على تلةٍ جرداء كانت خيم ملوّنة تنتشر على طول الخط الساحلي بين خلدة ودوحة عرمون. كان هذا منذ أكثر من 25 عاماً، قبل أن تشتري الدولة بعض الأراضي من عشائر عرب خلدة لإنشاء أوتوستراد الجنوب. سريعاً، ترك البدو تربية المواشي التي كانت تسرح في المكان، فاشتروا أراضيَ في تلال خلدة ودوحة عرمون والناعمة... حيث شيّدوا أبنية ومنازل.

كانت «العشائر» عشيرة واحدة هي الزريقات، قبل أن «تفرخ» 7 عائلات تقطن ساحل خلدة وتلالها اليوم. يرفض هؤلاء القول بأنهم طارئون على المنطقة. يشير أحدهم إلى غرفةٍ سكنها أجداده، مشيّدة على أطراف تلة خلدة، مؤكداً أن عمرها يعود إلى أكثر من 500 عام: «نحن هنا منذ أكثر من 10 أجيال. وجودنا على الساحل اللبناني أتى على 3 مراحل: مع خالد بن الوليد، ثم الأمويين، وبعدها مع صلاح الدين الأيوبي». ويضيف: «نملك وثائق لملكية الأراضي في خلدة من رأس المرقاب حتّى فقش الموج»، أي من قبل أن يُعتبروا لبنانيين في إحصاء 1932، هم الذين يحملون الرقم واحد في سجلات نفوس بلدة الشويفات، يليهم آل أرسلان الذين يحملون الرقم 2.
قبل أراضي الأوتوستراد باع عرب خلدة أراضيَ كثيرة إلى آل أرسلان وآل شمعون وآل بدر، ولم يتبقّ لهم اليوم سوى 200 ألف متر مربّع. بعضهم اشترى في المقابل أراضيَ في خراج بلدتي حمانا وعين دارة حيث كانوا يقضون 8 أشهر لتربية المواشي وزراعة الفواكه، فيما البعض الآخر يأخذ على الزعماء السياسيين أنّهم «شلّحونا أراضينا إما بالخجل أو بالتهديد بإرسال أولادنا بالسخرة إلى الحرب في عام 1914».

دارة خلدة
عمليّات البيع التي «قضمت» أراضيهم ليست «السقطة» الوحيدة التي يأخذها أبناء العشائر اليوم على الأجداد. بالنسبة إليها، لم تُوفق العشائر في نسج العلاقات السياسيّة، ولو أنها تدرك أنها أقليّة في «جبل الدروز». العلاقة مع الأرسلانيين لم تقم على النديّة. فعلياً، أرادت «دارة خلدة» دائماً أن تكون ممثلاً حصرياً لعرب خلدة، وممراً دائماً لأي علاقة ينسجونها مع أي سياسي. يستذكر أحد مشايخ العشائر عندما «حرد» المير مجيد أرسلان يوم دُعي كمال جنبلاط إلى خلدة وتم استقباله بحرارة وأقيمت مأدبة غداء على شرفه. يأخذ بعض وجهاء العشائر على الأرسلانيين أنهم يريدون الولاء والطاعة مقابل الحد الأدنى من الحقوق. ويشيرون، بما لا يخلو من الغيرة، إلى «عرب الجنوب» الذين «يحظون بغطاء من الرئيس نبيه بري ويعتبرهم خطاً أحمر. وظّف أبناءهم في القطاع العام وصار منهم ضباط وقضاة وقائمقام».

أرادت «دارة خلدة» دائماً أن تكون ممثلاً حصرياً لهم وممراً إلزامياً لأي علاقة ينسجونها مع أي سياسي


رغم ذلك، لا أحد ينكر «فضل» الأرسلانيين. دارة خلدة هي «عزوتنا»، يؤكدون، وهم ما كانوا يترددون في طرق باب «المير مجيد» يوم كان وزيراً للداخلية طالبين منه خدمات لأقاربهم من عرب البقاع وعرب عكّار. وكما الأب كذلك الابن، إذ إنّ النائب السابق طلال أرسلان كان لهم سنداً، ولا يترددون في طلب الخدمات منه، ولا سيّما تلك المتعلقة بتشييد طابق إضافي أو حفر بئر مياه أو طلب وظيفة. قبل سنوات، وظّف 80 من أبناء العرب في بلدية الشويفات. وإذا كان كثيرون يعتبرون أن «المير طلال» لم ينصفهم في مجال تأمين وظائف في القطاع العام، إلا أنهم يدركون أن الرجل، ببساطة، لا «يمون» على الكوتا السنيّة.

