زرافات يدخلون إلى محالّ الصاغة في صيدا، حتى تكاد تمتلئ عن بكرة أبيها. أصحابها يستعينون ببقية أفراد عائلاتهم للمساعدة على استيعاب العدد الهائل من الزبائن وتلبية طلباتهم. يستغرب المارّة المشهد ويشبهونه بالطوابير المصطفّة أمام أفران الخبز. يطلقون تحليلاتهم التي تبدأ بالتساؤل المبطن «وين في فقر؟»، أو «قال انهيار قال» ولا تنتهي عند «شعب بيعشق البريستيج ولو بدو يشحد».

لكن من قال إن للأمر علاقة بالفقر، أو البريستيج، بما أن الزبائن، وغالبيتهم من النساء، ينتمون إلى طبقات مختلفة، ما يكشف ذلك نوعية البضاعة المشتراة، إذ يشتري الميسورون الحليّ الـ»BRAND»، أو تلك المشغولة والمنتمية إلى قائمة الموضة الدارجة، فيما يقبل غير الميسورين على الأونصة أو الليرة لأن سعرها يبقى صافياً عند إعادة بيعها.

الفقير هو من يدّخر
يؤكد مصطفى ج.، صاحب أحد المحالّ، مستنداً إلى زبائنه «كلّ الطبقات عم تشتري ذهب. شراؤه ليس دليلاً على الغنى، لأن كثيرين يشترونه رغبة في الادّخار وهذا أمر يقوم به الفقير أكثر من الغني». يكمل نظريته «اللي بيوقفوا ع طابور الخبز هني ذاتن اللي بيوقفوا بالطابور ليشتروا ذهباً».
جولة على محالّ المجوهرات في صيدا تؤكد هذه الملاحظة. هنا سيدة دفعت للتوّ ثمن إسوارة 1100 دولار، تقول إنها اشترتها هدية لوالدتها «الذهب له قيمته عند الأم، وسأسعى ألا تبيعها إذا ساءت الأوضاع في الأشهر القادمة».

ارتفعت قيمة عمولة التجار من 8 إلى 80 دولاراً عن الأونصة

بدورها جاءت سيدة أخرى لتتسلّم 11 كيساً، في كلّ منها علبة فيها قطعة ذهبية عبارة عن حفر اسم، سوف تحملها هدايا إلى أقاربها وأصدقائها في دبي. في المقابل، تفصح سيدة ثالثة أنها اغتنمت فرصة هبوط الذهب «اشتريت أونصتين لربما احتجت إلى ثمنهما لاحقاً لتسجيل ابنتي في الجامعة». بعض الزبائن، وتفادياً للوقوف في الطابور، لجأ إلى التواصل عبر «الفيديو كول» مع محالّ يعتمدونها لشراء الذهب لتأمين طلبية ما، كما وفّر بعض أصحاب محال الصاغة خدمة الدليفري إلى منازل زبائنه «التْقال». هذا التهافت جعل كميات الذهب من الأونصات والليرات في لبنان أقلّ بكثير من الطلب، ما زاد المنافسة على شرائها وأدّى إلى رفع قيمة عمولة التجار من 8 إلى 80 دولاراً عن الأونصة.

دولارات تعبانة
سبب الإقبال الظاهر انخفاض سعر الذهب عالمياً. رغم ذلك، لا يرى علي جمعة، صاحب أحد المحالّ، في هذا الانخفاض السبب الأوّل لـ»هجوم الناس على شرائه»، بل يؤكد أن «السبب الأساسي هو حاجة الناس إلى الأمان الادّخاري، ورغبتهم في التخلّص من حالة القلق على مصير الدولارات المخبّأة في المنازل داخل الخزنات وتحت البلاطة». دليل جمعة أنه يقبض من زبائنه ثمن الذهب «دولاراتٍ تعبانة بسبب الرطوبة التي تلحق بها جراء ظروف التخزين السيئة، بينما الذهب هو استثمار آمن». ويذكر جمعة مرحلة بداية الانهيار في لبنان، وتهافت المواطنين على بيع مصاغهم. يومها وفي عزّ إغلاقات كورونا، رفع الصاغة على أبواب محالّهم المغلقة لافتات - ما زالت معلّقة حتى اليوم - تفيد «نشتري ذهباً نقداً بالدولار، نحن في الداخل» مع رقم الهاتف. كان سعر الذهب يتصاعد، فباع الناس ما باعوه إما لتأمين متطلبات معيشتهم، أو للاستفادة من إمكانية سداد القروض للمصارف على الدولار المسعّر بـ1500 ليرة. اليوم يلجأ البعض إلى تعويض ما باعوه.
ويرى وائل نجم، صاحب أحد المحالّ، أن الهدف من إقبال الناس على شراء الذهب «هو التجارة، يشترون الآن ويبيعون مجدّداً عند ارتفاع الأسعار محقّقين ربحاً مالياً»، مستشهداً على ذلك بإقبال عدد من النازحين السوريين على استثمار الدولارات التي يحصلون عليها كمنحة من الأمم المتحدة في شراء ليرات ذهبية للادّخار.