من دون ضجّة، «أنتجت» الجماعة الإسلاميّة أمينها العام الجديد، بعد أكثر من 6 سنوات قضاها عزام الأيوبي على رأسها. طوال أشهر اعتصم المعنيون بحبل الصمت رداً على المزاعم التي أشارت إلى تحوّل الجماعة إلى «فصيل» في «الحرس الثوري الإيراني» أو أجنحة منقسمة على نفسها، ولتركيا حصة الأسد فيها.

انتظر هؤلاء قبل أن يكشفوا أمس عمّا في جعبتهم: الشيخ محمّد طقوش أميناً عاماً. الاسم شكّل مفاجأة للمتابعين، على اعتبار أنّه لم يكن متداولاً وهو من خارج النادي السياسي. إذ لم يتولّ طقوش يوماً متابعة الشؤون السياسيّة داخل الجماعة، ويندر «نبش» لقاء سياسي له، بل يُعد أقرب إلى شخصيّة فقهيّة - تربوية. يحمل «أبو البراء» شهادات عليا في الشريعة الإسلامية وتسلّم رئاسة الدائرة الدعويّة خلال السنوات الأخيرة، وهو تدرّج في مدارس الإيمان التابعة للجماعة من مدرّسٍ إلى أن تولّى لسنواتٍ طويلة إدارة فرعها في عرمون قبل تقديم استقالته وتفرّغه للدراسة منذ نحو 6 سنوات.
إذاً، لا خلفيّة سياسيّة لطقوش. استحالة «تشريحه» على طاولة المحاور الإقليميّة والداخليّة، تعكس رغبةً لدى الجماعة بأن تُفعّل «وجهها الفقهي» على حساب الوجه السياسي، بعد سنواتٍ من دخولها إلى قلب التفاصيل السياسية. الاختيار يبدو ذكياً، وفق ما يردّد متابعون رأوا أنّ
الجماعة، بضربةٍ واحدة، «نظّفت سجلّها» من «تهمة» الاقتراب من حزب الله أو احتسابها على الحصة التركيّة في المنطقة، ليؤكّد مسؤولوها أنّ لا جناح الحزب ولا جناح تركيا هما الغالبان بعدما اختاروا بعنايةٍ أميناً عاماً لا يُمكن إخضاعه لـ DNA سياسي. وهذا ما ينسحب أيضاً على اختيار الشيخ محمّد شاتيلا رئيساً لمجلس الشورى.
مع ذلك، لا يبدو أنّ الجماعة ستُعلن انسحابها من «الزواريب السياسية». بل على العكس، يشير البعض إلى أن طقوش الذي انتمى إلى الجماعة في بداية سنوات شبابه (العديد من أفراد عائلته من المشايخ والقضاة الشرعيين الذين تنتمي غالبيّتهم إلى الجماعة) وتنقّل بين مناصبها القياديّة، على اطّلاع على كل التفاصيل، ولو بقي لسنوات بعيداً من الأضواء السياسية.
وإذا كان بعض المتابعين يعتقدون أن اختيار طقوش جاء لقربه من الأيوبي وكي يبقى الأخير ممسكاً بمفاصل السياسة ما يعني أنّ أجندة الجماعة لن تتغيّر خصوصاً في ما يتعلّق بالعلاقة التي تطوّرت كثيراً في السنوات الماضية مع حزب الله، يؤكد آخرون أنّ الاعتبار الداخلي هو ما رفع أسهم طقوش بين منافسيه.

اختيار طقوش حتمه رص الصفوف الداخليّة على حساب الاعتبارات الخارجية


ولذلك، أجمعت غالبيّة أعضاء مجلس الشورى على اسمه (لا يقدّم المرشحون ترشيحاتهم علناً، وإنما يتم التوافق على المرشحين خلال مداولات جانبيّة)، لتخلص إلى انتخاب طقوش كأصغر أمين عام (مواليد 1973) للجماعة منذ تأسيسها.
هذا المعيار يعني أن أولويّة الجماعة حالياً هي رص الصفوف ومنع تكرار الخلافات التي حصلت في الولاية الأولى لأيوبي، خصوصاً أن طقوش «شخصيّة محبوبة وقريبة من الجيل الشاب لصغر سنّه، ويتمتّع بشخصيّة وسطيّة منفتحة على الحوار». ولكن الأهم، أنّه ليس محسوباً على أي تيّار داخل الجماعة بل كانت له مهمّات في تقريب وجهات النظر إبّان الأزمة الداخليّة التي عصفت بالجماعة، تماماً كرئيس مجلس الشورى المُنتخب الذي يوصف أيضاً بأنّه «محبوب وغير محسوب على طرف».
ليس معيار صغر السن وحده الذي كسره طقوش في أعراف الجماعة الانتخابيّة، إذ أنّه أول أمين عام من بيروت (جرت العادة أن يكون الأمين العام من الشمال)، ما يعني أنّ الجماعة تُريد إيلاء بيروت اهتماماً خاصاً، وهو ما يؤكده أيضاً انتخاب رئيس مجلس الشورى من أبناء العاصمة.