إبان الحكم المصري لبيروت (1831-1840) تحوّلت الأخيرة، سيّما المنطقة المحيطة بالمرفأ، إلى بقعة ساحلية مزدهرة بعد قرار إبراهيم باشا بتوسعة المرفأ، تمهيداً لاستقبال البواخر. بعد هذا التاريخ، بدأت التجمّعات السكنية المحاذية تكبر شيئاً فشيئاً، وسط ازدهار عمراني واقتصادي غير مسبوق، وتطوير للسكة الحديد في منطقة «مار مخايل». لندخل بعدها عصر المتصرفية العثمانية، التي عرفت وقتها في تلك المنطقة أيضاً، رخاء اقتصادياً، وأنتجت بحسب المهندس عبد الحليم جبر الطبقة المتوسطة التي أخذت تشيّد البيوت الفخمة ذات القراميد الحمراء.

المناطق المحيطة بالمرفأ، والتي عرفت حقبات تاريخية متعاقبة، شهدت بدورها على تحوّلات اجتماعية خاصة مع انتقال سكان «الجبل» إليها للعيش، فتنوّعت فيها أنماط العمارة، التي غلب عليها الطابع البرجوازي، إلى جانب انتشار «الأحواش» التي اختلطت فيها البيوت القديمة مع المساحات الخضراء داخلها، إذ عمد السكان الوافدون إلى «تكثيف الحياة الريفية» داخل المدينة، على حدّ قول جبر، مع تشييد للحدائق داخل القصور، إلى جانب صناعة الحواكير المائية.

(مروان بو حيدر)

القانون 194
هذه المنطقة بكل تنوّعها التاريخي، عرفت قبل عامين انفجاراً صُنّف على أنه أحد أضخم الانفجارات غير العسكرية في التاريخ. انفجار أصاب حوالي 85,744 وحدة سكنية في محيط المرفأ، بينها 1175 مصنّفة تراثياً تضرّرت بشكل كبير (90% منها)، إذ تحطّمت نوافذها الزجاجية، وفصلت جدرانها المصنوعة من الرمل، إضافة إلى سقوط أسقفها القرميدية والخشبية.
يومها، برز جشع المضاربين العقاريين الذين حاولوا الانقضاض على البيوت المتضرّرة، مقابل حركة مباشرة وطارئة، تمثلت بتدخل كلّ من محافظة بيروت وبلدية بيروت، ونقابتي المهندسين في بيروت وطرابلس، وغرفة الطوارئ في الجيش اللبناني، إضافة إلى «المديرية العامة الآثار»، وتُوّجت حركتهم بإصدار المجلس النيابي، بعد شهرين من الانفجار، القانون الرقم 194، الذي هدف إلى «حماية المناطق المتضرّرة ودعم إعادة إعمارها»، وإقرار منع التصرّف بحق الملكية لمدة عامين في مناطق الصيفي، والمدوّر، والرميل، وتجميد وكالات البيع، مع وضع وزارة الثقافة خطة مفصّلة لإعادة ترميم الأبنية المتضرّرة ذات الطابع التراثي، ومنع أي بناء موضوع على لائحة الجرد إلا بعد مراجعة الوزارة.

التدخّل الفوري
وكانت «نقابة المهندسين» أرسلت عقب الانفجار نحو 300 مهندس، أجروا كشفاً إنشائياً في المنطقة، كما يقول عضو مجلس النقابة توفيق سنان. ووضعت النقابة إشارة مؤقتة على المباني لمنع بيعها، وأيضاً بهدف حماية الناس من خطر سقوطها، وحظيت البيوت التراثية على الحصة الكبرى من الأضرار وعناء الترميم (لا يزال 150 مبنى قيد الترميم) أيضاً، كونها تحتاج إلى آلية خاصة.
وفيما تكاثرت الجمعيات غير الحكومية حول هذه المباني التاريخية، خرجت في 26 آب 2020 «مبادرة بيروت للتراث»، التي جمعت تحت خيمتها عدداً من الجمعيات المهتمة بالتراث وإنقاذ المباني التاريخية، ورفعت توصيات بشأن التدخل الفوري في المباني (تدعيم وعزل لمنع تسرّب المياه والهواء عبر تغطية الأسقف والنوافذ والأبواب)، لندخل بعدها مرحلة الترميم (رُمّم إلى اليوم نحو 650 مبنى تراثياً في محيط المرفأ)، وإعادة الإعمار، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه العملية. توزّعت هذه الجمعيات وقسّمت البقعة الجغرافية المتضرّرة إلى مناطق وأخذت على عاتقها إصلاح الأسطح والنوافذ، مع وضع الوزارة لمعايير حاسمة في آلية العمل. وأسهم وجود مهندسين من «معهد الفنون الجميلة» في «الجامعة اللبنانية» في المساعدة في هذه الأعمال، لنصل اليوم حسب جبر إلى إنجاز 70% من الأعمال مع ضرورة الالتفات إلى أن قسماً منها غير قابل للسكن.
رُمّم إلى اليوم نحو 650 مبنى تراثياً ولا يزال 150 قيد الترميم


