إلى ما قبل «عملية المسيّرات» (2 تموز) وتهديدات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وما بينهما، كانت المعادلات والوقائع والتقديرات متساوقة مع المصلحة الإسرائيلية: مراوحة في مفاوضات الترسيم من دون مفاعيل ضارّة بالجانب الإسرائيلي، سواء في التنقيب أو الاستخراج أو النقل أو التخزين أو البيع والاستهلاك.

هذه المراوحة ارتبطت أساساً بتقديرات إسرائيلية، ثبت خطأها لاحقاً، بأن حزب الله مردوع ولن يقدم، خارج الموقف الكلامي، على ما من شأنه الإضرار بالقطاع الإسرائيلي الغازي. وأساس هذا التقدير يستند إلى تأثيرات الأزمة الاقتصادية التي تمنع الحزب من أي «مغامرة» ضد إسرائيل، وتفرض عليه درس خطواته بتأن وحذر شديدين. إذ إن اللبناني المأزوم اقتصادياً إلى حد الجوع، لا يمكنه تحمل أثمان أي تصعيد في وجه العدو. كانت إسرائيل شبه مطمئنة إلى انكفاء حزب الله عسكرياً. وعلى خلفية هذا الاطمئنان، أدارت ظهرها للبنان.
مع ثبوت خطأ التقديرات باتت المعادلة، وبالتالي تأثيراتها، مختلفة: تهديدات نصرالله وأرجحية تفعيل هذه التهديدات ما لم ترضخ إسرائيل، حوّلت المسألة الغازية والنزاع حولها مع لبنان، من إدارة الظهر التام إلى الانشغال الكامل. لكن ضمن تداعيات تعاظمت هذه المرة: على إسرائيل والولايات المتحدة أن تتنازلا في الحد الجنوبي البحري، وأن ترفعا الفيتو المفروض على شركات التنقيب في المياه الاقتصادية اللبنانية. وكما بدا من تأكيدات نصرالله، المطلب الثاني أكثر إلحاحاً من الأول.
ويرجح أن استجابة إسرائيل لهذين المطلبين بقدر ما تقدر جدية الحزب في تفعيل قدراته العسكرية ما لم تستجب لهما. وهما، ربما، أقل ضرراً على إسرائيل من الأضرار التي ستندم في سياق الرضوخ القسري: فماذا عن تداعيات هذا الرضوخ الذي يأتي نتيجة تهديد حزب الله؟
التراجع الإسرائيلي في الحد البحري، وكذلك التراجع عن الفيتو المفروض على شركات التنقيب عن النفط والغاز في لبنان، قد يكونان أسهل الشروط وأقلها تأثيراً على الأمن الإسرائيلي، من تلك المرتبطة بالمعادلة البينية الردعية بينها وبين حزب الله، والتي باتت في يد حزب الله، مهما كانت نتيجة المفاوضات.
فقد أضيف إلى سلة الأهداف الإسرائيلية، الموجودة لدى حزب الله، ما يعد مركز ثقل إسرائيلياً استراتيجياً، وهي المنشآت الغازية في عرض البحر، وما يرتبط بها من بنية تحتية بحراً وبراً. وهي عامل رادع إضافي، سيكون حاضراً ومؤثراً في المعادلات البينية بين الجانبين، وسيضيف عاملاً ردعياً جديداً لإسرائيل لا يقل أهمية عن أي عامل آخر دفعها إلى الارتداع عن لبنان في السنوات الماضية.
ومهما كانت الضمانات التي قد يستحصل عليها العدو، من خلال الاتفاق الغازي وغيره، ومع تصعيد أو من دونه، فإنها لن تضمن لها ألا تكون المنشآت محلاً لردود المقاومة، وإن في حد أدنى تدحرجاً، إذا تجاوزت قواعد الاشتباك مع الساحة اللبنانية، التي ستكون أكثر تحصيناً ومنعة، مع وجود هذه المنشآت.
هذه المعادلة، تعني، أيضاً، حصانة للمنشآت الغازية اللبنانية وما يرتبط بها من بنية تحتية في البحر والبر اللبنانيين. وهي حصانة تنتهي، لسوء حظ إسرائيل وبعض اللبنانيين، إذا لم يكن سلاح المقاومة جاهزاً ومستعداً لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، ما يحتّم على حزب الله، منطقياً، أن يعاظم قدراته للتأكد من بقاء الحصانة العسكرية للمنشآت اللبنانية العتيدة.