مع غروب الشمس يلبس شارع الحمرا ثوباً آخر لا يشبه ذاك الذي طالما عُرف به. تغيب الألوان كلياً عن «شانزيليه» بيروت الستينيات والسبعينيات ليغرق، مع متفرعاته، في ظلام دامس. دور السينما والمسارح ومقاهي المثقفين غادرت الشارع منذ وقت طويل قبل الأزمة، مع روادها الذين تركوها لرواد من نوع آخر: متسوّلات وبائعات ورود... وبائعات هوى معظمهن دون السن القانوني يزرعن أرصفة الشارع جيئة وذهاباً.

«موسم سياحة يا عمي»، يجيب نادل في أحد مقاهي الشارع مبتسماً، مشيراً إلى مجموعات من الشبان يتسكعون في الشارع. «أول سؤال بيكون: وين النسوان؟»، يقول، لافتاً إلى أن الشارع شهد هذا العام إقبالاً كبيراً من سياح عرب، خصوصاً بعدما وفّر لهم هبوط سعر صرف الليرة قدرة شرائية أكبر بدولارات أقل، وشعوراً بأن في إمكانهم، حرفياً، شراء «أي شيء». هذا ما تشير إليه إحدى الفتيات القاصرات ممن يبعن الورود، مؤكدة أنها ضحية تحرش جنسي «يومياً». إذ إن «رجال كتار بيمسكوني وبحطوا إيدهم على جسمي. أوقات بهرب، وأوقات بخليه ليعطيني مصاري مشان أقدر إرجع فوت على البيت». وتشير إلى أن كثيرين يعرضون عليها المال مقابل «خدمات» جنسية، «بس بخاف. ما بعرف لوين بيأخذوني وشو بيعملوا فيي. في كتير من رفقاتي هون بروحوا معهم على الأوتيل وبيرجعوا مدبّغين».

ظروف صعبة ومعاملة أسوأ
سوريات نزحن هرباً من الحرب ولبنانيات دفعتهن الأزمة إلى «النزول إلى الشارع». «صباح» التي نزحت إلى لبنان بحثاً عن عمل قادها «الضغط والتهديد» إلى ممارسة الدعارة. «الظروف لعبت دوراً، ومن مشكلة لمشكلة ثانية بتلاقي حالك علقت. من ميلة وجودنا هون غير قانوني وما فيك تشتكي، ومن ميلة تانية بدنا مصاري لنبعت لأهلنا»، ناهيك عن «الضرب من قبل المشغّل أو من الزبون يلي ما بينحكى معه لأن بعلمونا إنو الزبون دائماً على حق ولو أذانا». إذ يبدو أن بعض "الزبائن" لديهم اضطرابات نفسية وعقد جنسية تدفعهم إلى التعنيف والإيذاء.
وبما أن قانون العقوبات يعاقب من يمارس الدعارة، هل من العدل والإنصاف ملاحقة نساء تدفعهن ظروف صعبة إلى بيع أجسادهن لإعالة طفل أو توفير دواء لمريض؟ وفي المقابل، ألا يمكن لقوى إنفاذ القانون التحرك لدى الارتياب في وجود شبهة تجارة بالأشخاص وتسهيل الدعارة؟
«ما فينا نتحرك بلا شكوى» يقول أحد الضباط لـ«القوس». فرغم وضوح المشهد في شارع الحمرا، لا دليل لدى القوى الأمنية على نية لارتكاب فعل الدعارة أو الإتجار بالأشخاص. إذ تتحرك الضابطة العدلية بناء على شكوى مقدمة من قبل أفراد أو لدى وقوع جريمة مشهودة، أو عند وجود إشارة من قبل القضاء والنيابة العامة. علماً بأن ما يزيد المشكلة اليوم هو الاعتكاف القضائي المستمر واكتظاظ السجون.

