تزايدت أمس، بشكل كبير، محاولات التسويق لإيجابية مفتعلة داخلياً بشأن ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، بينما يسود انطباع لدى مصادر لبنانية بارزة بأن هذه الأجواء ليست جدية، بل محاولة للتخفيف من وقع التصعيد الذي فرضه كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أخيراً. وكان لافتاً أن هذه الإيجابية تزامنت مع تسريبات إسرائيلية لـ«اقتراح حل» ملغوم .

المصادر أكّدت أن ما يثار من أجواء إيجابية «هدفه التخفيف من التشنّج والإيحاء بأن المسعى الأميركي مستمر وأن احتمالات الحل أكبر من احتمالات المواجهة». فيما «حتى مساء أمس، كانت المعلومات تؤكّد بأن عاموس هوكشتين لا يحمل أيّ موافقة إسرائيلية على المطالب اللبنانية»، مشيرة إلى أن «الأميركيين أصبحوا جادّين في مسعاهم بعد كلام نصر الله وهم يحاولون إقناع الإسرائيلي بضرورة الاتفاق لأن الحرب ليست من مصلحة أحد». ورأت المصادر أن «العدو الإسرائيلي يميل الى السير في اتفاق الاستخراج المشترك والصندوق المشترك، رغم الانقسام الكبير بين القيادتين العسكرية والسياسية، لكن السؤال: هل يقبل حزب الله باتفاق كهذا، أم سيعتبره خطوة في اتجاه التطبيع؟».
إلى ذلك، سرّبت إسرائيل، عبر إعلامها أمس، ما وُصف بـ«اقتراح حل» للنزاع قدّمته إلى الولايات المتحدة لعرضه على لبنان. الاقتراح الذي يحمل في طيّاته إشارات إلى تنازلات إسرائيلية في الحدّ الجنوبي، يحمل أيضاً من الإبهام والضبابية ما يحتّم التعامل معه بحذر، وربّما أيضاً مع «لا» كبيرة، رغم ما يكتنفه من إشارات تراجع.
الاقتراح يركز على الحد الجنوبي ولا يتطرق إلى الفيتو الموضوع على التنقيب في المياه الاقتصادية للبنان، ما يضيف إلى تعقيدات الملف تعقيدات إضافية، من شأنها توجيه الواقع الميداني نحو تصعيد ما.
ووفقاً للتسريبات الإسرائيلية (موقع واللا العبري)، قدمت إسرائيل إلى الولايات المتحدة، الثلاثاء، مقترحاً قبيل وصول هوكشتين إلى بيروت، نهاية هذا الأسبوع. إذ التقى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إيال حالوتا، يرافقه وفد إسرائيلي، «الوسيط» الأميركي وكبير مستشاري الرئيس جو بايدن لشؤون الشرق الأوسط بريت ماكغورك في واشنطن. ونقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين أن الاقتراح يشمل التأكيد على استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات في ما يتعلق بمنطقة الخلاف مع لبنان، لكنها لن توافق على أي تنازل خارج منطقة النزاع. وفي هذه النقطة، إسرائيل مستعدة للتنازل في الحد البحري، على أن لا يؤثر ذلك في الحد البري. ويوضح الاقتراح أن لإسرائيل حقوقاً اقتصادية في أي خزان غاز يكتشف في المنطقة المتنازع عليها مع لبنان، وإن كانت جاهزة لإبداء مرونة في توزيع الأرباح المحتملة فيه.
وقال مسؤول إسرائيلي كبير: «نأمل أن يفهم الجميع أن هناك فرصة ذهبية للتوصل إلى اتفاق. لكن في هذه المرحلة، ليس لدينا ما يشير إلى أن الجانب اللبناني سيوافق». فهل كان المسؤول الإسرائيلي يقصد أن الجانب الأميركي سيمتنع أو يتردّد أو لا يلبّي بالكامل ما يطلب منه وفقاً لشروط حزب الله، أم يقصد أن لبنان لن يرضى بالاقتراح الإسرائيلي بما فيه من «ألغام« ظاهرة وغير ظاهرة.

إذا كان هدف الاقتراح «الإبداعي» نقل الكرة إلى الملعب اللبناني، فمن المرجّح أننا مقبلون على ما يحذّر منه الجميع


ضبابية الاقتراح أنه لا يحدّد المنطقة المتنازع عليها، ووفقاً لأيّ خط معتمد تتحدّد، كما أنه لا يرضى بالتنازل عن أيّ «حق» خارج منطقة التنازع، فهل يشمل ذلك ثلث حقل قانا؟ وإذا كان هذا الثلث خارج المنطقة المتنازع عليها، فكيف تجري عملية الاستخراج الغازي فيه، وكيف توزع الأرباح وفقاً للعرض المرفوض من لبنان؟ وماذا عن حقول أخرى قد تكتشف لاحقاً، وهل ستكون محلاً للتنازع بعد إصرار إسرائيل على «حقها» فيها؟ وفي السياق، هل يرضى لبنان بأن يتنازل عن حقه الغازي لإسرائيل، وهو الأهم من ناحيتها في هذه المرحلة، كي تعود وتعطيه أرباحها المالية فيه، مع «حق» لها بالتراجع ربطاً بحقها وملكيتها، ساعة تشاء؟
الاقتراح الإسرائيلي يفرض أسئلة كثيرة بلا إجابات في هذه المرحلة، في انتظار وصول هوكشتين. لكن أهمّها، وهو ما يجب أن يدرك مسبقاً: هل وُضع الاقتراح «الإبداعي» لنقل الكرة إلى الملعب اللبناني بين معارض ومؤيد؟ أي أن إسرائيل قامت بما عليها، فيما الخلاف اللبناني الداخلي يعرقل الحل؟ إن كان الأمر كذلك، فالتقدير الأكثر ترجيحاً أننا مقبلون على ما يحذّر منه الجميع.