تتفاقم المشكلات ويستمر انهيار قيمة العملة الوطنية وتنهار معها، شيئاً فشيئاً، مؤسسات الدولة، او ما تبقى من مؤسسات الدولة التي لم تشهد إصلاحات جدية منذ نهاية الحرب الاهلية.

في ظل الأزمة السياسية المتصاعدة مع اقتراب موعد انتخاب رئيس جمهورية في النظام الطائفي، وفي غياب خطة تعاف اقتصادي ومالي واضحة وقابلة للتنفيذ، تتسارع وتيرة تخريب القضاء في لبنان، وتصبح فرص حكم القانون نادرة والحق في المحاكمة العادلة مهدداً.
وكما في العلوم الطبيعية والقواعد الفيزيائية، لا بد من شيء يملأ الفراغ الذي يحدثه تعطل القضاء. ويبدو ان بعض عملاء المخابرات ومشغليهم ينالون حصة الأسد في بلد بدأت تحكمه شريعة الغاب من دون منازع.
فبعض «المخابرات» مثل الحشرات، تتكاثر بسرعة وتتحرك بخفّة وصمت وتتسلل بسهولة الى اضيق الأماكن وتخفي اوكارها، وهي آخر الكائنات التي يمكن ان تتأثر بالكوارث والأزمات. ومن بين الحشرات عقارب سامة وزواحف قاتلة وبعوض ينشر الأمراض والالتهابات بشكل يصعب تشخيصه ومعالجته طبياً.

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

وتلعب بعض أجهزة المخابرات، في بعض الأحيان، الدور الرئيسي في استثمار الفوضى لمصلحتها بينما تدعي الحفاظ على المصالح الوطنية وسيادة الدولة وحكم القانون.
وقد يكون من أسوأ فصول نشاط المخابرات وأكثرها ضرراً، عملها على تشويه الحقائق واطلاق احكام الإدانة وتوجيه الرأي العام من خلال تحكّمها ببعض الإعلاميين والصحافيين، وسيطرتها على نشر التسريبات وتعميم «الخبريات» والمعلومات المجتزأة احياناً والمضللة احياناً أخرى.
وقد تكون المخابرات من ابرز المستفيدين من تعطيل القضاء لأن ذلك يتيح لها التصرف بحرية مطلقة من دون حسيب او رقيب. ففي غياب القضاء، يتحكم رجال المخابرات بـ«الحقيقة» ويدينون من يشاؤون ويبرئون من يحلو لهم.
ويبدو ان في كل مؤسسة امنية وعسكرية في لبنان اليوم ضباطاً ورتباء مكلفون بمتابعة ومراقبة ما ينشر في وسائل الاعلام، ويبادر بعضهم بالتواصل مع بعض الإعلاميين بهدف «التشاور والتنسيق». هكذا تتحول بعض البرامج التلفزيونية وبعض المقالات في الصحف والمجلات الى تقارير أمنية مع بعض التعديلات التحريرية لمراعاة أصحاب المهنة.
الرقابة على عمل المخابرات يفترض ان تكون صارمة اكثر من الرقابة على أي جهاز او مؤسسة أخرى


والمخابرات يفترض ان تعمل في السرّ بينما في لبنان لا يقتصر الاستعراض على ارتداء البعض سترات دوّن عليها «مخابرات»، ولا على العضلات والسلاح الظاهر من تحت القميص والنظارات السود والسيارات غير «المنمّرة» وسائر المظاهر الميليشياوية، بل تنتشر بين الناس اخبار بأن فلاناً محسوب على الجهاز الفلاني بينما علتان محسوب على جهاز آخر، وهكذا يتمّ تقييم دقة الخبر. كلّ بحسب الجهاز الذي يعده وفيّاً لطائفته أو لحزبه أو لتياره... فصحيح ان المخابرات تبدو قوية، غير ان نظام المحاصصة الطائفية لا يقوى عليه شيء في لبنان.
المخابرات يفترض ان تعمل في السرّ، ويمكنها ان تفعل ما تشاء، وتعمم ما تشاء، وتحرّض ضدّ من تشاء، وتؤذي من تشاء، وتحمي من تشاء، في الظلام من دون ان يدري احد. وبالتالي، فان الرقابة على عمل المخابرات يفترض ان تكون صارمة وجدية ودقيقة اكثر من الرقابة على أي جهاز او مؤسسة أخرى، خصوصاً في ظل الازمات الحادة التي يمرّ بها لبنان.
للمخابرات وظيفة الاستعلام والتحرك من اجل الحفاظ على المصالح الوطنية لا لخدمة طرف او جهة او جهاز او طائفة أو مصلحة شخصية.