بين الدعارة والاغتصاب والإتجار بالأشخاص
يعاقب قانون العقوبات اللبناني كل من مارس الدعارة ومن مارس مهنة تسهيلها واعتمد لكسب معيشته على دعارة الغير. فالفاعل أو المحرض على الدعارة يعاقب من شهر إلى سنة وبغرامة من 50,000 ل.ل. إلى 500,000 ل.ل. (مادة 523 من قانون العقوبات اللبناني). كل من استعمل امرأة برضاها لإغراء الغير يعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة لا تنقص عن نصف قيمة الحد الأدنى الرسمي للأجور (مادة 524 من قانون العقوبات اللبناني). أما عقوبة من سهّل ممارسة الدعارة فتختلف عن عقوبة من اعتمدها كمهنة في كسب معيشته. إذ يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من 20,000 ل.ل. إلى 200,000 ل.ل. كل من سهّل ممارسة الدعارة (مادة 526 من قانون العقوبات اللبناني). أما من اعتمدها كمهنة لكسب معيشته فيعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وبغرامة تُراوح بين الحد الأدنى للأجور وضعفه (مادة 527 من قانون العقوبات اللبناني).
كما يجرّم كل من جامع قاصراً أي الذي لم يبلغ الثامنة عشر من العمر بالاغتصاب. وقسّم القانون عقوبة الاغتصاب بحسب سن القاصر إلى ثلاث فئات:
من جامع قاصراً دون الخامسة عشر من عمره عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن 5 سنوات.
من جامع قاصراً لم يتم الثانية عشرة من عمره عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن 7 سنوات.
من جامع قاصراً أتم الخامسة عشر من عمره ولم يتم الثامنة عشر عوقب بالحبس من شهرين الى سنتين.
(مادة 505 من قانون العقوبات اللبناني).
في حين أن أي شخص يقدم على ممارسة المجامعة مع راشدة تم استغلالها وتهديدها على ممارسة الدعارة، ربما من خلال عصابة، وطلبت في ما بعد عدم المجامعة معه فقام بتهديدها وتعنيفها، يعاقب بجريمة الاغتصاب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل (مادة 503 من قانون العقوبات اللبناني). فمن مارس الدعارة (تحت التهديد أو بكامل ارادته) لا يلغي الاغتصاب.

رجال كتار بيمسكوني وبحطوا إيدهم على جسمي. أوقات بهرب، وأوقات بخليه ليعطيني مصاري مشان أقدر إرجع فوت على البيت


أما في ما يتعلق بالإتجار بالأشخاص نص قانون رقم 164 تاريخ: 24/08/2011 الذي التزم به لبنان منذ عام 2005 باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية «باليرمو») والبروتوكول الملحق بها المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص و«بخاصة النساء والأطفال»، وإصدار النصوص القانونية اللازمة لمنع ارتكاب جريمة الإتجار بالأشخاص وملاحقة مرتكبيها ومعاقبتهم، ووضع نظام قانوني لحماية ضحايا هذه الجريمة ومساعدتهم. وأُدخلت فعلاً تعديلات على قانون العقوبات بحيث بات يتضمن تعريفاً لجريمة الإتجار بالأشخاص على النحو الآتي: «اجتذاب شخص أو نقله أو استقباله أو احتجازه أو تقديم المأوى له، بهدف استغلاله أو تسهيل استغلاله من الغير، وذلك بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو الاختطاف أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا». وتعرّف عبارة الاستغلال على أنها تشمل إرغام المجني عليه على القيام بأعمال منافية للحشمة أو تعاطي الدعارة. ويفترض، بحسب القانون، عدم الأخذ بموافقة المجني عليه الذي لم يتم الثامنة عشر من العمر على هذه الأفعال. ويحدد القانون العقوبات بحق الضالعين بالإتجار بالبشر تبعاً لهوية الضحية وخطورة الوسائل المعتمدة لارتكاب هذه الجريمة.
واللافت أن لوزير العدل، بموجب القانون رقم 164/2011، أن يستعين بمؤسسات أو جمعيات متخصصة لتقديم المساعدة والحماية لضحايا جريمة الإتجار بالأشخاص. وتصادر المبالغ المتأتية عن الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وتودع في حساب خاص في وزارة الشؤون الاجتماعية لمساعدة ضحايا هذه الجرائم. وجاء بموجب القانون رقم 164 إضافة المادة 586 على قانون العقوبات اللبناني وجاء فيها شرح الإتجار بالأشخاص وشروطها والأفعال ضمن الإتجار بالأشخاص التي يعاقب عليها من ضمنها الدعارة واستغلال الدعارة. كما نص على عقوبة مرتكبي جريمة الإتجار بالأشخاص.



معاناة ما بعد الدعارة
هل الحياة قبل ممارسة الدعارة في ظل التهديد والتعنيف هي نفسها بعد النفاذ من عصابة الإتجار بالأشخاص؟
غالباً ما تعاني المرأة من شعور هائل بالذنب وكره الذات في مجتمع يصدر الأحكام من دون النظر في الوقائع، ما يجعل من دخول المرأة في علاقة زوجية وتأسيس عائلة أمراً معقّداً بحسب أستاذة العلوم النفسية علا البيطار، مشددة على أن «العلاج النفسي أكثر من ضروري لكي تتصالح المرأة مع الظروف التي مرت عليها لتتسنى لها إقامة علاقة جنسية مع شريكها وتأسيس عائلة».
أما الرجال الذين يلجؤون إلى العنف خلال العلاقات الجنسية فيكون ذلك «دلالة على مشكلة عميقة تتطلب علاجاً نفسياً أيضاً». إذ إن « للرجل في العلاقات الجنسية أداء واقعياً وآخر خيالياً (فانتازم). وللأداء الخيالي أثر سلبي على تصرفات الرجال خلال العلاقات الجنسية، وغالباً ما يطبق ذلك في العلاقات غير الشرعية».