وفي المسار عينه، دخلت «اليونيسكو» على خط إعادة ترميم وتأهيل عدد من المباني التراثية والتاريخية مطلقة حملة تبرعات تحت اسم «لبيروت» ومحذّرة في الوقت عينه، على لسان مديرته العامة أودري أزولاي، من مغبة «المضاربة والمعاملات العقارية التي تستغل كرب السكان وضعفهم». تحوّلت المباني التراثية إذاً إلى قضية عالمية، بحسب متخصّصة الآثار جوان فرشخ، التي رأت في ما حصل عاملاً إيجابياً، في وضع بيروت ضمن حالة الطوارئ. وأيضاً لما قدّمته هذه الكارثة من فرصة في تحسين هذه المباني بعد الانفجار.

غياب الآلية التطبيقية
بعد أسابيع قليلة تنتهي مفاعيل قانون 194، الذي بحسب جبر لم يضع آلية واضحة لكيفية الحفاظ على الأبنية التراثية، وذهبت بنوده سدى، خاصة في ظلّ عدم تشكيل لجان مختصّة لتطبيقه ووسط مراوحة حكومة تصريف الأعمال، وغياب أي قرار سياسي يوجب حماية هذه المباني.
الدليل الصادر أخيراً عن «استديو أشغال عامة» بعنوان «كيف نحمي سكان المناطق المتضرّرة من تفجير 4 آب وندعم إعادة تأهيلها؟» اعتبر أن القانون في شقه المتعلق بتجميد الملكية والتصرّف بها، لم يأت على ذكر معاملات رخص البناء الجديدة، مع إمكانية أي مستثمر بناء أبراج أو مبان لا تنسجم مع النسيج التقليدي للمنطقة، الأمر الذي يؤدي حتماً إلى تشويه طابع الأحياء ومحو الهوية التاريخية. إضافة الى عدم لحظ القانون أي تدابير خاصة بالمباني التراثية غير المصنّفة على لائحة جرد الأبنية التراثية. كذلك يصرّ سنان على ضرورة حماية الأبنية، مع اقتراح إعطاء المالك عقاراً للاستثمار في مكان آخر للحفاظ على هوية المنطقة، نظراً إلى ندرة هذه المباني التي بدأت تتضاءل في بيروت.
إذاً ستنتهي مفاعيل القانون المستجدّ، ويتكرّر السؤال حول حماية هذه الأبنية، مع إبقاء قانون حمايتها الذي عُمل عليه منذ عام 1996، حبيس أدراج البرلمان فما العمل؟
في هذا الإطار، يؤكد وزير الثقافة محمد وسام المرتضى، في اتصال مع «الأخبار» دأب وزارته على متابعة إجراءات حماية الأبنية التراثية، من خلال الامتناع عن منح أي تصريح بهدم هذه الأبنية. المرتضى، لفت أيضاً إلى قيام الوزارة بالإجراءات الآيلة إلى تمديد قانون 194 على طاولة مجلس الوزراء. وفي السياق عينه، يكشف عن تعاون الوزارة مع «اليونيسكو» لإعداد مخطط شامل للمناطق المتضرّرة يحافظ على الأبنية التراثية، ويطوّر الأحياء اقتصادياً واجتماعياً. كما لفت إلى سعي الوزارة لتأمين التمويل اللازم لإعادة بناء الأبنية التراثية، واستصدار مراسيم تنظيمية وقانونية تلحظ التعويض على مالكيها عبر نقل عامل الاستثمار من دون أن تتكبّد الدولة أيّ أعباء مالية.