«الحريري وطن»
ولذلك، كان لزاماً التقارب مع الزعماء السنّة. كانت العلاقة مع الرئيس رفيق الحريري «مميّزة»، وكانت أبواب قريطم مفتوحة أمامهم متى شاؤوا للقاء الحريري الذي كان يتقصّد التحدّث معهم بلكنتهم البدويّة. يختصر أحد وجهاء العشيرة: «الرئيس الشهيد كان وطناً»، ولو أنّهم يأخذون عليه أنه «لم يقدّم رعاية خاصة للسنة، بل كان يردّد أنه غير طائفي»، ومثله فعل الرئيس سعد الحريري الذي «كان يردّد أنه لا يضع يده في أي مشروع تكون نهايته الدماء».
بالنسبة إليهم، «رفيق الحريري عزّز دور السُّنة وأعطى الصلاحيات لرئاسة مجلس الوزراء. لذلك مشينا معه كطائفة وخجلنا أن نطلب منه باسم العائلات. ولكن مع تضاعف دور السنة في عهد الحريري الابن صرنا نريد أن نستحصل على حقوق العشائر في الوظائف والحياة السياسيّة». لكنهم رغم كل الولاء للحريري الأب والابن من بعده، لم يستحصلوا على ما كانوا يطمحون إليه.
هكذا، بقي زعماء عشائر عرب خلدة يُقدّمون أوراق اعتمادهم إلى السياسيين من دون أن يجدوا حضناً يؤويهم ويميّزهم عن محيطهم. لا هم عرفوا كيف يتأقلمون مع الشيعة والمسيحيين، ولا أن ينتزعوا من الدروز استقلاليتهم، ولا حتى تمكّنوا من أن يتآلفوا مع سنّة الشوف. ما يعزّ عليهم أن أبناء طائفتهم ينظرون إليهم على أنّهم أقل درجة منهم. «المظلوميّة الكبرى»، بالنسبة إليهم، أنهم ليسوا تابعين للشوف حيث للوجود السني ثقل يمكنهم أن يزيدوا إلى ثقله ويحصّلوا في المقابل مكاسب يرونها من حقوقهم. عملياً، نفوسهم في عاليه حيث السنّة أقليّة، الأمر الذي لا يمكّنهم من أن يكونوا لاعباً يُحسب له حساب في الحياة السياسية أو الانتخابات النيابية، كما هي حال عشائر البقاع الأوسط مثلاً.
كلّ ذلك، حوّل عرب خلدة إلى سمكٍ يُنازع في محيطٍ لا يشبهه في الهوية السياسية أو الطائفيّة أو حتّى الاجتماعية، تماماً كالهوية اللبنانية التي لم ينجحوا في انتزاعها للحصول على حقوقهم، مكتفين بسنيّتهم التي لم تتقبّل تماماً تقاليدهم العشائرية. لذلك، لم يجدوا سوى فتح المعارك وإقفال الطرق ورقة قوّة تُعطيهم ميزة وتجعل منهم محوراً يمكن أن يفرض سطوته على الزعماء السياسيين، أو على الأقل كي يكون بإمكانهم القول «نحن هنا».



شيخ عشيرة الزريقات: نريد نواباً للعرب


(مروان بو حيدر)

