت إلى رواتب القضاة هذا الشهر، كانت كفيلة بأن تطبع اجتماع الجمعية العمومية الثالثة للقضاة، أمس، بأجواء من التناغمِ بين مجلس القضاء الأعلى وغالبية قضاة لبنان حيال الاعتكاف القضائي، على عكس التنافر الذي حكم العلاقة بين الطرفين منذ بداية الاعتكاف قبل أربعة أشهر.

فقد نَجَحَ مجلس القضاء الأعلى هذه المرّة في تحديدِ تاريخ دعوة القضاة إلى جمعية عمومية، مقتنصاً فرصة صرف خمسة رواتب للسلك القضائي قبل أسبوع. إذ تقاضى هؤلاء، الخميس الفائت، راتب شهر كانون الثاني 2023، زائد راتبين عن شهر تشرين الأول الماضي، ومثلهما عن الشهر الجاري. جداول وزارة المالية للرواتب تضمّنت زيادة الرواتب وفق ما أقرّ في موازنة 2022 (ضعفا الراتب على أن لا تتعدى الـ12 مليون ليرة). هو ما يفسّر تقاضي أربعة رواتب إضافية عن الراتب المستحق لشهر كانون الثاني المقبل. وهذه كانت واحدة من ثلاث نقاط انتظرها القضاة لتحديد اتجاه اعتكافهم. لكن في الحسبة الإجمالية لا يتعدى اليوم راتب قاضٍ كبير من الدرجة الأولى الـ450 دولاراً. وتراوحت رواتب القضاة هذا الشهر بين حدّ أدنى هو 15 مليون ليرة وحدّ أعلى يقدر بـ 20 مليوناً (بين340 و454 دولاراً). بالمحصّلة زادت رواتب القضاة هذا الشهر ما يقارب الـ200 دولار. إلا أنها «زودة» من خارج أساس الراتب، وقيمتها تتبدّل من شهرٍ إلى آخر. علاوة على ذلك، تقاضى القضاة من صندوق التعاضد الخاص بهم، وللشهر الرابع على التوالي، دفعات بالدولار تراوحت قيمة كل منها بين 500 و1000، وفقاً لدرجة كل منهم. هي كناية عن مِنَح كان الصندوق يصرفها لمصلحة القضاة بشكلٍ فصلي، قبل أن يحوّلها إلى مساعدات اجتماعية شهرية لتسديد جزءٍ من فواتير الدراسة والاستشفاء تماشياً والظروف الراهنة. وتمويلها يتم عبر سلفة خزينة، تلقى منها الصندوق لغاية الآن دفعتين، الأولى بقيمة 35 مليار ليرة والثانية بقيمة 20 ملياراً. إلا أن كل هذه التقديمات و«الزودات» لا تتسم بالاستمرارية. وهنا تكمن المعضلة الأساس التي يجري العمل لحلّها ضمن آلية معيّنة قيد البحث.

اتفق على أن يعود القضاة إلى محاكمهم تبعاً لتقديراتهم الشخصية لظروفهم


مقابل ذلك، تمنّى مجلس القضاء الأعلى على الجسم القضائي توسيع نطاق عملهم. وهم بدورهم تفهّموا الدعوة وسيلبّونها. علماً أن الاعتكاف القضائي يشهد منذ البداية استثناءات لملفات معيّنة كملفات الموقوفين. الجديد أن مروحة الاستثناءات توسّعت. واتفق على أن يعود القضاة إلى محاكمهم، تبعاً لتقديراتهم الشخصية لظروفهم، ضمن الإمكانيات المتاحة.
وإلى جانب تصحيح الوضع المالي، وعلى مدى ساعة، تباحث 200 قاضٍ من أصل 600 حضروا الجمعية العمومية، بقانون استقلالية السلطة القضائية الذي دون إقراره معوقات جمّة. وكذلك حضر الوضع المعنوي للقضاة على طاولة النقاش، بعد الحملات المناهضة لاعتكافهم وتحميلهم مسؤولية الضرر اللاحق بالمتقاضين. وفي هذا الصدد عبّرت القاعدة القضائية عن استيائها من كلام نقيب المحامين ناضر كسبار، حيال الاعتكاف القضائي، وتهديده لهم بالشكوى أمام المنظمات الدولية. كما لم تغب عن النقاش الأوضاع المزرية لقصور العدل.