قصر «سرسق»: من المنفعة الخاصّة إلى العامّة


فور حدوث الانفجار تكتّلت جمعيات المجتمع المدني وحتى الجهات الدولية، لإنقاذ متحف «نقولا إبراهيم سرسق»، في منطقة «الأشرفية». المتحف المتخصّص في الفنون المعاصرة، والذي تمتزج فيه الأساليب المعمارية العثمانية مع البندقية، أصاب عصف الانفجار قاعاته الداخلية إضافة إلى أبوابه الخشبية المزخرفة، ونوافذه العالية الملوّنة. علماً أن عمليات التدعيم التي تلقّاها المتحف قبل عشر سنوات، أسهمت في تخفيف حدّة الخراب، ومنعت المتحف من الانهيار الكامل، كما تقول لنا المتخصّصة في الآثار جوان فرشخ. فلم يصب هيكله الإنشائي، رغم فداحة حجم الدمار داخله، الذي أصاب النوافذ والأسقف والأبواب الحديدية.
لعلّ الدمار الأوسع طاول قصر «سرسق»، المبنى المواجه للمرفأ، والذي يُعدّ من بين أهم المواقع التراثية الثقافية ويعود تاريخه إلى عام 1860. لا شك أن الطابع الهندسي للقصر العريق، شكّل تحدياً كبيراً لإعادة ترميمه، مع ما خلّفه الانفجار من أضرار جسيمة (إصابة 95 نافذة وتطاير إطاراتها الخشبية على سبيل المثال)، والكلفة العالية التي ترتّبت عنه، فاستعين لإعادة ترميمه بمجموعة مهندسين لبنانيين، لاقوا من الجهات المموّلة، إشادة عالية على عملهم الدقيق في القصر، بعدما ساهموا بإنقاذ المعلم الثقافي ومقتنياته. ومن المتوقّع انتهاء أعمال الترميم في مدة تُراوح بين أربع وخمس سنوات. ليتقرّر بعد ذلك، تحويل القصر، المازج ما بين الطابعين الغربي والشرقي (خليط القراميد والأبراج والنوافذ الصغيرة والكبيرة) الذي سكنته عائلة «سرسق» وتوارثته جيلاً بعد جيل، إلى متحف. كما اشترط العديد من الجهات المموّلة بتحويله من مكان خاص الى منفعة عامة، تُفتح أبوابه أمام الزوار والمهتمين، إلى جانب حديقته الواسعة أيضاً. ومن المعلوم أن القصر يحوي لوحات ضخمة، يصل طولها إلى أكثر من 7 أمتار، ويعود تاريخها إلى أكثر من 300 عام، أُنقذ منها 450 لوحة فنية «باروكية»، وهي تُعدّ من أكبر مجموعة في الشرق الأوسط بحسب فرشخ.


قصر «بسترس» خارج الترميم


في قصر «بسترس»، فور حصول الانفجار، تولّى الجيش وقوات «اليونيفيل» مهمة تدعيم المبنى المتهالك، أقلّه من الخارج. ألقيت هذه المهمة على عاتقهما بما أن المبنى يعدّ مقراً عاماً للدبلوماسية اللبنانية، ومستأجر لمصلحة وزارة الخارجية اللبنانية، ولم تتدخل في تفاصيل تصليحه جمعيات المجتمع المدني المحلية. هكذا، دُعّم سقفه الذي يعدّ من أبرز التصاميم الصعبة والنادرة (يمتد على مساحة 920 متراً مربعاً)، وجرى العمل على تغطية قرميده، وعلى تنظيفه من الداخل (تولّت اليونيفيل هذه العملية التي أسفرت عن جمع 8 آلاف كيلو من الركام).
متخصّصة الآثار جوان فرشخ، كانت بين الذين عملوا في هذا القصر، بعد تمويل هولندي امتدّ على ستة أشهر. تروي فرشخ لـ«الأخبار» كيف أثّر عصف الانفجار على قرميد القصر البيروتي العريق، وخلّع جدرانه وصدّعها. ومع انتهاء عملية التدعيم، أُقفلت منذ عامين الأبواب في «بسترس»، من دون إجراء أي عملية ترميم، علماً بأن ذلك كان متاحاً في قانون 194/2020، الذي يسمح للمستأجر، أي الدولة اللبنانية بالترميم، إضافة إلى إهمال المالك (من آل سكر)، أيضاً لإجراء هذه العملية.
القصر اليوم على حاله، ينتظر الترميم، بعدما شكّل واحداً من أجمل قصور بيروت التراثية وأندرها، التي شيّدت في القرن التاسع عشر، وتتمتّع بطابع هندسي بيروتي بحت، من حيث القناطر والقراميد والألواح الرخامية والنوافذ العالية،
وحتى الثريّات الضخمة النحاسية الموجودة على الجدران والأسقف أيضاً، إضافة الى المرايا الخشبية والتي تشكل جميعها «أغراضاً متحفيّة» حسب فرشخ.