الطريق إلى «ديوانية أبو أمير» في خلدة، عند الطلعة المعروفة بـ«طلعة أبو ديب» أو «طلعة نائل»، تملؤها الحفر. تتوزّع داخل الديوانية مقاعد حمراء وثيرة. الشبابيك «فوميه» بسبب الإجراءات الأمنية. يجلس أحد وجهاء العشائر العربية رياض الضاهر بعباءته البيضاء معتمراً العقال والشماغ، ويتحدث بلهجة بدوية. يرن هاتفه، كلمته التي يردّدها لمضيفيه «يا الله حيو»، يقولها أكثر من مرة قبل أن يدرك أن المتصل هو أحد الذين أطلقوا النار على أحد أبناء العرب من عشيرةٍ أُخرى. يسأل عن كيفية حصول الحادثة قبل أن يقول له: «الله يشيل عنك الدم». سريعاً، يُصدر حكمه بأن يصوم القاتل ويستغفر ربّه، ويبلغه أن «الأمر سيُحل، ولكن سأنفيك إلى خارج البلدة». يقفل «أبو زيدان» الخط ويكمل الحديث وكأنّ شيئاً لم يحصل.
بفخر، يلفت الشيخ الى أنّ النائبين محمّد سليمان ومحمّد يحيى هما من العشائر العربية. مع ذلك، يؤكد أن عشائر العرب الموزعين في المناطق بحاجة إلى مقعدين نيابيين مخصّصين للعشائر أو حتّى استحداث وزارة تهتم بشؤون العشائر، إذ إن «أحوال العرب في كل المناطق تحتاج إلى متابعة خاصة».
يختصر العلاقة بالدولة بعبارة واحدة: «إنها الأم الفاسدة التي لا تنصف أولادها». ولا يخفي عتبه على السياسيين الذين رفضوا أن يساعدوا عرب خلدة وعرب السعديات على استحداث بلديات خاصة بهم، وإن كان الحريري الأب تمكّن بالاتفاق مع النائب السابق طلال أرسلان على إعطاء كوتا للعرب (عضو واحد) في مجلس بلدية الشويفات.
يدرك «أبو زيدان» أن تحويل الشويفات من بلدة إلى مدينة وأد فكرة استحداث بلديّة خاصة بخلدة. لذلك، صار مطلبه محصوراً بأن تُعد خلدة حياً رابعاً من أحياء الشويفات (الإمارة والعمروسية والقبة) بدلاً من أن يكونوا تابعين لحي القبّة، ما يعطيهم شيئاً من حقهم باختيار مختارين أو 3 أسوةً بالأحياء الأُخرى، وهذا ما يُسهّل عليهم إصدار شهادات الولادة والوفاة التي تُشكل صعوبة على أبناء العرب.
أما بشأن ما يُحكى عن علاقات وطيدة للعشائر في لبنان مع امتداداتها في دول الخليج وارتداداتها على المستوى السياسي، فينفي شيخ العشيرة الأمر، مذكّراً أن دعوته إلى السفارة السعودية أخيراً كانت الأولى من نوعها. هناك لم يتردد الرجل بأن يُطالب بعلاقات مباشرة مع السفارة السعودية وثم الديوان الملكي وفتح علاقات مميزة مع أكثر من مرجعٍ للعشائر مع الدول الخليجيّة كي لا يكون ممرها محصوراً بشخصٍ واحد، ولو أنه يعترف أن مطلبه ما زال شعاراً على ورق.
«الحزب عدوّنا»؟
تختلف علاقة أبناء عشيرة عرب خلدة مع حزب الله، بين أشخاص يخاصمون الحزب إلى حد الدماء التي سالت في اشتباكات آب 2021، وبين آخرين صاروا محسوبين على الحزب وسرايا المقاومة. داخل العائلة الواحدة انقسامات جذرية، ولو كان البعض يعتبر أن المحسوبين على الحزب هم «قلّة من المنتفعين».
القريبون من الحزب يردّدون أنّ العلاقة معه هي «علاقة جيرة أولاً على اعتبار أن الشيعة موجودون في المنطقة منذ أكثر من 20 سنة. وقد حملنا السلاح ضد العدو الإسرائيلي في معركة خلدة كتفاً إلى كتف معهم»، مضيفين: «المقاومة والجيرة تجمعاننا، بغضّ النظر عن بعض الخلافات في وجهات النظر في الملفات السياسية». أما خصوم الحزب فلا يتردّدون في رد الخصومة إلى «خلافات عقائدية في الأصل، قبل أن تتطور في عام 2005 عند اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم تشييد حسينيّة عند الطريق العام في خلدة». بالنسبة إلى هؤلاء، «لو اعترفت كل الدول بأنها قتلت الرئيس رفيق الحريري فإننا لا نُعفي الحزب من مسؤوليته». رغم ذلك، يأخذون على الرئيس سعد الحريري عدم إعطائهم الغطاء لمواجهة الحزب «كما غسل يديه» منهم بعد اشتباكات خلدة. ويؤكدون أن «لا شيء يُمكن أن يعيد المياه إلى مجاريها مع الحزب. ملف الموقوفين وبلاغات البحث والتحري الصادرة بحق أكثر من 15 منهم تُعزّز الخلاف أكثر وأكثر»، ولا يتردّدون في اتهام الحزب بإقامة «مشاريع في خلدة لرصد تحركاتنا».